حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 00:14
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
” الانحدار الأخلاقي الحديث لا يعلن نفسه، بل يتخفى خلف لغة التقدم والنجاح والواقعية “.
” حين تتحول القيم إلى خطابات، والأخلاق إلى شعارات، يصبح الانحدار الأخلاقي نظاماً لا انحرافاً “. (الكاتب)
” لقد تسربت السيولة إلى كل نواحي الحياة، وغيرت النظرة إلى الذات ومايزت بين غموض الهوى وشهوة الذات، ولم تحقق وعد الأمن، ولا نبوءة الحرية “ (باومان، 2016، ص. 18).
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة لم تعد تمس البنى الاقتصادية والسياسية فحسب، بل امتدت إلى أعماق الوعي الإنساني ذاته، حيث أخذت الأخلاق تتراجع من موقعها بوصفها بوصلة موجهة للفعل الإنساني إلى هامش الحياة اليومية، لتحل محلها قيم النفعية واللذة والنجاح السريع. لم يعد الانحدار الأخلاقي مجرد حكم معياري أو حنين إلى زمن مضى، بل صار ظاهرة اجتماعية معقدة تتشكل في قلب السياق الحديث، حيث تتقاطع النزعة الاستهلاكية مع المادية، وتتغذى الغرائزية من ثقافة الصورة، وتجد التفاهة بيئة خصبة في اقتصاد الانتباه، بمعنى آخر، أن الحداثة السائلة التي تقوم على منطق الاستهلاك بمعناه العميق للمكان والقيم والأشياء والعلاقات في ظل عصر العولمة (باومان، 2016، ص.12). وفي هذا السياق، يتغير معنى الإنسان نفسه، فلا يُقاس بعمق إنسانيته أو التزامه القيمي، بل بقدرته على الاستهلاك والظهور وجذب الانتباه، وكأن الوجود قد اختزل إلى سلسلة من اللقطات السريعة في مسرح افتراضي واسع (Postman, 1985, pp. 5–8).
إن المجتمع الاستهلاكي لا يعيد تشكيل الاقتصاد فحسب، بل يعيد تشكيل الإنسان، إذ يتحول الفرد من كائن قيمي يسعى إلى المعنى إلى كائن استهلاكي يبحث عن الإشباع، ومن ذاتٍ فاعلة إلى موضوع داخل منظومة السوق. كل شيء يصبح قابلاً للتسليع مثل الجسد، والصورة، والمشاعر، وحتى العلاقات الإنسانية، حيث تبنى الروابط على المنفعة أكثر مما تبنى على التضامن، ويغدو النجاح مرادفاً للامتلاك لا للإنجاز، وللظهور لا للجوهر (Baudrillard, 1998, pp. 25–30)، حيث عملت فكرة الموضة على حصر كل القيم الإنسانية في قيمة واحدة وهي التسارع والتماشي مع كل ما هو جديد بعيداً عن كل ما هو أخلاقي أو ديني، فأصبحت بذلك أخلاقية الجمال من أخلاقية الموضة. وبالتالي فإن المجتمع الاستهلاكي ومن خلال دور الإعلانات في نشر وتعزيز الموضة وتحويل قيم الفطرة الإنسانية، أصبحت تهتم بالجسد لا بوصفه قيمة خاصة بالإنسان، وإنما بوصفه سلعة قابلة للعرض والتسويق كالأشياء يمكن عرضها وبيعها لتحقيق غرض استهلاكي آني (فياض، 2022، ص. 45).
فأصبحت " المتعة خير من الحق أو الواجب " (باومان، 2016، ص. 118). وفي ظل هذا التحول، تتآكل الأخلاق ببطء، ليس لأن الناس قرروا التخلي عنها، بل لأن السياق ذاته لم يعد ينتج شروطها، فالأخلاق تحتاج إلى معنى، وإلى زمن للتأمل، وإلى قدرة على تأجيل الرغبة، بينما يفرض المجتمع الاستهلاكي إيقاعاً سريعاً لا يسمح إلا بالاستجابة الفورية (Fromm, 1976, pp. 35–40).
ويتعمق هذا المسار مع هيمنة النزعة المادية التي تختزل الواقع في بعده المحسوس، فتهمش الأبعاد الروحية والمعنوية، ويعاد تعريف الإنسان بوصفه كياناً اقتصادياً أو بيولوجياً، لا كائناً أخلاقياً. حين تصبح المادة معيار القيمة، يتحول الإنسان إلى شيء بين الأشياء، وتفقد العلاقات الإنسانية بعدها الإنساني، ويصبح من السهل تبرير الخداع والاستغلال والتلاعب بوصفها وسائل طبيعية للنجاح، " حيث أصبحت التكنولوجيا الناقل الأكبر للتشيؤ، ذلك التشيؤ الذي بلغ أكمل أشكاله وأنجعها. فالوضع الاجتماعي للفرد وعلاقاته مع سائر الأفراد تتحدد على ما يبدو بصفات وقوانين موضوعية " (ماركيوز، 1988، ص. 193). وهنا لا يظهر الانحدار الأخلاقي بوصفه انحرافاً فردياً، بل كنتاج منطقي لواقع يكافئ المصلحة ويهمش القيمة، ويمنح الشرعية للقوة أكثر مما يمنحها للحق (Taylor, 1992, pp. 1–5).
بذلك، تتصاعد النزعة الغرائزية والشهوانية بوصفها شكلاً من أشكال التعويض عن فراغ المعنى، حيث يعاد تقديم اللذة باعتبارها غاية في ذاتها، لا لحظة في مسار إنساني أوسع. الثقافة المعاصرة، خاصة عبر الإعلام الرقمي، تشجع الإشباع الفوري وتضعف القدرة على الضبط، حتى بدا أن الإنسان يتحرر من القيود الخارجية ليقع في أسر رغباته الداخلية (Han, 2015, pp. 9–15). غير أن الغريزة حين تفصل عن الأفق القيمي لا تقود إلى الحرية، بل إلى نوع من العبودية الناعمة، حيث يتحول الإنسان إلى مستهلك للرغبة لا صانع للمعنى، وتفقد الأخلاق دورها حين تتراجع قدرتها على ضبط الرغبات، وتوجيه الاختيار، وترسيخ الإحساس بالمسؤولية (Fromm, 1976, pp. 52–60).
وفي هذا المناخ تحديداً، تزدهر ثقافة التفاهة، لا بوصفها سطحية عابرة، بل كبنية ثقافية تعيد ترتيب سلم القيم. التفاهة تعني أن يزاح الجوهري لصالح الهامشي، وأن يتحول التافه إلى مركز، وأن يصبح الانتباه بديلاً عن المعنى. لم تعد القيمة تقاس بعمق الفكرة أو أثرها، بل بقدرتها على الانتشار، ولا بصدق التجربة، بل بسطوع الصورة (Debord, 1994, pp. 24–30). وهكذا تنشأ نماذج جديدة من النجاح قائمة على الإثارة والظهور، لا على المعرفة أو الإبداع، ويتشكل وعي جمعي يرى في السطحية أمراً عادياً، وفي الابتذال شكلاً من أشكال الواقعية (Ritzer, 2013, pp. 1–7).
ويؤدي الإعلام الرقمي (مواقع التواصل الاجتماعي) دوراً حاسماً في هذا التحول، ليس لأنه يفرض التفاهة، بل لأنه يخلق بيئة تُكافئها. اقتصاد الانتباه يقيس القيمة بكمية التفاعل، والخوارزميات تميل إلى ترويج ما هو مثير وسريع، لأن ذلك يضمن البقاء داخل الدائرة، وهكذا تتضخم الإثارة على حساب العمق، ويصبح الابتذال أكثر حضوراً من الفكر، وتتسارع عملية تسييل القيم، حيث تعزى " السيولة " التي تتسم بها أزمتنا في الأصل إلى تفكيك النظم، بمعنى فصل السلطة (القدرة على فعل الأشياء) عن السياسة (القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها)، وما يصاحب هذا الفصل من غياب للقوة الفاعلة أو ضعفها، أو بعبارة أخرى عدم كفاية الأدوات اللازمة للقيام بالمهام (باومان، 2016، ص.33). ومع السعي إلى هدم وتفكيك المرجعيات الكبرى (الأديان)، يجد الفرد نفسه في فضاء مفتوح بلا بوصلة، فيلجأ إلى ما هو فوري وسهل ومتاح، حتى لو كان فارغاً (Taylor, 1992, pp. 68–75).
غير أن الانحدار الأخلاقي لا يعني نهاية الأخلاق، بل يكشف عن أزمة أعمق هي أزمة المعنى. فحين يفقد الإنسان إحساسه بالغاية، يبحث عن التعويض في الاستهلاك، واللذة، والصورة، والشهرة، والتفاهة ليست سوى عرض لهذا الفراغ (Fromm, 1976, pp. 110–118). إن مقاومة هذا المسار لا تبدأ بالوعظ ولا بالحنين إلى الماضي، بل بإعادة بناء المعنى، وباستعادة الإنسان لقدرته على التأمل والاختيار والمسؤولية. الأخلاق ليست أوامر جاهزة، بل تجربة بحث دائم عن إنسانية الإنسان في عالم يميل إلى اختزالها (Bauman, 2007, pp. 135–140). ربما لا يكون التحدي الأكبر أمام إنسان العصر أن يعيش أكثر، بل أن يعيش أعمق، وأن يستعيد شجاعته في طرح السؤال الأصعب: كيف أكون إنساناً في عالم يختبر إنسانيتي كل يوم.
وإذا كان الخطاب الشائع يربط الانحطاط الأخلاقي بسطح المجتمع أو بهوامشه، فإن القراءة النقدية تكشف أن أخطر تجلياته تتشكل داخل البنى النخبوية ذاتها، حيث تتقاطع السلطة بالمعرفة، ويتحول النفوذ إلى آلية لإعادة تعريف القيم وفق منطق المصلحة. ففي السياق الغربي المعاصر، لم يعد الانحطاط الأخلاقي مسألة سلوك فردي بقدر ما أصبح جزءاً من بنية ثقافية تنتجها النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية حين تخضع المعايير الأخلاقية لضرورات القوة والسوق والصورة. هنا تتراجع الأخلاق من كونها معياراً موجهاً للفعل إلى أداة تبرير، ويعاد تأويل مفاهيم مثل الحرية والحقوق والتقدم بما يخدم الهيمنة أكثر مما يخدم الإنسان.
إن المفارقة تكمن في أن النخب التي تقدم نفسها بوصفها حارسة العقلانية والتنوير قد أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تسييل القيم وتحويلها إلى خطابات مرنة قابلة للتوظيف. فحين تفصل الأخلاق عن بعدها الإنساني وتربط بالمنفعة الاستراتيجية، يصبح من الممكن تبرير الازدواجية، وتسويق الهيمنة، وإعادة إنتاج اللامساواة تحت شعارات كونية براقة. بذلك لا يظهر الانحطاط الأخلاقي في صورة سقوط فج، بل في صورة انزلاق ناعم، يتخفى خلف لغة التقدم والحداثة، ويعيد تشكيل الوعي بحيث يبدو التناقض أمراً طبيعياً. وهكذا غيّرت الرأسمالية مقومات العيش الإنساني وإعادة تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معاني أكثر اقتراناً بالرأسمالية في مراحلها المتتالية، وبالتالي أعادة علينا طرح سؤال: ماذا نعني بالإنسانية؟ وما خصائصها؟ (باومان، 2016، ص.13-14).
غير أن نقد هذا المسار لا يعني الوقوع في ثنائية التمجيد أو الإدانة، بل يفتح أفقاً لسؤال أعمق: هل يمكن استعادة أخلاق إنسانية كونية تتجاوز منطق القوة والمصلحة؟ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في كشف الانحطاط فحسب، بل في إعادة بناء المعنى الأخلاقي داخل فضاء عالمي معقد تحكمه المصالح، حيث لم يعد يكفي امتلاك المعرفة أو القوة، بل أصبح ضرورياً امتلاك شجاعة المراجعة. وربما تبدأ هذه المراجعة من اعتراف بسيط لكنه حاسم " أن تقدم الإنسان لا يقاس بما يملكه من أدوات، بل بما يحافظ عليه من إنسانيته ". فالمجتمع الذي يختزل وجوده في منطق اللذة يغامر بفقدان المعنى، ومع تآكل المعنى تتصدع الذات، فقد كشفت الأحداث والتسريبات الأخيرة عن توترات أخلاقية داخل خطابات تدعي احتكار تمثيل قيم الإنسانية والديمقراطية والحرية في العالم المعاصر.
-----------------------------------------------------------
- المراجع المعتمدة:
1. باومان، زيجمونت. (2016). الحداثة السائلة. ط1. (ترجمة، حجاج أبو جبر؛ تقديم: هبة رؤوف عزت). بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
2. ماركيوز، هربرت. (1988). الإنسان ذو البعد الواحد. ط1. (ترجمة، جورج طرابيشي). بيروت: منشورات دار الآداب
3. فياض، حسام الدين. (2022). نظرية نقد المجتمع الاستهلاكي عند جان بودريار. العدد: 434. بغداد: مجلة الثقافة الجديدة.
4. Baudrillard, J. (1998). The consumer society: Myths and structures. Sage Knowledge.
5. Bauman, Z. (2007). Consuming life. Polity Press.
6. Debord, G. (1994). The society of the spectacle. Zone Books.
7. Fromm, E. (1976). To have´-or-to be?. Harper & Row.
8. Han, B. Chul. (2015). The burnout society. Stanford University Press.
9. Postman, N. (1985). Amusing ourselves to death: Public discourse in the age of show business. Penguin Books.
10. Ritzer, G. (2013). The McDonaldization of society. (20th anniversary ed.). Sage Publications.
11. Taylor, Charles. (1992). The ethics of authenticity. Harvard University Press.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟