أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسام الدين فياض - من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي والثقافي؟















المزيد.....

من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي والثقافي؟


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 02:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


” ليست القوة الحقيقية في قدرة المؤسسات على إدارة الأحداث، بل في قدرتها على تشكيل الوعي الجمعي الذي يفسر تلك الأحداث. فالقرارات تصنع في لحظتها، أما الوعي فيبنى عبر سنوات من إنتاج المعرفة، وصياغة الأفكار، وترسيخ القيم. ومن ينجح في قيادة الوعي الجمعي، ينجح في رسم اتجاه المجتمع، لأن العقول هي الميدان الأول الذي تحسم فيه معارك الأمم “ (الكاتب).

شهدت المجتمعات المعاصرة تحولات عميقة في طبيعة السلطة التي توجه الأفراد وتعيد تشكيل وعيهم الجمعي. ففي الماضي القريب، كانت المعرفة السياسية تنتج داخل الجامعات ومراكز الدراسات ومؤسسات البحث التي تستند إلى مناهج علمية، وفرق متخصصة، وتراكم معرفي يهدف إلى فهم الظواهر وتحليلها واقتراح البدائل الممكنة. وكانت قيمة الفكرة تقاس بقدرتها على تحليل وتفسير الواقع، لا بقدرتها على إثارة الثرثرة الإعلامية حوله. أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة بصورة لافتة، إذ لم تعد المنافسة تدور بين الأفكار، وإنما بين وسائل جذب الانتباه. وأصبح المجال السياسي والثقافي خاضعاً لمنطق الاستعراض أكثر من خضوعه لمنطق التحليل، حتى بات المشهد في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من الحقيقة، والانفعال أكثر حضوراً من البرهان. وبهذا المعنى، لم تعد المعركة الأساسية تدور حول من يمتلك المعرفة، بل حول من يمتلك القدرة على تسويقها أو تشويهها أو استبدالها بعرض أكثر إثارة وأسرع انتشاراً.

وحسب علم الاجتماع النقدي المعاصر، لا يمكن فهم هذا التحول بوصفه نتيجة طبيعية للتطور التكنولوجي وحده، بل بوصفه إعادة توزيع لمصادر القوة داخل المجتمع. فالسلطة لم تعد تحتكرها المؤسسات الرسمية أو النخب الأكاديمية، وإنما انتقلت بدرجة كبيرة إلى الفاعلين القادرين على صناعة الانتباه وإدارة المشاعر الجماعية. لقد نشأ ما يمكن تسميته باقتصاد الوعي، حيث أصبحت العقول تدار وفق قوانين السوق الإعلامي، وأصبحت الحقيقة نفسها تخضع لمعايير المنافسة على المشاهدة والتفاعل. وفي ظل هذه البيئة، لم يعد الخبير ينافس خبيراً آخر في جودة التحليل، بل أصبح ينافس شخصية استعراضية تمتلك قدرة أعلى على صناعة الجدل وإثارة الانقسام وإبقاء الجمهور في حالة متابعة دائمة. وهكذا تتراجع المكانة الاجتماعية للمعرفة المتخصصة أمام صعود رأس مال جديد يقوم على الشهرة والانتشار والقدرة على احتلال المجال العام، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والموضوعية.

ومن هنا بدأ يتشكل ما يمكن وصفه بالسيرك السياسي والثقافي، وهو ليس مجرد حالة من الترفيه أو المبالغة الإعلامية، بل نمط جديد لإدارة المجال العام. ففي هذا السيرك، تتحول السياسة إلى سلسلة من العروض اليومية، ويصبح السياسي أقرب إلى المؤدي منه إلى رجل الدولة، ويتحول المثقف إلى صانع محتوى يسابق مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بدل أن ينافس بالأفكار، بينما يختزل النقاش العام في عناوين صاخبة ومواقف متشنجة وثنائيات حادة لا تسمح بظهور المناطق الرمادية التي يعيش فيها الواقع الحقيقي. وفي مثل هذا المناخ، لا يطلب من الجمهور أن يفهم القضايا، وإنما أن ينحاز بسرعة، وأن يصفق أو يهاجم، وأن يشارك في دورة مستمرة من الاستهلاك العاطفي للأحداث. وهنا يكمن الخطر السوسيولوجي، إذ تتحول الجماهير تدريجياً من مواطنين يمتلكون القدرة على التفكير النقدي إلى جمهور يعيش داخل مسرح دائم، يتابع المشاهد أكثر مما يقرأ الوقائع، ويتفاعل مع الشخصيات أكثر مما يناقش الأفكار.

ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الإعلام، بل يمتد إلى بنية القرار السياسي ذاته. فعندما تصبح الشعبية الرقمية أكثر تأثيراً من التقارير العلمية، يبدأ صانع القرار هو الآخر بالاستجابة لما تصنعه المنصات الشعبية لا لما تكشفه الدراسات الأكاديمية. وتتحول استطلاعات الرأي اللحظية إلى بديل عن البحوث الاستراتيجية، ويصبح الهاشتاغ والترند أسرع نفوذاً من التقرير العلمي والأكاديمي، بينما تتراجع قيمة التخطيط طويل المدى أمام ضغوط اللحظة الإعلامية. وهكذا لا يعاد تشكيل الرأي العام فقط، بل يعاد تشكيل القرار العام أيضاً، فتدخل الدولة والمجتمع في دائرة من السياسات الانفعالية التي تستجيب لما يثير الضجيج، لا لما تفرضه المصالح الاستراتيجية. ومن أخطر نتائج هذا المسار أن السياسة تفقد بعدها العقلاني تدريجياً، وتتحول إلى إدارة متواصلة للانطباعات بدل إدارة الوقائع.

ومع ذلك، فإن الإعلان عن نهاية دور مراكز الدراسات سيكون حكماً متسرعاً يفتقر إلى الدقة السوسيولوجية والمنطقية. فهذه المؤسسات لا تزال تنتج المعرفة، وتوفر التحليل، وتصوغ البدائل، لكن تأثيرها أصبح محاصراً داخل فضاء عام تغيرت قواعده بالكامل. فالمشكلة ليست في ضعف المعرفة، بل في تراجع قدرتها على منافسة الصناعة اليومية للانتباه. إننا نعيش لحظة تاريخية لم تعد فيها الحقيقة تنتصر لأنها صحيحة، بل لأنها استطاعت أن تجد طريقها وسط فوضى هائلة من الصور والشعارات والاستعراضات. ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات المعاصرة لا يكمن في إنتاج مزيد من الدراسات فحسب، بل في استعادة المكانة الاجتماعية للعقل النقدي، وإعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها شرطاً لتوجيه السياسة لا مجرد تعليق أكاديمي على أحداث سبق أن صنعتها آلة الاستعراض. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد المقارنة بين مراكز الدراسات والسيرك السياسي والثقافي، إذ يغدو السؤال المركزي هل ما زالت المجتمعات تدار بالعقل الذي يفسر الواقع، أم بالصورة التي تعيد إنتاجه وفق ما تقتضيه مصالح القوة ومنطق الفرجة؟ فهذا السؤال لا يتعلق بمستقبل المعرفة وحدها، بل بمستقبل الديمقراطية، والدولة، والإنسان في عصر أصبحت فيه إدارة الوعي أكثر أهمية من إدارة الوقائع نفسها.

خلاصة القول، إن استقرار الدول لا يحفظه بريق الخطاب، ولا كثافة الظهور الإعلامي، بل تحميه منظومة معرفية قادرة على إنتاج الفهم قبل صناعة المواقف، وعلى ترسيخ الوعي قبل إدارة الأزمات. فحين تتقدم مراكز الدراسات والمؤسسات الفكرية في توجيه المجال العام، تتحول السياسة من إدارة للانفعالات إلى إدارة للمصالح، وتغدو الثقافة أداة لبناء الإنسان لا وسيلة للاستعراض، ويصبح الرأي العام أكثر قدرة على التمييز بين الحقائق والانطباعات، وبين التحليل الرصين والجعجعة العابرة.

أما حين يتراجع العقل الأكاديمي المؤسسي، ويعلو منطق الفرجة والإثارة، فإن الوعي الجمعي يفقد بوصلته، وتصبح القضايا الكبرى رهينة الشعارات العابرة، وتتحول الأولويات الوطنية إلى استجابات آنية تمليها موجات الاستقطاب لا مقتضيات المصلحة العامة.

لذلك، فإن مستقبل المجتمعات لا يتحدد بمن يحتكر منصات التواصل الاجتماعي (المصاطب الثقافية التي يغلب عليها الطابع الارتجالي أو الشعبوي)، بل بمن يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة الموثوقة، وترجمة نتائجها إلى سياسات رشيدة، وصناعة مواطن يوازن بين العاطفة والعقل، ويحتكم إلى البرهان قبل الانحياز. فحين يقود الوعي العلم لا الاستعراض، والعقل لا الانفعال، تصبح السياسة أكثر رشداً، والثقافة أكثر عمقاً، والدولة أكثر استقراراً، لأن الحضارات لا تنهض بفوضى اللحظة، وإنما تتقدم بعقول تعرف كيف تفكر قبل أن تعرف كيف تتكلم.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم
- أن تحمي إنسانيتك دون أن تفقد ذاتك ( رؤية تحليلية – نقدية في ...


المزيد.....




- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 40 مسيرة كانت متجهة نحو موسكو خ ...
- لقطات صادمة توثق شجارا جنونيا بين عمال تسقيف واستمرارهم في ...
- لقطات مرعبة توثق لحظة اصطدام قطار بسيارة ودفعها مئات الأمتار ...
- سفير روسيا في بريطانيا: موسكو تملك خيارات رد مؤلمة في حال اس ...
- الكشف عن -فضيحة- كبرى في إسرائيل تتعلق بإيران
- غيراسيموف يقدم لبوتين تقييما شاملا للعمليات.. تقدم واسع وضرب ...
- القائم بأعمال حاكم بيلغورود: أضرار في البنية التحتية جراء هج ...
- التحالف: تصريحات الحوثيين للتغطية على انتهاكاتهم وسنرد بحزم ...
- من احتفال وطني إلى طابع شخصي.. ترمب يهيمن على الذكرى الـ250 ...
- القوات الروسية تحرر مدينة كونستانتينوفكا


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسام الدين فياض - من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي والثقافي؟