أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - من يربي أبناءنا اليوم؟














المزيد.....

من يربي أبناءنا اليوم؟


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 14:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


شهدت عملية التنشئة الاجتماعية خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً لم يقتصر على الوسائل والأدوات، بل امتد إلى الجهات التي تملك سلطة التأثير في تشكيل وعي الأفراد. فبعد أن كانت الأسرة والمدرسة تمثلان المصدرين الرئيسيين لغرس القيم والمعايير الاجتماعية، برزت وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها فاعلاً جديداً ينافس مؤسسات التنشئة التقليدية في بناء وتوجيه عقول الأبناء واهتماماتهم. وأصبحت الشاشات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بدرجة غير مسبوقة، حتى بات الطفل يتلقى كثيراً من تصوراته عن العالم والنجاح والعلاقات والسلوك من فضاء رقمي مفتوح أكثر مما يتلقاها من محيطه الأسري المباشر. وبهذا المعنى، لم تعد التربية عملية محصورة داخل المنزل أو المدرسة، بل تحولت إلى عملية موزعة بين أطراف متعددة تتنافس جميعها على توجيه الانتباه وصياغة الإدراك.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تكمن خطورة هذا التحول في أن وسائل التواصل لا تنقل المعلومات فحسب، بل تعيد تشكيل أنماط التفكير والميول والتوقعات الاجتماعية. فالطفل أو المراهق لا يتأثر بما يشاهده فقط، وإنما يسعى تدريجياً إلى التماهي مع النماذج الأكثر حضوراً وجاذبية في البيئة الرقمية. ومع مرور الوقت، تصبح مواقع التواصل الاجتماعي شريكاً خفياً في عملية التنشئة، إذ تحدد ما يعرض وما يخفى، وما يستحق الإعجاب وما يستحق التجاهل. وهكذا ينتقل مركز التأثير من الأسرة التي كانت تقدم قيماً مستقرة نسبياً إلى فضاء متغير تحكمه السرعة والجاذبية البصرية ومنطق الانتشار. وفي كثير من الأحيان، يجد الآباء أنفسهم في مواجهة مصادر تأثير تفوق قدرتهم على المتابعة والتوجيه، ليس بسبب ضعف اهتمامهم، بل بسبب اتساع المجال الرقمي وتعقيد آلياته.

أما من منظور علم الاجتماع التربوي، فإن القضية لا تتمثل في وجود التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في تراجع الدور التربوي للمؤسسات التقليدية أمام نفوذها المتصاعد. فحين تنحصر وظيفة الأسرة في الرعاية المادية والجسدية، وتتراجع قدرتها على بناء المعنى والقيم والهوية، يظهر فراغ تربوي تسارع المنصات الرقمية إلى ملئه وفق منطقها الخاص. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بمستقبل التنشئة أكثر من تعلقه بالتكنولوجيا نفسها... من الذي يربي الأجيال الجديدة؟ ومن الذي يحدد معايير الصواب والخطأ والانتماء والنجاح؟ إن التحدي المعاصر لا يكمن في إبعاد الأبناء عن الشاشات، بل في استعادة الدور التربوي للأسرة والمدرسة بوصفهما مرجعيتين قادرتين على مرافقة التحولات الرقمية وتوجيهها، بدلاً من تركها تنفرد بصياغة العقول والقيم في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

وفي النهاية، قد تسهم الوسائط التكنولوجية المتعددة في توسيع دائرة معارفنا، لكن تبقى الأسرة الحصن الأولي والأساسي لتشكيل القيم والضمير الأخلاقي والاجتماعي لأبنائنا. لذلك فإن الحفاظ على النهج التربوي المرن والحوار الأسري البناء والقدوة الفاعلة لم يعد خياراً تربوياً، بل ضرورة وجودية واجتماعية وثقافية وهذا يقتضي منا ألا نترك وسائل التواصل الاجتماعي تقوم بدور التنشئة بمفردها، لأن ما يكتسبه الأبناء داخل أسرهم من قيم ومعايير واتجاهات يظل المرجعية الأكثر قدرة على توجيههم في عالم تتزاحم فيه الرسائل والتأثيرات المتنافسة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم
- أن تحمي إنسانيتك دون أن تفقد ذاتك ( رؤية تحليلية – نقدية في ...
- الانحدار الأخلاقي المعاصر (مقاربة سوسيولوجية نقدية لأزمة الق ...
- المنظّر السوسيولوجي وصناعة المعنى (من الرأي إلى فعل التنظير)
- قيم العمل بين الخطاب الأخلاقي والممارسات الاجتماعية في العال ...
- بين الفكرة والفعل جدل الفلسفة والتغيير
- الإيمان بالنفس وصناعة الوعي النفسي: قراءة نقدية لأطروحة علي ...
- وظائف النظرية السوسيولوجية بين التأسيس النظري والتطبيقات الم ...
- الأزمة الصامتة... كيف يعيد التفكك الأسري تشكيل البنية الاجتم ...
- أزمة التعليم أم أزمة إنتاج التفكير في المجتمعات العربية؟
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ...


المزيد.....




- لماذا تُعد انتخابات أرمينيا أخطر استحقاق سياسي منذ حرب قره ب ...
- -شبكات-.. يوتيوبر مغربي يثير غضب المنصات بعد سلخه وشويه لكلب ...
- -وحيدة بلا أهل-.. حلا الطفلة التي نجت من غارة إسرائيلية أباد ...
- في قلب برلين.. هتافات لفلسطين وغزة في الذكرى الـ59 للنكسة
- مرايا الحضارة: قراءة في الهوية والثقافة والمستقبل
- مستشار مجتبى خامنئي: -كابوس- صعود إيران إلى السلطة أصبح واقع ...
- صبري نخنوخ.. النيابة المصرية تكشف تفاصيل التحقيقات في قضية ر ...
- في ظل الحرب والمخاوف على مطار بيروت.. لبنان يدشّن مطاره الثا ...
- مجلس التعاون الخليجي يندد بالهجمات الإيرانية على البحرين وال ...
- مقتل عسكريين لبنانيين بغارة إسرائيلية.. ما التبعات؟


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - من يربي أبناءنا اليوم؟