أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسام الدين فياض - احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان














المزيد.....

احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


” تعيد التحولات الكبرى تشكيل المجتمعات من داخل وعيها قبل أن تغير حدودها أو موازين قوتها، فكل تحول في طريقة إدراك الإنسان للواقع يترك أثراً عميقاً في علاقاته، وفي قراراته، وفي مستقبل مجتمعه، لأن الوعي يظل الساحة الأولى التي ترسم عليها ملامح كل صراع “ (الكاتب).

يمثل الزمن أحد أكثر الموارد الاجتماعية تأثيراً في حياة المجتمعات المعاصرة، لأنه الإطار الذي تنمو داخله الثقة، وتتكون عبره الخبرة، وتنضج فيه القرارات الفردية والجماعية. غير أن الصراعات المعاصرة لم تعد تنظر إلى الزمن بوصفه عنصراً محايداً، بل بوصفه مجالاً استراتيجياً يمكن السيطرة عليه وإعادة توظيفه. فكلما تقلصت المسافة الزمنية بين اكتشاف الهدف واستهدافه، لم يعد الطرف المهاجم يختصر زمن العمليات العسكرية فحسب، وإنما يختصر أيضاً الزمن الذي يحتاجه المجتمع لفهم ما يجري، وتحليل أسبابه، وتنظيم استجابته. ومن هنا، لا يعود الإنسان يعيش الأحداث وفق إيقاعه الطبيعي، بل وفق إيقاع يفرض عليه من الخارج، فيجد نفسه مدفوعاً إلى التفاعل قبل أن يمتلك فرصة التفكير، وإلى اتخاذ المواقف قبل أن تكتمل لديه الصورة. وهكذا، تتحول السيطرة على الزمن إلى شكل جديد من أشكال السيطرة على الوعي الإنساني.

وحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، لا تكمن خطورة هذا التحول في تسارع الأحداث بحد ذاته، وإنما في التحولات التي يحدثها داخل بنية العلاقات الإنسانية. فالعلاقات الاجتماعية لا تبنى بالسرعة، وإنما بالزمن، لأن الثقة تحتاج إلى وقت، والحوار يحتاج إلى وقت، والتفاهم يحتاج إلى وقت، وحتى تكوين الرأي يحتاج إلى وقت. وعندما ينتزع هذا الزمن من الإنسان، تتراجع قدرته على الإصغاء، ويزداد ميله إلى الأحكام الفورية، وتتسع مساحة الانفعال على حساب التأمل. ومع تكرار هذا النمط، يدخل المجتمع في حالة من الاستنزاف النفسي، حيث تصبح العلاقات أكثر ضعفاً، ويغدو الشك بديلاً عن الثقة، والاستجابة السريعة بديلاً عن التفكير النقدي.

وفي المقابل، تتأثر العملية السياسية بالمنطق نفسه، إذ تضطر المؤسسات إلى العمل تحت ضغط اللحظة، فتتقلص مساحات الحوار، وتضعف المشاركة، ويصبح القرار السياسي محكوماً بسرعة الحدث أكثر من خضوعه لمقتضيات المصلحة العامة. وبهذا، لا تعاد صياغة أولويات الدولة فقط، بل يعاد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس إدارة الأزمات المستمرة، لا على أساس التخطيط لمستقبل مستقر.

ويكشف هذا التحول أن أخطر أشكال الهيمنة في القرن الحادي والعشرين لا تتمثل في احتلال الأرض وحدها، بل في احتلال الزمن الذي يعيش داخله الإنسان. فالطرف الذي يفرض إيقاع الأحداث لا يوجه حركة خصمه العسكرية فقط، بل يتدخل بصورة غير مباشرة في طريقة تفكير الناس، وفي شكل علاقاتهم، وفي طبيعة القرارات التي تتخذها مؤسساتهم السياسية. ولذلك، فإن حماية المجتمع لا تبدأ عند امتلاك وسائل الردع فحسب، وإنما عند حماية الزمن الاجتماعي من المصادرة، أي حماية حق الإنسان في التفكير قبل الحكم، وحق المجتمع في الحوار قبل الانقسام، وحق الدولة في التخطيط قبل الانجرار إلى ردود الفعل. فحين يحتفظ المجتمع بزمنه، يحتفظ بوعيه، وحين يحتفظ بوعيه، يحافظ على استقلال إرادته، لأن السيطرة على الزمن ليست في جوهرها إلا محاولة للسيطرة على الإنسان نفسه، وعلى الكيفية التي يفهم بها العالم، ويبني بها علاقاته، ويصوغ بها مستقبله.

وفي عصر لم تعد فيه المعركة تدور حول امتلاك المعلومات بقدر ما تدور حول توجيه معانيها، تصبح المسؤولية الأولى للفرد هي حماية استقلال عقله قبل الدفاع عن أي موقف يتبناه. فلا تمنح ثقتك لكل ما يصل إليك، ولا تجعل سرعة تداول الخبر بديلاً عن صدقه، ولا تسمح لضجيج اللحظة أن يصادر حقك في التأمل والمراجعة. درب نفسك على التحقق قبل التصديق، وعلى الفهم قبل إصدار الأحكام، وعلى الإنصات لما وراء الخطاب قبل الانحياز إليه، لأن الوعي لا يقاس بكمية ما نستهلكه من معلومات، بل بقدرتنا على تمييز الحقيقة من بين سيل الروايات المتنافسة. إن الإنسان الذي يحافظ على استقلال تفكيره، ويقاوم الانفعال، ويتمسك بعقله النقدي، لا يحمي نفسه من التضليل فحسب، بل يشارك في بناء مجتمع أكثر تماسكاً، وعلاقات أكثر ثقة، وحياة سياسية أكثر رشداً. فالمستقبل لن يكون ملكاً لمن يمتلك أكبر قدر من المعلومات، وإنما لمن يمتلك القدرة على قراءتها بعقل حر، وضمير يقظ، وحكمة لا تستسلم لإيقاع اللحظة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم
- أن تحمي إنسانيتك دون أن تفقد ذاتك ( رؤية تحليلية – نقدية في ...
- الانحدار الأخلاقي المعاصر (مقاربة سوسيولوجية نقدية لأزمة الق ...


المزيد.....




- بالأسماء.. وفود من 5 دول عربية تحضر مراسم تشييع المرشد الإير ...
- صور أقمار صناعية تكشف للمرة الأولى حجم الأضرار في المنشآت ال ...
- كيف ينظر اللبنانيون إلى الاتفاق الإطاري مع إسرائيل؟
- لماذا تراهن فرنسا على سلطة عُمان لحل أزمة مضيق هرمز وما حساب ...
- تحذير أممي من كارثة تترصدها.. ما الذي يجري في الأبيض السودان ...
- 174 مليار دولار منذ 1948.. كيف تطورت المساعدات الأمريكية لإس ...
- -شبكات- ترصد انفجار دمشق وتفاعل المنصات مع -بسملة- كريستيانو ...
- كيف ربح ترامب 1.4 مليار دولار من عملته المشفرة -$TRUMP- بينم ...
- داخل -شاحنات الحرية-.. كيف تروي إدارة ترامب تاريخ أمريكا للأ ...
- أول رحلة جوية مباشرة تربط مسقط بسوتشي.. 150 راكبا يدشنون خطا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسام الدين فياض - احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان