أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكرة والوفاء)














المزيد.....

الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكرة والوفاء)


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 13:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" الوفاء لا يختبر في أوقات الانسجام والتوافق النفسي والعاطفي، بل في اللحظات الحاسمة التي تصبح فيها الخيانة أكثر ربحاً " (الكاتب).

تتجاوز الخيانة كونها فعلاً فردياً عابراً أو انحرافاً سلوكياً محدود الأثر، لتكشف عن ظاهرة اجتماعية ونفسية مركبة تعكس اضطراباً عميقاً في البنية القيمية التي تنظم العلاقات الإنسانية. فهي لا تنشأ في فراغ، بل تتغذى من تحولات في مفهوم الثقة، ومن تصاعد منطق المنفعة على حساب الالتزام الأخلاقي، حتى تغدو العلاقات في بعض السياقات أقرب إلى حسابات قابلة للمراجعة منها إلى روابط إنسانية مستقرة. ومن هنا فإن الخيانة، في جوهرها، ليست مجرد خرق لعهد بين فردين، بل مؤشر على اهتزاز أوسع في النسق الاجتماعي الذي يفترض أن يضمن تماسك المعايير وحدود السلوك المجتمعي.

ومن منظور علم النفس، تعد الثقة إحدى الحاجات الأساسية التي تمنح الإنسان الشعور بالأمان والاستقرار، وعندما تتعرض هذه الثقة للانتهاك عبر الغدر أو الخيانة، لا يفقد الفرد علاقته بشخص معين فحسب، بل يفقد جزءاً من يقينه بالعالم من حوله. ولهذا السبب تترك الخيانة جروحاً أعمق من كثير من الصراعات المباشرة، لأنها تأتي غالباً من أشخاص منحوا مكانة خاصة داخل دائرة الثقة. ومن هنا يصبح من الصعب استعادة العلاقة كما كانت، لا بسبب الرغبة في الانتقام، بل لأن الذاكرة النفسية تحتفظ بالأذى بوصفه إنذاراً دائماً يحذر من تكرار التجربة ذاتها.

أما من منظور علم الاجتماع، لا تتوقف آثار الخيانة عند حدود الفرد، بل تمتد لتؤثر في نوعية العلاقات السائدة داخل المجتمع. فكلما انتشرت النزعة النفعية وتراجعت القيم الأخلاقية، أصبحت الثقة مورداً نادراً، وحل الحذر محل الاطمئنان، والشك محل اليقين. وفي مثل هذه السياقات يتعلم الأفراد أن يرفعوا مستوى التحفظ في تعاملاتهم، لا كرهاً بالناس، بل إدراكاً لتعقيد الطبيعة البشرية وتناقضاتها. فالمجتمع لا يتكون من ملائكة ولا من شياطين، بل من بشر تحكمهم المصالح والرغبات والضغوط والظروف. ولذلك فإن النضج الاجتماعي لا يعني الانسحاب من الناس أو معاداتهم، بل التعامل معهم بقدر من الوعي والحذر والحلم، وقبول حقيقة أن الإنسان قد يتغير حين تتغير مصالحه أو مواقعه أو ظروفه. فالحكمة لا تكمن في الثقة المطلقة، كما لا تكمن في الشك المطلق، بل في التوازن بين حسن الظن وحسن التقدير.

وتتجلى هذه الإشكالية بصورة أوضح عندما تصبح المنفعة المادية المعيار الأعلى للحكم على الأشياء والعلاقات. فحين تختزل قيمة الإنسان فيما يملكه أو يقدمه من مكاسب، تتعرض القيم الإنسانية لضغوط هائلة تجعل بعض الأفراد مستعدين للتضحية بالإخلاص والوفاء من أجل مكاسب آنية. عندئذ لا تكون الخيانة مجرد انحراف أخلاقي فردي، بل انعكاساً لثقافة اجتماعية تمنح المنفعة مكانة تتجاوز مكانة المبادئ. ومع ذلك، فإن الوفاء لا يفقد قيمته في زمن الخيانة، بل تزداد أهميته. فأن تكون وفياً في عالم متقلب لا يعني السذاجة أو الغفلة، بل يعني القدرة على التمسك بالمبادئ دون أن تفقد بصيرتك بواقع البشر. فالحذر يحمي الإنسان من كثير من الخسائر، والحلم يجنبه كثيراً من الصراعات، أما الوفاء فيبقى العلامة الفارقة بين من تحكمهم القيم ومن تحكمهم المصالح وحدها.

نصيحتي لك، لا تدع الخيبات تدفعك إلى كراهية الناس، ولا تجعل الغدر يقنعك بأن الوفاء وهم لا وجود له. كن حذراً دون أن تصبح شكاكاً، وكن طيباً دون أن تكون ساذجاً، وامنح ثقتك بوعي لا باندفاع. فالحياة لا تكافئ من يغلق قلبه تماماً، كما أنها لا ترحم من يفتحه بلا حدود. تعلم من التجارب، لكن لا تسمح لها أن تفسد إنسانيتك، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في قدرتك على تجنب الخيانة دائماً، بل في قدرتك على الحفاظ على مبادئك رغم انتشارها.

وحين يكثر الالتباس بين الوفاء والمصلحة، تمسك بأخلاقك أكثر من تمسكك بمكاسبك، فالناس قد ينسون ما أخذته منهم، لكنهم لا ينسون أبداً كيف تعاملت مع ثقتهم. فالخيانة ليست فقدان الأمانة فقط، بل التضحية بها على مذبح المصلحة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم
- أن تحمي إنسانيتك دون أن تفقد ذاتك ( رؤية تحليلية – نقدية في ...
- الانحدار الأخلاقي المعاصر (مقاربة سوسيولوجية نقدية لأزمة الق ...
- المنظّر السوسيولوجي وصناعة المعنى (من الرأي إلى فعل التنظير)
- قيم العمل بين الخطاب الأخلاقي والممارسات الاجتماعية في العال ...
- بين الفكرة والفعل جدل الفلسفة والتغيير


المزيد.....




- مع تنحي ستارمر.. نظرة على رؤساء وزراء بريطانيا منذ عهد بلير ...
- تبدلوا 6 مرات بـ10 سنوات.. لماذا تشهد بريطانيا تغييراً مستمر ...
- إيران: لم نتفق على تفقد وكالة الطاقة الذرية لمنشآتنا النووية ...
- وفاة -نجم الخليج- في القاهرة
- تأكيدات على تفادي التصعيد في لبنان.. طهران وواشنطن تتفقان عل ...
- عيون في الظلام.. كيف يرى حزب الله تحركات جنرالات إسرائيل في ...
- اجتماع سري بين قيادات من -حماس- ووفدٍ فرنسي لأول مرة منذ حرب ...
- شاهد: طائرات فرنسية تحيي ذكرى استقلال أمريكا بتحليق فوق واشن ...
- ليلة تألق النجوم .. ميسي ومبابي وهالاند في العرس الكروي
- السعودية تؤكد دعمها لسوريا وتوجه نداء باسم العرب


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكرة والوفاء)