أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسام الدين فياض - مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية














المزيد.....

مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 14:01
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


" ليست القيمة الحقيقية لأي حدث عالمي في عدد الجماهير التي يجذبها، بل في مقدار الاتساق بين الرسالة التي يرفعها والواقع الذي يعكسه ".
" أثبتت الرياضة أن المنافسة لا تحتاج إلى إلغاء الآخر، بينما ما زال النظام الدولي يعجز عن تطبيق الدرس نفسه " (الكاتب).

لم تعد الرياضة في القرن الحادي والعشرين مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية تسعى إلى حصد الألقاب، بل غدت إحدى أهم المؤسسات الاجتماعية التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتصوغ أنماطاً جديدة من العلاقات بين الأفراد والشعوب. فالحضارات لم تمنح الرياضة مكانتها لأنها تحتفي بالقوة الجسدية وحدها، وإنما لأنها نجحت في تحويل النزعة الإنسانية نحو الصراع إلى منافسة منظمة تحكمها قواعد العدالة، والانضباط، وتكافؤ الفرص، واحترام الخصم. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تمثل الرياضة فضاء رمزياً يعيد بناء الثقة بين الجماعات المختلفة، ويخفف من حدة الصور النمطية، ويجعل الاعتراف باستحقاق الآخر جزءاً من عملية بناء الهوية الإنسانية، إذ يتعلم الإنسان أن التفوق لا ينتقص من قيمة الآخرين، وأن المنافسة لا تعني العداء، بل تمثل أحد أكثر أشكال التفاعل الإنساني تحضراً. ولهذا أصبحت البطولات العالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، أكثر من مجرد أحداث رياضية، إنها مناسبات تختبر قدرة البشرية على الاجتماع حول قيم مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والهويات الضيقة.

غير أن علم الاجتماع النقدي يدعونا إلى النظر إلى هذه الصورة من زاوية أخرى أكثر عمقاً. فالأحداث الرياضية الكبرى ليست مجرد تجمعات إنسانية، بل هي أيضاً ظواهر اجتماعية تحمل أبعاداً رمزية وثقافية وسياسية، وتشارك في تشكيل الصورة الأخلاقية للدول التي تستضيفها. ومن هنا تكتسب استضافة الولايات المتحدة الأمريكية لكأس العالم دلالة رمزية تتجاوز بعدها التنظيمي أو الاقتصادي، لأنها تضع إحدى أكثر القوى تأثيراً في النظام الدولي أمام سؤال يتعلق باتساق القيم التي تحتفي بها الرياضة مع صورة الدولة في المجال العالمي. فهل يكفي أن تفتح الملاعب أبوابها لشعوب العالم حتى تصبح رسالة الانفتاح مكتملة؟ وهل يمكن للقيم التي تحتفل بالمساواة والاحترام المتبادل داخل المستطيل الأخضر أن تبقى منفصلة عن النقاشات الأوسع المتعلقة بالعلاقات بين الدول، وبكيفية ممارسة النفوذ، وبصورة العدالة في النظام الدولي؟ إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى نفي أهمية الرياضة، وإنما إلى التأكيد أن القيمة الأخلاقية للرموز الكبرى لا تستمد قوتها من الاحتفال بها، بل من انسجامها مع الواقع الذي تمثله.

إن قوة الرياضة لا تكمن في قدرتها على تنظيم المنافسة فحسب، بل في قدرتها على إنتاج نموذج إنساني للعلاقات يقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الكرامة الإنسانية، والقبول بأن الاختلاف لا يمنع التعاون، وأن التفوق لا يبرر الهيمنة. ولهذا فإن المكانة الحضارية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من ملاعب حديثة، أو بما تنجح في تنظيمه من بطولات عالمية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل القيم التي تعرضها أمام العالم إلى ممارسات تتجسد في تعاملها مع الشعوب كافة. فالعالم لا يحتاج إلى ملاعب تجمع البشر لساعات، ثم يعودون بعدها إلى واقع تحكمه علاقات يغيب عنها الشعور بالمساواة والعدالة، بل يحتاج إلى أن تصبح الفلسفة التي تقوم عليها الرياضة جزءاً من الثقافة السياسية والإنسانية معاً. وعندئذ فقط تتحول كأس العالم من احتفال كروي عابر إلى حدث حضاري يعبر عن صدق القيم التي يعلنها، ويصبح الانتصار الحقيقي ليس في رفع الكأس، بل في بناء عالم يتعامل مع الإنسان بالروح نفسها التي تحتفي بها الرياضة كالمنافسة العادلة، والاحترام المتبادل، والإنسانية التي لا تعرف حدوداً ولا تمييزاً.

بمعنى أدق، إن القيمة الحقيقية للرياضة لا تكمن في عدد الكؤوس التي ترفع، ولا في ضخامة الملاعب التي تشيد، وإنما في قدرتها على ترسيخ منظومة أخلاقية تجعل المنافسة وسيلة للارتقاء لا للهيمنة، وتجعل التفوق مدعاة للاحترام لا مبرراً للإقصاء. وحين تنجح المجتمعات في نقل هذه الفلسفة من ميادين الرياضة إلى ميادين السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، تصبح القوة أداة للمسؤولية لا للسيطرة، ويغدو الاختلاف فرصة للتعاون لا سبباً للصراع. فالحضارة لا تبلغ ذروتها عندما تتقن تنظيم البطولات العالمية، بل عندما تجعل القيم التي تحتفي بها في الملاعب منهجاً دائماً في تعاملها مع الإنسان أينما كان.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم
- أن تحمي إنسانيتك دون أن تفقد ذاتك ( رؤية تحليلية – نقدية في ...
- الانحدار الأخلاقي المعاصر (مقاربة سوسيولوجية نقدية لأزمة الق ...
- المنظّر السوسيولوجي وصناعة المعنى (من الرأي إلى فعل التنظير)


المزيد.....




- باريس تحت شمس لاهبة.. ومنصات الموضة تتدفأ بالجلد والفرو
- تشييع علي خامنئي: مراسم تمتد ستة أيام بين طهران ومشهد والعرا ...
- تحذير من تكرار سيناريو تشيليابينسك بسبب ثغرات في أنظمة مراقب ...
- تقرير أوكراني يكشف فشل منظومة ألمانية شهيرة في التصدي للدرون ...
- بروفيسور في -مرجل الجحيم-!
- -الإخبارية السورية-: قتيلان و16 جريحا من المجموعات المسلحة ف ...
- بلا عضة ولا خدش.. وفاة طفل بعد أن حط خفاش على وجهه!
- باكستان.. 40 قتيلا بسقوط حافلة من جرف صخري
- ترامب يصف دعم أمريكا للناتو بـ-السخيف-.. وصفقة أسلحة أوروبية ...
- موسكو: 422 قتيلا و2500 جريح حصيلة استهداف قوات كييف المدنيين ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسام الدين فياض - مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية