أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا














المزيد.....

هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 15:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" أحياناً لا يسرق الواقع أعمارنا دفعة واحدة، بل يعيد تشكيلنا ببطء، حتى نستيقظ يوماً فنكتشف أننا نجونا من الحياة التي أتعبتنا، وخسرنا في الطريق الإنسان الذي كنا نريد أن نكونه " (الكاتب).
يهدف المقال إلى الإجابة عن السؤال الجوهري التالي: كيف يعيد التكيف مع بيئة اجتماعية مختلة تشكيل الإنسان، ومتى يتحول السعي إلى التعايش معها من وسيلة للنجاة إلى خسارة للذات؟

تتغير حياة الإنسان ببطء تحت تأثير البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. فالبيئة المرهقة لا تؤثر في مزاجه وحده، وإنما تتسلل إلى طريقته في التفكير، وفي تفسيره لما يحدث حوله، وفي الحدود التي يضعها لما يقبله وما يرفضه. ومع استمرار الضغط، يتعلم الإنسان أن يوفر طاقته لما هو أكثر إلحاحاً، فينشغل بتجاوز اليوم بدلاً من التفكير في الحياة التي يريدها. وهكذا يتحول التكيف من وسيلة مؤقتة لحماية الذات إلى طريقة دائمة في العيش، حتى يصبح ما كان يرفضه في البداية جزءاً من واقعه المعتاد. عند هذه النقطة يبدأ السؤال الحقيقي. ماذا يحدث للإنسان حين يقضي سنوات طويلة في التكيف مع واقع لا يشبهه؟

في واقع الأمر، يستهلك الإنسان في البيئة المضطربة قدراً كبيراً من طاقته في محاولة إصلاح ما يتكرر كسره، حيث تمنحه المحاولة شعوراً بأنه ما زال قادراً على التأثير، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى استنزاف حين تصبح الظروف أقوى من قدرته على تغييرها. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يجد نفسه مضطراً إلى تبرير أشياء كان يرى في السابق أنها تستحق الرفض، فالتكرار يخفف حدة الصدمة، والاعتياد يمنح السلوك المختل مظهراً مألوفاً، والمصلحة في الاستمرار قد تدفع الإنسان إلى إعادة تفسير الواقع بدلاً من مواجهته. وفي هذه العملية تتغير معايير القبول تدريجياً. يصبح السؤال أقل ارتباطاً بما هو صحيح أو مناسب للحياة، وأكثر ارتباطاً بما يمكن احتماله والاستمرار فيه.

عندئذ، يتعلم الإنسان في هذه الظروف مهارة النجاة قبل أن يتعلم معنى العيش. فيراقب محيطه الاجتماعي، يحسب ردود الأفعال، يتجنب ما قد يسبب المتاعب، ويختار أحياناً الصمت لأنه أقل كلفة من المواجهة. مع مرور السنين، تتحول هذه الاستجابات من أفعال مرتبطة بظروف معينة إلى عادات مستقرة في الشخصية. وفي هذا السياق، يظهر البعد الاجتماعي للتجربة، فالإنسان يتشكل داخل علاقاته ومؤسساته وثقافته، وما يراه ممكناً أو مستحيلاً يتأثر بما تسمح به البيئة من خيارات. وحين تضيق الخيارات أمامه، قد يعيد تعريف طموحاته بما يتناسب مع حدود الواقع. فيتخلى عن بعض رغباته، ويخفض سقف توقعاته، ويقنع نفسه بأن ما يعيشه هو الحياة الطبيعية. يصبح التكيف عندها أكثر من استجابة للواقع، يصبح طريقة ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى مستقبله.

تظهر الخسارة الأعمق عندما يكتشف الإنسان، بعد سنوات طويلة، أن ما أنقذه من الانهيار ربما أبعده في الوقت نفسه عن ذاته. فقد يستطيع الإنسان أن يحافظ على عمله وعلاقاته ومسؤولياته، وأن يبدو مستقراً في نظر الآخرين، بينما يشعر في داخله بأنه يعيش حياة صاغتها الضرورات أكثر مما اختارها. ويكشف هذا التناقض أن خسارة السنوات ليست دائماً في مرور الزمن، فالزمن يمضي في كل الأحوال، وإنما في الأشياء التي يتخلى عنها الإنسان داخله كي يظل منسجماً مع واقع لم يختره. وحين يصبح التنازل عن الرغبات والحدود والقيم عادة، يفقد الإنسان تدريجياً القدرة على معرفة ما يريده فعلاً. عندها يصبح السؤال عن الذات أصعب من السؤال عن الواقع، لأن سنوات التأقلم الطويلة أعادت تشكيل العلاقة بين الاثنين.

لذا تبدو مراجعة الحياة في مرحلة معينة مواجهة هادئة مع تاريخ طويل من التكيف. ليكتشف الإنسان أن بعض ما اعتبره نضجاً كان في الحقيقة تعوداً على الاحتمال، وأن بعض ما سماه واقعية كان خوفاً من كلفة التغيير، وأن بعض تنازلاته لم تكن ضرورة دائمة وإنما استجابات مؤقتة استمرت أكثر مما ينبغي. وتكمن قيمة هذا الاكتشاف في أنه يعيد للإنسان حقه في التمييز بين ما يستطيع احتماله وما يستحق أن يقبله، وبين ما فرضته الظروف وما اختاره بنفسه. فالحياة الإنسانية تتجاوز مجرد القدرة على البقاء، إنها تتعلق أيضاً بقدرة الإنسان على أن يحتفظ بشيء من صلته بما يراه جديراً بأن يعاش.

خلاصة القول، إن الخسارات لا تظهر دائماً في الأشياء التي غابت عن حياتنا، وإنما في الأجزاء التي تراجعت منا ونحن نحاول أن نتلاءم مع ما حولنا. فالإنسان قد يخسر سنوات، ثم يعوض بعضها، وقد يخسر فرصة، ثم يجد غيرها، لكن فقدان العلاقة بالذات يترك أثراً أعمق لأنه يجعل الإنسان يعيش بعيداً عن المعنى الذي كان يمنح حياته اتجاهاً. وتبقى الحكمة الأهم أن التكيف يحمي الإنسان حين يكون وسيلة لعبور ظرف عابر، لكنه يتحول إلى خسارة حين يصبح بديلاً عن الحياة التي يريدها. فالإنسان يحتاج إلى قدرة على الاحتمال، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى وعي باللحظة التي يصبح فيها الاحتمال تخلياً عن نفسه.

نصيحتي لك، امنح نفسك بين حين وآخر فرصة للتوقف ومراجعة الطريق الذي تمضي فيه، فالحياة التي تستحق أن تعاش هي التي تمنحك مساحة لتكون قريباً من نفسك، وشجاعة لتغيير ما يستنزفك، ووضوحاً يميز بين ما تفرضه الظروف وما تختاره بإرادتك. حافظ على قدرتك على الاختيار، وامنح رغباتك وقيمك مكاناً حقيقياً في حياتك، فكل قرار يقربك من ذاتك يجعل ما تبقى من عمرك أكثر صدقاً ومعنى.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...


المزيد.....




- بعد رواج لافت.. إيقاف مؤقت لمجموعة -شكاوى أهالي قاع الهامور- ...
- تقرير إسرائيلي: -اتفاقيات أبراهام- باتت في مهب الريح ولم تعد ...
- حروب المنطقة تعيد رسم خريطة الغاز.. مصر وتركيا في قلب السباق ...
- اتصالات تركية إسرائيلية لاحتواء التوتر
- زيلينسكي يطالب الاتحاد الأوروبي بتسليمه دفعة من القرض قبل ال ...
- تدهور الحالة الصحية لملك النرويج
- طهران تهدد بفرض غرامات واحتجاز السفن المخالفة لترتيبات عبور ...
- حريق هائل مفتعل في نيفادا الأمريكية.. إجلاء عشرات الآلاف وإص ...
- يوليا مينديل:  خفض سن التجنيد في أوكرانيا سيتحول إلى كارثة ب ...
- البحرية الأمريكية تعلن عن تطوير صاروخ جو-جو فائق المدى


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا