أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة














المزيد.....

بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 16:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" بين الحقيقة والوهم مسافة لا تقاس بالمعرفة وحدها، بل بالشجاعة التي يمتلكها الإنسان لمراجعة أفكاره. فكل عقل يراجع نفسه يقترب من النور، وكل عقل يكتفي بالموروث يبتعد عنه خطوة أخرى " (الكاتب).

كل إنسان يحمل في داخله عالمين متوازيين، عالم الواقع كما هو، وعالم آخر تصنعه الأفكار التي يؤمن بها. وبين العالمين تتحدد جودة الحياة التي يعيشها. فليس ما يرهق الإنسان دائماً هو الواقع ذاته، بل الصورة التي يرسمها له عقله عنه. لذلك كان الوعي أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان، لأنه لا يغير العالم من حوله بقدر ما يغير طريقته في رؤيته وفهمه والتفاعل معه. وحين يرتقي الوعي، تتراجع مساحة الخوف، وتصبح الأحكام أكثر اتزاناً، ويغدو الإنسان أقل اندفاعاً خلف الانفعالات وأكثر قدرة على قراءة الحياة بعين هادئة. ومن هنا لم يكن تاريخ الحضارات الإنسانية سوى تاريخ الصراع بين عقل يسعى إلى الفهم، وعقل يكتفي بالتصديق، بين إنسان يبحث عن الحقيقة، وآخر يبحث عن الطمأنينة ولو كانت مبنية على الوهم.

فالخرافة ليست مجرد حكاية شعبية أو اعتقاد غريب، بل هي حالة ذهنية واجتماعية تنشأ عندما يتراجع التفكير النقدي أمام الحاجة النفسية إلى اليقين. فالإنسان، بطبيعته، لا يحتمل الفراغ المعرفي طويلاً، ولذلك يسارع إلى ملئه بأي تفسير يمنحه شعوراً بالأمان، حتى وإن كان هذا التفسير بعيداً عن المنطق. ومن هنا يفسر علم النفس تعلق بعض الأفراد بالأوهام بوصفها وسيلة لتخفيف القلق الناتج عن الغموض والعجز والخوف من المستقبل. غير أن هذا الأمان يبقى مؤقتاً، لأنه لا يعالج القلق، بل يخفيه خلف ستار من المعتقدات غير الممتحنة. ومع مرور الزمن تتحول تلك المعتقدات إلى عدسات يرى الإنسان من خلالها نفسه والآخرين والعالم، فيصبح أسيراً لتصوراته أكثر من كونه أسيراً للواقع. لذلك فإن تطهير العقل لا يعني التخلي عن المعتقدات بقدر ما يعني إخضاعها للمراجعة، واستبدال اليقين الكسول بيقين يتأسس على الفهم والبرهان. وعندما يحدث ذلك، لا يكتسب الإنسان معرفة جديدة فحسب، بل يستعيد توازنه النفسي، لأن العقل المنسجم مع الحقيقة أقل عرضة للتشتت، وأكثر قدرة على صناعة السكينة الداخلية.

لكن الأوهام لا تولد في العقول منفصلة عن بيئتها، وإنما تتغذى من المجتمع الذي يحتضنها. فكل مجتمع يضعف فيه التعليم، ويخفت فيه صوت المعرفة، ويتراجع فيه احترام السؤال، يهيئ الأرض لانتشار الخرافة بأشكال جديدة، حتى وإن ارتدت ثوب الحداثة. فليست كل الخرافات موروثة؛ فبعضها ينتج كل يوم عبر الخطابات الشعبوية، والإشاعات، والتضليل الإعلامي، وثقافة التقليد التي تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير. ولهذا فإن المشكلة لا تكمن في وجود الوهم، بل في تحوله إلى جزء من الوعي الجمعي، حيث يعاد إنتاجه داخل الأسرة، وفي المدرسة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حتى يغدو مألوفاً لا يثير الشك. وهنا يصبح تحرير العقل مشروعاً اجتماعياً قبل أن يكون جهداً فردياً، مشروعاً يبدأ بتربية الإنسان على السؤال، وعلى قبول اختلاف الآراء، وعلى احترام الدليل أكثر من احترام الشهرة أو السلطة. فالمجتمع الواعي لا يقاس بعدد المتعلمين فقط، بل بعدد القادرين على التفكير المستقل، لأن المعرفة التي لا تولد وعياً نقدياً قد تتحول هي الأخرى إلى شكل جديد من أشكال الوهم.

ولعل أجمل ما يكتسبه الإنسان عندما يطهر عقله من نسيج الخرافات والأوهام أنه لا يصبح أكثر ذكاء فحسب، بل أكثر إنسانية أيضاً. فهو يتعامل مع الحياة بقدر أكبر من الاتزان، ويواجه المجهول بثقة المعرفة لا بخوف الخيال، ويقترب من الآخرين بعقل منفتح لا بأحكام جاهزة. وعندها لا تكون البصيرة مجرد قدرة على إدراك الحقائق، بل أسلوباً في العيش، ولا يعود الوعي ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان حريته الداخلية وكرامته العقلية. فكل خطوة يبتعد فيها العقل عن الوهم هي خطوة يقترب فيها الإنسان من ذاته، وكل حقيقة يكتشفها تحرره من خوف قديم، حتى يستقر وعيه أخيراً في تلك السكينة التي لا يصنعها إلا عقل عرف الحقيقة، وامتلك شجاعة أن يعيش في ضوئها.

وفي النهاية، فإن مستقبل المجتمعات لا تصنعه وفرة الموارد ولا كثرة الشعارات، بل نوعية الإنسان الذي يبني مؤسساتها، ويقود علاقاتها، ويتحمل مسؤوليته تجاهها. فحين يصبح احترام العقل قيمة راسخة، والنزاهة الفكرية سلوكاً يومياً، والإحساس بالمسؤولية ثقافة عامة، تتحول المعرفة إلى قوة تنتج التنمية، ويغدو الحوار جسراً للتفاهم، ويصبح الاختلاف دافعاً للإبداع لا سبباً للانقسام. وعندها لا يكون التقدم حدثاً عابراً، بل حصيلة تراكم طويل لأفعال واعية يمارسها أفراد أدركوا أن بناء الأوطان يبدأ دائماً ببناء الإنسان، وأن أكثر الاستثمارات ربحاً ليست في الأشياء، بل في العقول القادرة على أن تفكر، والضمائر القادرة على أن تحسن الاختيار.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز


المزيد.....




- هل غيّرت إيران نمط اعتداءاتها العسكرية على الأردن؟ خبير عسكر ...
- الجيش اللبناني يوضح الشروط الأساسية لاستكمال الانتشار وتنفيذ ...
- كيف ترى تركيا اتفاقية -درع أخيل- اليونانية-الإسرائيلية؟
- الزيدي في ورطة.. لماذا يعجز العراق عن نزع سلاح الفصائل الموا ...
- خطأ -غير متوقع فادح- في بريطانيا يتسبب بإلغاء نحو 2000 رحلة ...
- جنرال أمريكي سابق يوضح خيارات السعودية للرد على الحوثيين
- -للتأهب لكل السيناريوهات-.. الجيش الإسرائيلي يعزز استعداده ع ...
- موقع عبري يكشف تفاصيل سرية عن دبابة إسرائيلية أثارت جدلا واس ...
- عمان: تصدينا لصواريخ إيران بأجواء الأردن
- زاخاروفا: العقوبات الغربية -مسّ شيطاني- لكنها تعزز قوة روسيا ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة