أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التكيفي وإدارة المسافة في العلاقات الإنسانية)














المزيد.....

أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التكيفي وإدارة المسافة في العلاقات الإنسانية)


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 12:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" يمنح التعاطف التكيفي الإنسان قدرة نادرة على الاقتراب من عوالم الآخرين دون أن يفقد موقعه فيها، فيرى اختلافهم من الداخل، ويستجيب لهم بمرونة، ويظل قادراً على أن يختار موقفه بوعي " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح مفهوم التعاطف التكيفي بوصفه قدرة نفسية واجتماعية تمكّن الفرد من فهم الآخر في سياقاته المختلفة، وتكييف استجاباته وفق طبيعة المواقف والعلاقات، بما يحفظ توازنه واستقلاله، ويدعم بناء علاقات أكثر اتزاناً ومرونة وإنسانية في الحياة الاجتماعية.

لا يبدأ التعاطف الحقيقي من مشاركة الآخر مشاعره، بل من القدرة على فهمها دون أن نصبح أسرى لها. فقد يتأثر الإنسان بحزن غيره دون أن يدرك مصدره، ويشعر بألمه دون أن يفهم التجربة التي شكلته، وقد يبالغ في احتوائه حتى يفقد المسافة التي تمكنه من رؤيته بوضوح. لذلك يتجاوز التعاطف التكيفي مجرد الاستجابة الوجدانية، إنه قدرة ذهنية ووجدانية على قراءة الآخر داخل سياقه النفسي والاجتماعي، ثم تعديل طريقة التعامل معه وفق ما يقتضيه الموقف، من غير أن يفقد الإنسان حدوده أو يتنازل عن مبادئه. فجوهره ليس أن نشعر كما يشعر الآخر، وإنما أن نفهم ما يشعر به، وأن نعرف كيف نستجيب له دون أن نفقد قدرتنا على الاختيار.

كثيراً ما نقرأ الآخرين من خلال تجاربنا الخاصة، فنمنح سلوكهم المعنى الذي اعتدنا أن نراه فيه. نعتبر الغضب عدواناً، والصمت تكبراً، والانسحاب بروداً، بينما قد تكون وراء هذه السلوكيات خبرات وضغوط لا تظهر في الكلام. في هذا السياق، تتدخل المرونة التكيفية لتفصل بين الملاحظة والحكم، وتمنح العقل فرصة للنظر إلى السلوك من أكثر من زاوية. وهذا لا يعني تبرير الفعل أو تعليق المسؤولية، بل إدراك أن السلوك يفقد جزءاً من معناه عندما نعزله عن السياق الذي أنتجه. فالتعاطف لا يطلب منا أن نتبنى تفسير الآخر لذاته، وإنما أن نمنحه فرصة لأن يفهم قبل أن يختزل في حكم. وكلما اتسعت قدرتنا على قراءة السياق، أصبح حكمنا أكثر عدلاً وأقل خضوعاً للانطباع الأول.

غير أن التعاطف الذي لا تحكمه الحدود قد ينقلب على صاحبه. فاستيعاب مشاعر الآخرين باستمرار لا يجعل الإنسان أكثر إنسانية بالضرورة، فقد يجعله أكثر عرضة للاستنزاف وفقدان الوضوح. أن تفهم خوف شخص لا يعني أن تحمل خوفه، وأن تدرك غضبه لا يعني أن تصبح امتداداً له، وأن تتفهم ألمه لا يعني أن تتحمل مسؤولية حياته. لذلك يقوم التعاطف التكيفي على معادلة دقيقة قرب يكفي للفهم، ومسافة تكفي للحفاظ على الذات. وهذه المسافة ليست نقصاً في الحساسية، بل شرطاً لها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى بوضوح ما ابتلعته مشاعر الآخر. ومن هنا يصبح وضع الحدود جزءاً من التعاطف، لا نقيضاً له.

كما أن قدرتنا على التعاطف ليست فردية خالصة، فالمجتمع يشارك في تشكيلها وتوجيهها. نحن نتعلم منذ الطفولة كيف نقرأ مشاعر الآخرين، ومن نمنحه العذر، ومن نحمله المسؤولية، ومن نراه جديراً بالشفقة أو التفهم. وتدخل في ذلك التربية والمكانة الاجتماعية والقرب والتشابه والصور الثقافية المسبقة. لذلك قد نفهم خطأ شخص قريب لأننا نعرف ظروفه، بينما ندين الفعل نفسه إذا صدر عن شخص بعيد عنا. بذلك تكشف الحياة الاجتماعية أن التعاطف ليس موزعاً بالتساوي، فنحن لا نرى الإنسان دائماً قبل موقعه الاجتماعي، بل قد نراه من خلاله. وتكمن إحدى وظائف التعاطف التكيفي في مقاومة هذه القراءة الجاهزة، بحيث يصبح فهم الآخر محاولة لرؤيته داخل تجربته لا داخل الصورة التي صنعناها عنه.

وتزداد أهمية ذلك في بيئة اجتماعية تتسارع فيها الأحكام وتقل فيها فرص المعرفة المتأنية. فمواقع التواصل الاجتماعي تدفع الإنسان إلى التعامل مع الآخرين من خلال شذرات من كلامهم وصورهم ومواقفهم، فيتحول الانطباع إلى حكم، والحكم إلى موقف، والموقف إلى هوية ثابتة يصعب تعديلها. في مثل هذا السياق، لا تكون المرونة التعاطفية مجرد قدرة على التأثر، وإنما قدرة على إعادة تفسير الآخر كلما ظهرت معطيات جديدة. وهذا هو جوهر التكيف، أن تتبدل استجابتنا كلما اتسع فهمنا للموقف دون أن تتبدل مبادئنا إرضاءً للآخر. فقد يكون الإصغاء هو الاستجابة المناسبة في موقف معين، وقد تكون المواجهة في موقف آخر، وقد يكون وضع الحدود أكثر إنسانية من الاستجابة لكل طلب. فالتعاطف الناضج لا يمنح الجميع الاستجابة نفسها، بل يمنح كل موقف ما يحتاجه دون أن يفقد الإنسان مركزه الأخلاقي.

ففي جوهره، التعاطف التكيفي ليس زيادة في مقدار ما نشعر به، بل ارتقاء في الطريقة التي نفهم بها ما نشعر به وما يشعر به الآخرون. إنه يجمع بين الحساسية والتمييز، وبين المرونة والثبات، وبين القدرة على الاقتراب والقدرة على الانسحاب دون قسوة.
ولذلك لا يقاس نضج التعاطف بمدى تأثر الإنسان بالآخر، وإنما بقدرته على تحويل التأثر إلى فهم، والفهم إلى استجابة واعية، والاستجابة إلى علاقة لا تستنزف أحد طرفيها. وربما يكون النضج الاجتماعي هو أن نرى الإنسان في تعقيده، وأن نمنحه حق الاختلاف دون أن نفقد حقنا في الاختيار، ففهم الآخر لا يعني أن نصبح مثله، وإنما أن نعرف ما الذي يدفعه إلى أن يكون كما هو، ثم نقرر بوعي كيف نكون نحن أمامه.

نصيحتي لك، درب نفسك على أن ترى ما وراء المواقف قبل أن تستجيب لها، وأن تمنح اختلاف الناس فرصة لأن يكشف سياقه قبل أن يتحول في ذهنك إلى حكم نهائي. لا تجعل حساسيتك تجاه الآخرين عبئاً عليك، ولا تجعل قدرتك على فهمهم باباً لاستنزافك، تعلم أن تغير أسلوب تعاملك عندما تتغير حاجات الموقف، وأن تحافظ في الوقت نفسه على ما يمنحك اتزانك الداخلي. فالحياة الاجتماعية لا تمنحنا دائماً أشخاصاً يشبهوننا، لكنها تمنحنا فرصاً متكررة لنتعلم كيف نكون أكثر مرونة في التعامل، وأكثر وعياً بحدودنا، وأكثر قدرة على الاستجابة للإنسان كما هو لا كما نريده أن يكون. وحين يصبح هذا الوعي جزءاً من طريقتنا في الحياة، تتحول علاقتنا بالآخرين من مجرد ردود أفعال إلى اختيار أكثر نضجاً وإنسانية.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية


المزيد.....




- صالات المطارات.. هل تستحق العناء أم أصبحت تجربة مخيبة للآمال ...
- ما سر هوس مواقع التواصل بهذا المشروب الكوري من حليب الموز؟
- -نهاية الشرق الأوسط الأمريكي- - مقال في صحيفة فورين أفيرز
- إقالات نادرة تهزّ الموساد.. هل تكشف إخفاق الرهان الإسرائيلي ...
- روسيا تجري اختبارات صاروخية في جزر متنازع عليها واليابان تحت ...
- بحيرات وأنهار المجر تسجل مستويات متدنية قياسية مع تفاقم الجف ...
- بين العقوبات والاستعداد العسكري.. هل تقترب إيران من جولة جدي ...
- ألمانيا تحتاج العمالة الماهرة.. لماذا لا يسد العاطلون هذا ال ...
- عمران خان يعود إلى السجن بعد فحص طبي
- بيسكوف: تفجيرات -السيل الشمالي- عمل تخريبي إرهابي ضد الاتحاد ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التكيفي وإدارة المسافة في العلاقات الإنسانية)