أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا














المزيد.....

المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 13:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" يمنح العلم الإنسان مكانة في المجتمع، لكن طريقة حضوره بين الناس هي التي تمنح هذه المكانة معناها، فالمعرفة تكشف ما نعرفه، بينما تكشف ممارستنا لها الإنسان الذي أصبحنا عليه " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح أن التعليم يوسع معرفة الإنسان وقدرته على التأثير، بينما تكشف الأخلاق طريقة استخدام هذه المعرفة في الحياة، فالشهادة تعكس ما تعلمه الإنسان، أما سلوكه فيكشف قيمة ما تعلمه وأثره في الآخرين.

يمنح العلم الإنسان قدرة أوسع على فهم العالم، ويفتح أمامه مجالات جديدة للتفكير والعمل واكتشاف ما يحيط به. غير أن اتساع المعرفة يضع الإنسان أمام معنى أعمق يتصل بالطريقة التي يحضر بها في حياة الآخرين، لأن قيمة ما يتعلمه لا تتحدد بما يضيفه إلى رصيده المعرفي وحده، وإنما بما يتركه في شخصيته وفي علاقته بالعالم من حوله. ولهذا تبدو الشهادة محطة في مسار التعلم، بينما تظل قيمة الإنسان مسألة تتجاوز حدود التحصيل الأكاديمي إلى ما يكشفه حضوره في الحياة من وعي ومسؤولية واحترام للآخر. ومن هذه المسافة بين ما يعرفه الإنسان وما يصبح عليه تتشكل إحدى أكثر القضايا أهمية في معنى التعليم وقيمة المعرفة.

يتشكل الإنسان أخلاقياً في مساحات واسعة تمتد خارج المؤسسات التعليمية. يتعلم منذ طفولته معنى الأمانة، واحترام الآخرين، والوفاء بالمسؤولية، ومراعاة أثر أفعاله فيمن حوله، ثم تأتي المدرسة والجامعة لتوسعا دائرة المعرفة والتخصص. هنا تمنح المؤسسات التعليمية الفرد أدوات أكثر قدرة على الفهم والتأثير، بينما تحدد تجربته الاجتماعية الطريقة التي يستخدم بها هذه الأدوات. ولهذا قد يتقدم الإنسان معرفياً دون أن يتقدم بالقدر نفسه في سلوكه، فقد يعرف الصواب ولا يختاره، ويدرك أثر الظلم ثم يمارسه، ويتحدث عن النزاهة بينما يبحث عن مصلحته عندما تتعارض مع الحق. تكشف هذه الحالات أن المعرفة قد تبقى في العقل، بينما تحتاج الأخلاق إلى أن تتحول إلى ممارسة.

تظهر القيمة الحقيقية للإنسان (شخصيته الحقيقية) في المواقف التي تكشف علاقته بالآخرين، وخصوصاً عندما تتفاوت بينهم القوة والمكانة. يتعامل الإنسان مع من هم أضعف منه بطريقة تكشف كثيراً مما لا تقوله شهاداته، لأن العلاقة التي تغيب فيها الحاجة إلى المجاملة تكشف طبيعة الشخص أكثر مما تكشفها صورته الرسمية. يستطيع صاحب المعرفة أن يتحدث بإتقان عن العدالة، لكن ممارسته لها في حياته اليومية تكشف مدى حضورها في وعيه. ويستطيع أن يحمل شهادة رفيعة في مجال إنساني، ثم يستخدم موقعه لإهانة من يعملون معه أو استغلال حاجتهم. عند هذه النقطة تفقد الشهادة قدرتها على الدفاع عن صاحبها، لأن السلوك يصبح الوثيقة الأكثر صدقاً في التعريف بالإنسان.

تمنح المعرفة صاحبها قوة أكبر على الفهم والتأثير واتخاذ القرار، ولذلك تصبح الأخلاق أكثر أهمية كلما اتسعت هذه القوة، حيث يستطيع العقل المتعلم أن يبني ويعالج ويبتكر، لكنه يستطيع أيضاً أن يستخدم قدرته في تبرير ما يضر بالآخرين. وتكمن الخطورة في أن المعرفة تمنح الخطأ أحياناً لغة أكثر إقناعاً، فتتحول القدرة على التفكير إلى قدرة على تبرير السلوك بدلاً من مراجعته. عندئذ تظهر الأخلاق بوصفها القوة التي تضبط القوة، فهي التي تمنع المعرفة من التحول إلى استعلاء، والخبرة إلى استغلال، والمكانة إلى امتياز على حساب الآخرين. لذلك تتحدد قيمة العلم بما يفعله الإنسان به، لا بما يملكه منه فقط.

اجتماعياً، يختبر المجتمع أثر التعليم عندما تغادر المعرفة قاعات الدراسة وتدخل تفاصيل الحياة اليومية. عندها يواجه الإنسان اختباراً يتجاوز الامتحان والشهادة، ويظهر في طريقة تعامله مع السلطة التي يمتلكها، وفي كيفية توظيف خبرته، واحترام حقوق من لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه، وفي موقفه عندما تتعارض مصلحته مع ما يدرك أنه صواب. في هذه المساحة يتحول العلم من معلومات إلى مسؤولية، وتتحول الأخلاق من فكرة إلى سلوك يمكن للآخرين أن يلمسوا أثره. وهنا تحديداً يصبح التعليم أكثر من تراكم معرفي، باعتباره قدرة على استخدام المعرفة بطريقة تحفظ للإنسان قيمته وتحفظ للآخرين كرامتهم.

خلاصة القول، يكشف العلم مقدار ما يعرفه الإنسان، ويظهر أثر هذه المعرفة في الطريقة التي يتعامل بها مع نفسه والآخرين وما يحيط به، حيث تمنحه الشهادة اعترافاً بمساره التعليمي، غير أن القيمة التي تكتسبها المعرفة تتشكل في الحياة اليومية، عندما تتحول إلى وعي بالمسؤولية واحترام للإنسان وحسن استخدام للقدرة التي منحتها لصاحبها. عندها تصبح المعرفة جزءاً من شخصية الإنسان لا مجرد رصيد في سيرته، ويصبح أثرها ممتداً إلى الآخرين، فتتجاوز قيمتها حدود التحصيل الفردي إلى ما تضيفه إلى الحياة الاجتماعية من احترام وإنصاف ونفع.

نصيحتي لك، اجعل معرفتك طريقاً إلى اتساع إنسانيتك، واحرص أن يظهر ما تتعلمه في طريقة تعاملك مع الناس وموقعك بينهم، فالمجتمع يقرأ قيمة الإنسان من أثره في الحياة اليومية، ومن قدرته على أن يجعل حضوره أكثر احتراماً وعدلاً ونفعاً، وكلما اتسعت خبرتك، اجعل معها مساحة أكبر للتواضع والإنصاف وحسن المعاملة، لأن المكانة التي تستحق البقاء هي تلك التي يزداد أثرها في الآخرين دون أن تنتقص من قدرهم. فالعلم بدون حامل أخلاقي لا يساوي شيئاً.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا