أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها














المزيد.....

أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 13:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" لا تؤجل قرارك خوفاً من الخطأ، فترك الاختيار للظروف والآخرين قد يقودك إلى مسار لم تختره، ثم تجد نفسك مطالباً بأن تعيش نتائجه " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل التردد في علاقته بفاعلية الإنسان داخل محيطه الاجتماعي، والكشف عن أثر تأجيل القرار في تشكيل مسار حياته، وتوضيح دور الوعي بالاختيار ومراجعة المسار في استعادة قدرته على توجيه حياته.

تبدو القرارات الشخصية في ظاهرها شأناً فردياً، لكن مسار الحياة يكشف أنها تتشكل داخل شبكة واسعة من العلاقات والتوقعات والضغوط الاجتماعية. فالإنسان لا يختار في فراغ، وإنما يتخذ مواقفه داخل أسرة تنتظر منه شيئاً، وجماعة تضع له حدود المقبول، ومؤسسات تمنحه فرصاً وتحجبه عن أخرى، وثقافة تصنع في وعيه صوراً لما ينبغي أن يكون عليه.

لذلك يصبح التردد أكثر من مجرد عجز عن الحسم، فقد يتحول تدريجياً إلى انسحاب هادئ من موقع الفاعل، بحيث تترك مساحة القرار للظروف وللآخرين. وعندما يتكرر هذا الانسحاب، لا تعود الحياة مساراً اختاره الإنسان بوعي، وإنما مساراً تشكل من اختيارات الآخرين ومن القرارات التي اتخذتها الظروف نيابة عنه.

يبدأ التردد غالباً من محاولة لتجنب كلفة الاختيار. فالقرار يضع الإنسان أمام احتمال الخطأ ومسؤولية نتائجه، بينما يمنحه الانتظار شعوراً مؤقتاً بالأمان. لكن الحياة لا تتجمد أمام المتردد، فالوقائع تتغير، والفرص تنتقل، والآخرون يتخذون قراراتهم، وما كان قابلاً للتغيير اليوم قد يصبح أكثر صعوبة غداً. لذلك فإن تأجيل القرار لا يعني تعليق النتيجة، بل يسمح لنتائج أخرى بأن تتشكل من دونه. ومع تكرار التأجيل، يتحول التردد من موقف عابر إلى نمط من التعامل مع الحياة، يفقد معه الإنسان تدريجياً القدرة على التأثير في اتجاهها، لا لأنه فقدها تماماً، وإنما لأنه اعتاد تركها تتحدد في غيابه.

وتظهر هنا قوة المحيط الاجتماعي في تشكيل مسارات الأفراد. فالأسرة قد توجه الاختيارات التعليمية والمهنية، والجماعة قد تحدد ما يبدو نجاحاً أو فشلاً، والثقافة قد تمنح بعض الخيارات شرعية وتحاصر خيارات أخرى، فيما تضيق الظروف الاجتماعية مجال الممكن. غير أن تأثير هذه الشروط لا يعني أن الفرد مجرد نتيجة لها، فالفاعل الاجتماعي يتحرك داخل قيود حقيقية، لكنه يملك في الوقت نفسه مساحات متفاوتة للفعل وإعادة التوجيه. وتكمن المشكلة عندما تتحول هذه الشروط من واقع يتطلب التفاوض إلى مبرر دائم للتنازل عن القرار. عندها يصبح الإنسان جزءاً من المسار الذي يشتكي منه لاحقاً، لأن ما فرضه الآخرون امتزج بما قبله هو، وما تعذر عليه تغييره اختلط بما لم يحاول تغييره.

وتظهر المفارقة بوضوح عندما ينظر الإنسان إلى حياته بعد سنوات، فيجد نفسه في عمل أو علاقة أو مكان لم يكن اختياره الأول، ثم يختصر كل ذلك بترديد عبارة واحدة (ظروف). غير أن الحياة الاجتماعية لا تتكون من الظروف وحدها، إنها تتشكل أيضاً من الاستجابات التي يقدمها الإنسان لها، ومن القرارات التي يتخذها والقرارات التي يؤجلها. عندئذ لا تصبح المسؤولية اتهاماً للفرد، ولا إنكاراً للقيود التي واجهها، وإنما تصبح قدرة على التمييز بين ما فرض عليه وما ساهم في استمراره. فالمسألة لا تتعلق بامتلاك حرية مطلقة، وإنما بالحفاظ على مساحة يمكن داخلها مراجعة المسار، والتفاوض مع شروطه، وإعادة توجيهه كلما أمكن ذلك.

لذلك لا تكمن قيمة الاختيار في ضمان الوصول إلى النتيجة الصحيحة، وإنما في إبقاء الإنسان حاضراً في تشكيل مساره. فالإنسان قد يخطئ في قراره، لكنه يستطيع مراجعة الخطأ وتعديل الاتجاه، أما عندما يترك القرار باستمرار للآخرين والظروف، فإنه يفقد شيئاً أكثر عمقاً من فرصة عابرة، أي يفقد علاقته الواعية بمسار حياته. والتردد، في هذه الحالة، لا يعود مجرد غياب للقرار، بل يصبح قراراً غير معلن بترك القرار لغيره. وهنا تتداخل المسؤولية الفردية مع الواقع الاجتماعي، فالإنسان لا يختار نقطة البداية دائماً، لكنه يظل قادراً، بدرجات مختلفة، على المشاركة في تحديد الاتجاه.

خلاصة القول إن الحياة لا تعاقب المتردد فقط، لكنها لا تنتظره أيضاً. فالزمن يتحرك، والآخرون يختارون، والظروف تعيد ترتيب إمكاناتها باستمرار. وأخطر ما في التردد ليس أن يفوت الإنسان قراراً بعينه، بل أن يعتاد العيش داخل مسار تشكل تدريجياً من قرارات الآخرين ومن صمته هو. عندها قد تبدو حياته وكأنها حدثت له، مع أنها تشكلت أيضاً من أشياء تركها معلقة، ومن اختيارات سمح لغيره بأن يتخذها عنه. فالإنسان لا يستطيع أن يختار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يحافظ على حقه في أن يكون شريكاً في اختيار ما يأتي بعده.

نصيحتي لك، لا تنتظر اكتمال الرؤية كي تبدأ، فبعض المعاني لا تتكشف إلا عبر التجربة، وبعض الخيارات لا تتضح قيمتها إلا بعد خوضها. ابدأ من حيث تقف، مستنداً إلى وعيك، واترك للتجربة أن توسع رؤيتك وتمنحك فهماً أعمق لذاتك ولما تريد. فالحياة لا تتطلب إنساناً يعرف منذ البداية إلى أين سينتهي، بقدر ما تتطلب إنساناً يدرك غايته، ويعرف القيم التي تستحق أن يتمسك بها، والحدود التي ينبغي أن يتجاوزها. وثق بقدرتك على التعلم من تجاربك، ولا تجعل الخوف من الخطأ يحرمك من فرصة النمو، فالنضج ليس امتلاكاً دائماً للإجابات، بل قدرة متجددة على مراجعة الذات، وتصحيح الاتجاه، ومواصلة بناء حياة تليق بالإنسان الذي اخترت أن تكونه.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...


المزيد.....




- الأخوان تيت.. من بذخ وطائرات خاصة ومجوهرات إلى الحبس الانفرا ...
- من المدينة المحرّمة.. مزهرية من عهد أسرة تشينغ سبقت عصرها بـ ...
- وفاة -الملك البحّار- هارالد الخامس بعد 35 عاما بعرش النرويج. ...
- شاهد.. عائلات تبحث بين صور الجثث عن أحبائها بعد كارثة نيبال ...
- سوريا.. قتلى وتوتر أمني وحظر تجوال بعد هجوم على الأهالي في ج ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة 10 بهجوم مسيرات أوكرانية
- المسح الجيولوجي الأمريكي يغير اسم بحيرة أونتاريو بأمر من ترا ...
- لافروف وسفير مصر يبحثان التعاون بين موسكو والقاهرة
- فيديوهات جديدة لانتشال ناجين من فيضانات نيبال
- الإخبارية السورية: مقتل شخصين في انفجار قنبلة يدوية أمام مبن ...


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها