أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب















المزيد.....

العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" أقسى ما يكشفه العطاء للإنسان أن ما قدمه بمحبة قد يتحول، مع الوقت، إلى شيء يعتاده الآخرون ويحسبونه حقاً لهم، فيغدو حضوره مرتبطاً بما يمنحه، ويصبح توقفه عن العطاء موضع عتاب، كأن امتناعه عن المنح حرمان لهم، لا حقاً له في أن يمنح أو يمتنع " (الكاتب).
يهدف المقال إلى توضيح مسار تحول العطاء داخل العلاقات الإنسانية من فعل اختياري تعبر من خلاله الذات عن حضورها واهتمامها، إلى سلوك متوقع قد يعيد تشكيل العلاقة وفق أدوار ثابتة، ويجعل العطاء باعتباره واجباً، مع تحليل ما يترتب على هذا التحول من اختلال في العلاقة وتراجع في حرية الاختيار، وبيان أهمية الحفاظ على حدود تضمن بقاء الإنسان مقدراً لذاته، لا لما يقدمه للآخرين.

يبدأ العطاء بقرار إنساني يتخذه الفرد حين يختار أن يمنح من وقته واهتمامه وقدرته، تعبيراً عن محبته واهتمامه بالآخر، أو عن قيمة إنسانية يؤمن بها، فيمنح لأنه يريد أن يضيف إلى العلاقة شيئاً من حضوره، لا لأنه مطالب بذلك. وفي بدايته يحمل العطاء معنى الاختيار، فهو فعل يصدر عن رغبة في المنح، وعن شعور بأن ما يقدمه الفرد يمكن أن يضيف إلى العلاقة دفئاً أو مساندة أو معنى. لكن ما يتكرر داخل العلاقة يتغير معناه تدريجياً، فالفعل الذي يبدأ استثناءً يدخل دائرة المألوف، وما كان يستقبل بامتنان يتحول إلى أمر متوقع. ومع هذا التحول تتبدل العلاقة من الداخل، إذ يظل العطاء اختياراً في وعي من يمنحه، بينما يغدو في وعي من يتلقاه جزءاً من طبيعة العلاقة. وحين يتسع هذا الفارق، يتراجع حضور العطاء في الوعي كلما ازداد تكراره.

يجعل تكرار فعل العطاء بلا حدود داخل العلاقة توقعات لا تحتاج إلى اتفاق صريح، فمع استمرار العطاء، يتحول ما كان مبادرةً إلى سلوك مألوف، ثم يغدو دوراً ينتظر من الفرد أداؤه. فإذا اعتاد شخص أن يجد الآخر حاضراً عند الحاجة، متسامحاً عند الخطأ، ومبادراً عند العجز، تصبح هذه الأفعال جزءاً من طبيعة العلاقة، ويغدو حضور صاحبها أمراً مفروغاً منه. ولا يحتاج هذا التحول إلى نية واعية للاستغلال، إذ يكفي أن يستمر النمط حتى يبدو وكأنه جزء طبيعي من العلاقة. وهكذا يمكن أن يتحول العطاء من ميزة تغني العلاقة إلى وظيفة داخلها، ويصبح التوقف عنها خروجاً عن المتوقع، بينما يظل السؤال عن كلفة هذا الدور غائباً.

يعيد اختلال العطاء تشكيل العلاقة حين يستمر أحد طرفيها في المنح والآخر في الأخذ، حتى يغدو التفاوت نفسه جزءاً من المألوف. عندها لا يعود الاستغلال مجرد فعل فردي، بل يصبح نمطاً تعيد العلاقة إنتاجه كلما استمر التوقع ذاته. وقد يواصل الإنسان عطاءه تحت ضغط المحبة أو الوفاء أو الخوف من أن يفهم توقفه تخلياً، فيجد نفسه مرتبطاً بدور لم يعد قادراً على أدائه بالقدر نفسه. بذلك تصبح الحدود استعادة لحرية الاختيار، فالعطاء الذي يمكن التوقف عنه يظل فعلاً حراً، أما حين يصبح الاستمرار فيه شرطاً للحفاظ على العلاقة، فإنه يفقد شيئاً من معناه. ومن ثم لا يكون التراجع عن العطاء رفضاً للآخر، بل رفضاً لتحويل الكرم إلى التزام دائم.

يكشف غياب الإنسان للآخرين قيمة حضوره، فحين يتراجع عن المكان الذي اعتادوا أن يجدوه فيه، يدركون مقدار ما كان يقدمه للعلاقة، ومقدار اعتمادهم على حضوره، وقد يتضح في المقابل أن العلاقة كانت قائمة على ما يقدمه طرف أكثر مما هي قائمة على وجوده هو. وفي الحالتين يصبح الغياب مساحة لإعادة النظر، لا وسيلة للعقاب. فهو لا يفرض على الآخر الاعتراف بالقيمة، وإنما يترك له فرصة اكتشافها، ويمنح الغياب الإنسان فرصة ليرى علاقته كما هي، بعيداً عن الدور الذي اعتاد أن يؤديه فيها. وقد يكون أعمق ما يمنحه الغياب هو استعادة حرية الحضور، أن يعود الإنسان إلى العلاقة لأنه يريد أن يكون فيها، لا لأن الآخرين اعتادوا وجوده.

يظل العطاء إنسانياً ما دام نابعاً من حرية واعية، وتظل العلاقة متوازنة حين ينظر إلى ما يقدمه كل طرف بوصفه اختياراً يستحق التقدير، لا حقاً يطالب به. فليس المطلوب أن يحسب الإنسان ما يعطيه وما يأخذه حساباً دقيقاً، وإنما أن يدرك متى يتحول العطاء من قيمة تغني العلاقة إلى نمط يستنزف أحد أطرافها. فالمشكلة لا تبدأ حين يعطي الإنسان أكثر مما يأخذ، وإنما حين يتحول ما يقدمه بإرادته إلى ما ينتظر منه بحكم الاعتياد، وحين يعاد تعريف الكرم داخل العلاقة بوصفه واجباً، وينظر إلى الامتناع عنه بوصفه تقصيراً أو تخلياً. عند هذه النقطة لا يعود الاختلال مجرد تفاوت في الأخذ والعطاء، بل يصبح نمطاً اجتماعياً يعيد إنتاج نفسه من خلال التوقعات والأدوار التي رسخها التكرار. لذلك قد يصبح التوقف عن العطاء استعادة لمعناه قبل أن يكون ابتعاداً عن الآخر، إذ يعيد العلاقة إلى أساسها الإنساني، حيث يكون الحضور اختياراً لا وظيفة، والعطاء مبادرة لا التزاماً مفروضاً.

خلاصة القول، عندما يتوقف الإنسان عن أداء الدور الذي اعتاد الآخرون منه القيام به، يصبح غيابه كاشفاً لطبيعة العلاقة نفسها. ففي بعض العلاقات، لا تظهر قيمة الإنسان لذاته إلا عندما يتوقف عن الدور الذي اعتاد أن يؤديه، عندها يتضح ما إذا كان حضوره مقدراً لذاته، أم لما كان يقدمه باستمرار. عندئذ، تصبح استعادة الحدود دفاعاً عن حرية العطاء ومعناه الإنساني. فالعطاء يفقد شيئاً من قيمته حين يتحول من مبادرة إلى واجب، وحين يتحول الإنسان من شريك في العلاقة إلى شخص ينتظر منه أن يقدم ما اعتاد الآخرون الحصول عليه منه. بذلك تتيح الحدود للإنسان أن يستعيد حقه في اختيار ما يمنحه، ومتى يمنحه، وأن يظل عطاؤه تعبيراً عن إرادته لا استجابةً لما أصبح متوقعاً منه. وبذلك تبقى العلاقة مساحة يلتقي فيها الإنسان بالآخر، لا مساحة يختزل فيها الإنسان في الدور الذي اعتاد أن يؤديه.

نصيحتي لك، لا تجعل طيبتك سبباً في أن ينظر إليك من خلال ما تقدمه فقط. اترك في علاقاتك مساحة تسمح للآخرين بأن يعرفوك كما أنت، لا كما اعتادوا أن يحتاجوك، فالإنسان أوسع من المنفعة التي يحققها للآخر، وقيمته لا تختزل في قدرته على تلبية ما ينتظر منه. وحين تتسع هذه المساحة، تصبح العلاقة أكثر قدرة على رؤية الإنسان في تعدده، بما يحمله من رغبات وحدود وتغيرات، لا في الوظيفة التي يؤديها داخلها.

بذلك لا يعود القرب قائماً على الحاجة وحدها، بل على الاعتراف المتبادل بإنسانية كل طرف، وعلى أن تكون قيمة العلاقة في قدرتها على استيعاب الإنسان في عطائه وتغيره، وفي لحظات عجزه عن المنح. فالعلاقة التي ترى الإنسان قبل ما يقدمه تترك له مكاناً فيها حتى عندما تتغير قدرته على العطاء، وبذلك يصبح القرب اعترافاً بالوجود، لا مكافأة على المنفعة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟


المزيد.....




- ماذا تغير في وضع الأمير هاري وميغان ضمن أفراد العائلة المالك ...
- لصان يسرقان 4 لوحات من متحف في فرنسا ويفقدان اثنتين أثناء ال ...
- بيسكوف: مشاركة الثلاثي الأوروبي المتعطش لإطالة النزاع تعقد م ...
- مقتل قائد في الباسيج بهجوم في مدينة راسك جنوب شرقي إيران
- لافروف لبن فرحان: روسيا تسعى بصدق للمساعدة في تهدئة الأوضاع ...
- مصر.. أقوى مقاتلة شبحية روسية تقدم عرضا مثيرا أمام السيسي
- حاملة الطائرات الأمريكية -يو إس إس أبراهام لينكولن- تتآكل من ...
- العداء لأوكرانيا يتصاعد في بولندا إلى حد العنف
- رئيس فيتنام يضع إكليلا من الزهور على ضريح الجندي المجهول عن ...
- بوتين: تنوع لغات وتقاليد شعوب روسيا ثروة حقيقية للبلاد


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب