أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار العلاقة















المزيد.....

المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار العلاقة


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 17:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" الخلافات الزوجية لا تكشف مقدار الحب بين الزوجين بقدر ما تكشف مقدار ما بقي في قلبيهما من مودة ورحمة عندما يغيب عنهما التفاهم والرضا " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح أن المبادرة في حل الخلافات الزوجية مسؤولية مشتركة بين الزوجين، وأن المودة والرحمة والاحتواء والتغافل تمثل مهارات أساسية في إدارة الاختلاف والحفاظ على توازن العلاقة الزوجية واستمرارها.

تكشف الخلافات الزوجية طبيعة العلاقة أكثر مما تكشفه لحظات الانسجام. ففي أوقات الهدوء يستطيع الجميع أن يبدو محباً ومهتماً ومتسامحاً، بينما تضع لحظة الاختلاف هذه الصفات أمام اختبار حقيقي. وتصبح المبادرة في هذه اللحظة فعلاً يتجاوز الكلمات العابرة، لأنها تعبر عن استعداد الإنسان لتحمل مسؤولية العلاقة، وعن قدرته على تجاوز منطق الانتظار والمراقبة وحساب من يبدأ أولاً. فالمبادرة ليست مجرد ابتسامة أو كلمة (بحبك) تقال لتخفيف ثقل الخلاف، وإنما هي موقف يكشف مقدار ما يمنحه الإنسان للعلاقة من قيمة، واستعداده لأن يكون جزءاً من حل المشكلة بدلاً من انتظار تراجع الآخر.

ينشأ كثير من الخلافات الزوجية من تحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع على المكانة داخل العلاقة. ويصبح السؤال في هذه اللحظة من المخطئ؟ ومن ينبغي أن يعتذر من الآخر أولاً؟ عندئذ تنتقل العلاقة تدريجياً من البحث عن استعادة التوازن إلى البحث عن إثبات التفوق. ويأخذ الصمت معنى العقاب، ويتحول الابتعاد إلى وسيلة ضغط، وتصبح المبادرة وكأنها تنازل عن الكرامة. هذا التفكير يختزل العلاقة في ميزان للقوة، بينما تقوم الحياة المشتركة على قدرة الطرفين على إعادة التوازن كلما تعرض للاختلال. بذلك تصبح المبادرة فعلاً واعياً ينقل العلاقة من منطق تسجيل الأخطاء إلى فهم ما حدث وإصلاح أثره. فالإنسان الناضج لا يرى في المبادرة خسارة لموقعه، بل حفاظاً على قيمة العلاقة التي اختار أن يكون طرفاً فيها.

وتتحدد مسؤولية المبادرة داخل الزواج وفق طبيعة العلاقة نفسها، لا وفق تقسيم جامد للأدوار بين الرجل والمرأة. فالحب لا يمنح أحد الطرفين حق انتظار الآخر دائماً، كما أن المسؤولية العاطفية لا يمكن تحميلها لطرف واحد بحجة أنه أكثر قدرة على التعبير أو أكثر حاجة إلى الاحتواء. والرجل والمرأة يشتركان في بناء المناخ العاطفي للعلاقة، ولذلك يشتركان أيضاً في معالجة ما يطرأ عليه من اضطراب. ويصبح الاهتمام والاحتواء والتسامح أفعالاً متبادلة تنبع من فهم أن العلاقة ليست مجموع مواقف فردية، وإنما فضاء مشترك يتأثر فيه كل طرف بالآخر. لذلك قد تبدأ المبادرة من كلمة هادئة، أو اقتراب صادق، أو اعتراف بالمسؤولية، أو رغبة حقيقية في الفهم، وقيمتها لا تتحدد بحجم الفعل، وإنما بما يحمله من استعداد لتجاوز الذات عندما تصبح جزءاً من المشكلة.

وتمنح المبادرة العلاقة فرصة لاستعادة إنسانيتها قبل أن يتحول الخلاف إلى ذاكرة تراكمية. فالكلمات التي تقال أثناء الغضب، والمسافات التي تفرض بقصد العقاب، والمواقف التي تُترك من دون معالجة، يمكن أن تستقر في الذاكرة وتعيد تشكيل نظرة كل طرف إلى الآخر. ومع تكرار ذلك يصبح الخلاف الحالي محملاً بخلافات سابقة، وتتحول العلاقة إلى مساحة تتراكم فيها الديون العاطفية. هنا تظهر أهمية المبادرة في إيقاف هذا التراكم قبل أن يصبح جزءاً من بنية العلاقة. والمبادرة الأكثر نضجاً هي التي لا تبحث عن انتصار طرف على آخر، بل عن استعادة القدرة على العيش مع الاختلاف دون أن يتحول إلى تهديد للروابط التي تجمعهما.

يبدأ الحب الحقيقي من الطرف الذي يمتلك شجاعة الاقتراب، لا من الطرف الذي ينتظر أن يثبت الآخر حبه أولاً. وهذه الشجاعة لا تعني الخضوع أو التنازل عن الكرامة، وإنما تعني القدرة على التمييز بين الكرامة والعناد، وبين حفظ الحقوق وتحويل العلاقة إلى ساحة للمواجهة. فالاعتذار عندما يكون مستحقاً قوة أخلاقية، والتسامح عندما يكون واعياً قدرة على التحرر من أسر الإساءة، والاحتواء في لحظة الاضطراب فعل مسؤولية قبل أن يكون تعبيراً عن العاطفة. وبذلك تصبح المبادرة مؤشراً على نضج العلاقة، لأنها تكشف قدرة الإنسان على رؤية ما وراء موقفه الشخصي، وإدراك أن استمرار العلاقة الصحية يحتاج إلى طرفين قادرين على إصلاح ما يتعرض للكسر.

وتعيد المبادرة تعريف الخلاف نفسه، إذ يصبح الخلاف جزءاً طبيعياً من الحياة المشتركة، بينما تتحدد آثاره وفق الطريقة التي يدار بها، فقد يفتح مجالاً لمزيد من الفهم والتقارب، وقد يتحول، إذا أدير بصورة خاطئة، إلى سبب لمزيد من القطيعة. والعلاقات الإنسانية لا تستمر لأنها خالية من التوتر، بل لأنها تمتلك آليات تسمح لها باستعادة توازنها بعده. ومن هذه الآليات القدرة على الاقتراب بعد الابتعاد، والحوار بعد الصمت، والتسامح بعد الأذى، وتحمل المسؤولية بعد الخطأ. لذلك فإن العلاقة التي يستطيع طرفاها المبادرة إلى إصلاحها كلما اختل توازنها تكون أكثر قدرة على تحويل الخلاف من تهديد للاستقرار إلى فرصة لإعادة فهم بعضهما بعضاً.

وفي النهاية، تكشف المبادرة متانة العلاقة أكثر مما تكشفه الكلمات الجميلة التي تقال في أوقات الرضا، لأنها تظهر ما يفعله الإنسان عندما تتعارض مشاعره مع كبريائه، وعندما يصبح الحفاظ على العلاقة بحاجة إلى خطوة تتجاوز الحسابات الشخصية. فالزواج الناضج لا يقوم على معرفة من يبدأ، بل على وجود طرفين يدركان أن استمرار المودة مسؤولية مشتركة، وأن بعض الخلافات لا تحتاج إلى منتصر بقدر ما تحتاج إلى شخص يمتلك شجاعة الاقتراب، ثم إلى آخر يمتلك شجاعة استقبال هذا الاقتراب. والعلاقات التي تستمر طويلاً ليست تلك التي يغيب عنها الخلاف، وإنما تلك التي لا تسمح للخلاف بأن يصبح أقوى من الرغبة في الإصلاح والاستمرار. فالمبادرة في العلاقة ليست انحناءً أمام الآخر، بل ارتفاع فوق لحظة الخلاف، ومن يملك شجاعة الإصلاح عندما يستطيع أن ينتظر، يثبت أن قيمة العلاقة عنده أكبر من انتصار الذات.

برأيي، في الحياة الزوجية، يحتاج الإنسان أحياناً إلى مهارة التغافل أكثر من مهارة الانتصار، وإلى الاحتواء أكثر من الانشغال بالخطأ، وإلى المودة والرحمة أكثر من التمسك بحسابات المواقف. فالتغافل الواعي يحفظ للعلاقة صفاءها، والاحتواء يمنح الطرف الآخر شعوراً بالأمان، والمودة تفتح في القلوب طريقاً إلى الصلح، والرحمة تجعل الإنسان يرى ضعف شريكه قبل أن يرى تقصيره. وعندما تصبح هذه المعاني مهارات حاضرة في الحياة اليومية، يغدو الخلاف عارضاً لا يملك القدرة على إفساد المعنى الأعمق للحياة المشتركة، لأن العلاقة التي تسكنها المودة والرحمة تعرف متى تتجاوز ما يستحق التجاوز، وكيف تحتوي ما يحتاج إلى الاحتواء، وتحفظ في الذاكرة من جميل العِشرة ما يجعل لحظة الغضب أصغر من أن تهدم سنوات من المحبة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام


المزيد.....




- لبنان.. القائمة الكاملة للفائزين بجوائز -موريكس دور- 2026
- بعد لقاء بوتين.. ويتكوف وكوشنر في كييف لدفع جهود إنهاء حرب أ ...
- قاليباف محذرًا: قواعد الاشتباك تغيرت.. وردود إيران ستكون -أس ...
- فيديو مزعوم لـ-تقدم حوثي متسارع على جبهة المخا والساحل الغرب ...
- ارتفاع كبير في نسبة المشاركة في انتخابات سكسونيا-أنهالت
- سياسي فرنسي: لا يمكن لأوروبا تمويل الصراع في أوكرانيا إلى ما ...
- رئيس الأركان الإسرائيلي: نمر بفترة متوترة وقابلة للاشتعال عل ...
- دوافع برلين لإغلاق القنصلية الروسية في بون
- سياسي ألماني يكشف دوافع الاستدعاء الجماعي للسفراء الروس في أ ...
- ناشط فنلندي: انضمام فنلندا إلى الناتو نقلها -من النار إلى ال ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار العلاقة