أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل














المزيد.....

بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 12:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" عندما تصبح الرداءة مقبولة، لا يعود إتقان العمل فضيلة فحسب، بل يصبح موقفاً ضد ثقافة اعتادت أن تكافئ من ينهي العمل بأي طريقة، ثم تنظر إلى من يصر على جودته وكأنه يعرقل ما يمكن إنجازه بسهولة ويسر " (الكاتب).

يهدف المقال إلى الكشف عن المكانة التي يحتلها إتقان العمل في تشكيل قيمة الإنجاز الفردي وآثاره في الحياة العملية، من خلال تحليل العلاقة بين طريقة أداء العمل، ومعايير الحكم عليه، وما يترتب على ذلك من ثقة وتعاون ومسؤولية متبادلة في ترسيخ قيم العمل.

يسعى الإنسان إلى إنجاز أعمال كثيرة في حياته العملية، لكن قيمة العمل لا تتحدد بمجرد إنجازه. فهناك فرق بين أن تنتهي المهمة وأن تُؤدى كما ينبغي، فالإنجاز يكتمل بانتهاء العمل، أما إتقانه فيظهر في مقدار المعرفة والعناية والجهد الذي يبذله الإنسان فيه. بذلك يضيف الإتقان إلى العمل قيمة تتجاوز مجرد الوصول إلى النتيجة، لأنه يكشف علاقة صاحبه بما يقوم به، ومدى تقديره للجهد الذي يتطلبه العمل وللأشخاص الذين سيعتمدون على نتائجه. عندئذ يصبح الإتقان جزءاً من معنى العمل نفسه، لا إضافة يمكن الاستغناء عنها.

على هذا الأساس، يحتاج الإتقان إلى قدرة على مراجعة العمل والنظر إليه من خارج حدود صاحبه. فالإنسان قد يعتاد ما أنجزه إلى درجة لا يعود معها قادراً على رؤية بعض جوانب النقص فيه، بينما تكشف الملاحظة الخارجية ما غاب عنه. وتمنح هذه المسافة فرصة لتصحيح الأخطاء وتطوير الأداء، لأن التعلم الحقيقي لا يقوم على الاعتقاد بأن العمل اكتمل بمجرد انتهائه، وإنما على الاستعداد لاكتشاف ما يمكن تحسينه. ومن هنا يصبح تقبل النقد جزءاً من الإتقان، لأنه يحول الخطأ من نهاية محرجة إلى معرفة جديدة يمكن الاستفادة منها.

وتظهر المشكلة عندما يصبح الوصول إلى النتيجة أهم من الطريقة التي تحققت بها. فالغش والتلاعب واختصار الجهد بوسائل غير نزيهة قد تحقق الغرض مؤقتاً، لكنها تفرغ العمل من القيمة التي يمنحها الجهد والمعرفة والنزاهة. ومع تكرار التساهل مع هذه الممارسات، تتغير معايير التقدير نفسها، فيصبح الوصول السريع أكثر جذباً من العمل الجيد، ويبدو الالتزام أقل جدوى أمام من يحقق النتيجة بطرق مختصرة. وعندها لا تتضرر قيمة العمل وحدها، بل يتضرر معنى الجدارة الذي يجعل الإنسان يستحق ما يحصل عليه.

وتتكون الثقة من مستوى العمل الذي يختبره الآخرون بصورة متكررة. فالإنسان قد يصف نفسه بالكفاءة والحرص، لكن أعماله هي التي تمنح الآخرين الدليل الفعلي على ذلك، حيث يجعل العمل المتقن التعامل مع صاحبه أكثر اطمئناناً، بينما يؤدي الإهمال المتكرر إلى الحذر وفقدان الاعتماد عليه. ومع مرور الوقت تتحول جودة العمل إلى جزء من السمعة، لأن الناس يبنون أحكامهم على ما يتكرر أمامهم، لا على الصورة التي يحاول الفرد تقديمها عن نفسه. وتصبح السمعة بذلك نتيجة طبيعية للسلوك المتكرر، وليست شيئاً يمكن الحصول عليه بالكلام.

ويمتد أثر العمل إلى الآخرين الذين يتعاملون مع نتائجه أو يبنون عليها، لأن جودة ما ينجزه الإنسان تسهل عمل من يأتي بعده، بينما يحمّل العمل الرديء الآخرين أعباء تصحيح الأخطاء وإعادة ما أُنجز بصورة غير صحيحة. ويكشف هذا الترابط أن الإتقان يتجاوز صاحبه، لأن جودة العمل تخفف العبء عن الآخرين، بينما ينتقل أثر الإهمال إليهم حتى وإن لم يشاركوا في إنتاجه. وقد يبدو الخطأ محدوداً في بدايته، لكنه يصبح أكثر تأثيراً عندما يتكرر أو ينتقل من عمل إلى آخر. وتظهر قيمة الإتقان في قدرته على ترك عمل صالح للاستفادة منه، بحيث لا تنتهي فائدته بمجرد انتهاء صاحبه منه.

نصيحتي لك، احرص على أن يكون مستواك في العمل نابعاً من تقديرك لما تفعل، لا من مقدار ما تتوقعه من الآخرين، فهذه العلاقة تمنح الإنسان استقلالاً في معاييره، وتجعله أكثر قدرة على تطوير نفسه دون أن يصبح أسيراً للمقارنة أو للمكافأة. ومع الوقت يتحول هذا الاستقلال إلى قوة عملية تظهر في طريقة اتخاذ القرار، وفي التعامل مع المسؤولية، وفي القدرة على الاستمرار في تقديم مستوى جيد حتى تتغير ظروف العمل أو الأشخاص الذين يتعامل معهم. وعندما يحافظ الإنسان على هذا المستوى، فإنه لا يطور أداءه فقط، بل يبني لنفسه مكانة تقوم على ما يقدمه فعلاً، ويضيف إلى بيئة العمل ثقافة أكثر احتراماً للجهد والجدارة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟


المزيد.....




- ترامب يلوّح بضرب موقع -جبل الفأس- في إيران.. وتقرير يكشف خطة ...
- حرّ وجفاف وحروب.. أسعار الغذاء العالمية تسجل أكبر قفزة منذ 2 ...
- إمدادات كييف تدفع برلين لرفض التنازل عن حصتها من -باتريوت- ل ...
- العليمي يحذر من -مغامرة- حوثية تستهدف باب المندب ويتوعد الجم ...
- التقرير الأممي عن السودان.. دعوات أمريكية لحظر السلاح والإما ...
- عاجل | الجيش اليمني: طيراننا الحربي استهدف بـ15 غارة مواقع م ...
- أوجاع اليمن بعد ربع قرن على 11 سبتمبر
- أكسيوس: إدارة ترمب تضع مسودة خطة للشرق الأوسط بعد الحرب
- تحليل.. لماذا لن تتراجع إيران عن موقفها في الصراع مع أمريكا؟ ...
- روسيا: سنقصف بنى تصنيع السلاح بأوكرانيا


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل