أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً















المزيد.....

الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 18:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" تمنح الطيبة العلاقات الإنسانية شيئاً من معناها، لكنها قد تصبح في بعض البيئات علامة على ضعف صاحبها، فالعطاء يستغل، وحسن الظن يُفسّر بالسذاجة، واللين يقابل أحياناً بمنطق المنفعة. والمفارقة أن البيئة التي تنتقص من الطيبة حين يتعرض صاحبها للاستغلال، قد تكون هي نفسها التي ترفع من شأن القسوة والمراوغة بوصفهما دليلاً على الخبرة والقدرة على حماية الذات. ومع تكرار هذه الرسائل، يتعلم الإنسان أن السلامة تقتضي تقليص مساحته الإنسانية، فيصبح أكثر حذراً وأقل استعداداً لمنح الآخرين ثقته. لذلك لا تكمن المشكلة في الطيبة ذاتها، بل في الطريقة التي يعاد بها تعريفها اجتماعياً، فالنضج ليس في التخلي عنها، وإنما في امتلاك الوعي الذي يحميها من الاستغلال، دون أن يحولها الخوف إلى قسوة " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح كيفية تعامل الإنسان مع الخيبات والتجارب المؤلمة دون أن تتحول إلى قطيعة مع الثقة والعطاء، من خلال إبراز التوازن بين حماية الذات والحفاظ على القدرة على بناء علاقات إنسانية متوازنة. كما يبين أن السلوك الفردي لا يبقى محصوراً في صاحبه، بل يسهم، عبر التفاعل اليومي، في تشكيل مستوى الثقة والأمان وطبيعة العلاقات داخل المجتمع.

يتعلّم الإنسان من الحياة أن الناس ليسوا جميعاً كما يبدون في لحظة التعارف الأولى، وأن بعض المواقف التي منحها ثقته قد تعود إليه في صورة خيبة أمل. ومع تكرار التجربة، يتغير شيء في الداخل، يصبح أكثر انتباهاً وأقل اندفاعاً، وربما أكثر ميلاً إلى حماية نفسه قبل أن يمنح الآخرين مساحة جديدة في حياته. هذا التحول طبيعي، لكنه يفقد معناه حين يقود إلى الاعتقاد بأن النجاة لا تكون إلا بالتخلي عن الجانب الإنساني. فالتجربة الناضجة لا تلغي الثقة، وإنما تجعلها أكثر وعياً، وتعلم الإنسان أن يميز بين القرب والاستغلال، وأن يمنح دون أن يهدر نفسه، وأن يضع حدوداً تحميه من غير أن تعزله. وما يحيط بالفرد يشارك في تشكيل هذه الموازنة، فحين يتكرر تقديم الحذر بوصفه قوة، واللطف بوصفه ضعفاً، قد يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى إخفاء جوانب منه لم تكن تحتاج في الأصل إلى الاختباء.

تظهر الخيبة بصورة أشد حين يكتشف الإنسان أن ما قدمه لشخص ما لم يحمل عنده المعنى نفسه الذي حمله في ذاكرته، فقد يبقى الموقف بالنسبة إليه جزءاً من علاقة ذات قيمة، بينما لا يتجاوز عند الآخر لحظة عابرة. وقد يمنح شخص وقته واهتمامه في ظرف معين، ثم يكتشف أن الطرف الآخر لم ينظر إلى ذلك بالعمق نفسه. لا يؤلم الجحود وحده في مثل هذه الحالات، بل يكشف تفاوت المعاني التي يحملها الناس للعلاقة نفسها. ومع تكرار هذه التجارب، يبدأ بعضهم في حساب ما يمنحه قبل أن يمنحه، خشية أن يتحول اهتمامه إلى شيء مستهلك بمجرد الحصول عليه. وحين يتسع هذا المنطق، تفقد العلاقات شيئاً من عفويتها، فيصبح الوقت محسوباً، والمساعدة مشروطة، والامتنان مطلباً بدلاً من أن يكون تعبيراً طبيعياً عن الاعتراف. عندها تضيق المساحة التي يجد فيها الإنسان إلى جواره من يسنده دون أن يفكر أولاً فيما سيحصل عليه في المقابل.

ولا يتعلم الإنسان هذه المعاني من تجاربه الخاصة وحدها، فالمحيط من حوله يحدد، بصورة هادئة ومتكررة، ما يستحق التقدير وما يستحق السخرية. وحين يستغل المتسامح، ويستهان بحسن النية، ويعامل من يحفظ كرامة غيره كأنه أقل ذكاء، يتعلم الأفراد الاحتراز حتى في المواضع التي تحتاج إلى الثقة. وقد تصبح القسوة عندئذ عادة أكثر منها اختياراً، لأن الإنسان يكتشف أنها أقل كلفة في بعض العلاقات. لكن الحياة الاجتماعية تتشكل أيضاً من أفعال صغيرة لا يلتفت إليها كثيرون، كأن يحفظ الإنسان سراً اؤتمن عليه، أو يرد الإساءة دون أن يكررها، أو يقف إلى جانب شخص لا يملك القدرة على رد الجميل. قد تبدو هذه التصرفات محدودة في لحظتها، لكنها تترك أثراً في طبيعة العلاقة بين الناس، لأنها تؤكد أن التعامل معهم لا يقوم دائماً على المنفعة والمقابل. ومع تكرار هذه الممارسات، تتشكل لدى الناس خبرات مشتركة حول ما يمكن الوثوق به وما يمكن توقعه من الآخرين، وتنتقل هذه الخبرات بصورة غير مباشرة إلى طريقة تعاملهم مع من يأتون بعدهم.

وفي نهاية المطاف، لا تكون قيمة الإنسان في أن يخرج من تجاربه كما دخلها، بل في أن يعرف ماذا يأخذ منها وماذا يترك. يمكن للمرء أن يصبح أكثر وعياً بالآخرين من دون أن يفقد قدرته على التعاطف، وأن يعرف حدوده دون أن يجعل المسافة أسلوباً للحياة، وأن يعطي من غير أن يحول ما قدمه إلى دين ينتظر الوفاء به. وحين يصبح الفعل الطيب نابعاً من قناعة داخلية، لا من انتظار الاعتراف، يتحرر الإنسان من الحاجة إلى قياس قيمته بما يعود إليه من الآخرين. بعض الأفعال تمر بلا شكر، وقد لا يعرف أصحابها أين انتهى أثرها، لكنها قد تنتقل من علاقة إلى أخرى وتترك وراءها طريقة مختلفة في المعاملة. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للأخلاق، أن يرى الإنسان العالم بوضوح، ويعرف ما فيه من نقص وقسوة وغدر، ثم يختار ألا يسمح له بأن ينتزع منه ما يجعل وجوده بين الآخرين جديراً بالاحترام.

نصيحتي لك، لا تجعل تجاربك الصعبة سبباً في أن تصبح نسخة أخرى من الأشياء التي آلمتك. احتفظ بقدرتك على منح الثقة، لكن امنحها بوعي، وكن كريماً في حضورك، من دون أن تجعل كرمك رهناً باستجابة الآخرين. فالمجتمع لا يتغير دائماً بالأفعال الكبيرة، بل يتشكل أيضاً من الطريقة التي يتعامل بها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، ومن مقدار الأمان الذي يتركونه وراءهم في علاقاتهم. وقد لا تستطيع أن تصلح كل ما حولك، لكنك تستطيع أن تجعل دائرتك الصغيرة أقل قسوة، وأكثر احتراماً، وأوسع مجالاً للإنسانية. وحين يختار الفرد أن يحافظ على نقاء قصده، مع امتلاكه القدرة على التمييز، فإنه لا يحمي نفسه فحسب، بل يشارك بصمت في صناعة نمط مختلف من الحياة المشتركة، نمط لا يجعل القوة مرادفاً للقسوة، ولا الذكاء مرادفاً للاستغلال، ولا الطيبة دليلاً على السذاجة. وربما كانت أجمل طريقة لمواجهة عالم يختبر إنسانيتنا باستمرار أن نخرج من تجاربه أكثر بصيرة، لا أقل إنسانية.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟


المزيد.....




- الدفاع المدني السعودي: إطلاق إنذار الطوارئ في خميس مشيط وأبه ...
- اسرائيل تغتال القيادي في كتائب القسام أحمد البطش بغارة جوية ...
- إعلام: لندن تلقت طلبا سعوديا للحصول على مساعدة عسكرية في الي ...
- -روسيا الموحدة بلد عظيم إلى الأبد-.. مكتب التعاون الروسي الل ...
- عراقجي يؤكد لبري الدعم الإيراني الكامل لـ-المقاومة اللبنانية ...
- ارتفاع شعبية ترامب بعد وصولها إلى أدنى مستوى لها
- تعرف على روتنبرغ.. من أسرار -حارس الليل- إلى أشهر لقطة تصوير ...
- كندا تسعى لـ-تحالف فريد- مع الاتحاد الأوروبي بعد اتساع الهوة ...
- القوارض -تغزو- مواقع عسكرية إسرائيلية ومستوطنات محاذية لقطاع ...
- آلاف السوريين في الأردن يتقدمون بطلبات زيارة إلى سوريا والعو ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً