أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها














المزيد.....

بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 14:41
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" إذا رأيت المنافسة تنحرف عن قواعدها، فشرفك في مغادرة الميدان، لأن الفوز الذي يأتي من طريق غير شريف قد يمنحك موقعاً بين الناس، لكنه ينتقص من قيمتك الأخلاقية أمام نفسك " (الكاتب).
يهدف المقال إلى قراءة المنافسة بوصفها ظاهرة اجتماعية تتأثر بتفاوت القوة والموارد ومعايير المكانة، والكشف عن الكيفية التي يؤدي بها اختلال قواعدها إلى منح التفاوت شرعية تبدو في ظاهرها نتيجة طبيعية للجدارة والاستحقاق.

تستمد المنافسة مشروعيتها من القواعد التي تجعل التفوق ثمرةً للمعرفة والقدرة والاجتهاد، ولذلك فإن اختلال هذه القواعد لا يقتصر أثره على سلوك بعض المتنافسين، بل يمتد إلى طبيعة المنافسة نفسها وإلى قيمة النتائج التي تفرزها. فالمنافسة العادلة لا تضمن تساوي النتائج، وإنما تضمن أن تجري محاولات الوصول إليها ضمن شروط قابلة للاعتراف. وعندما تختل هذه الشروط، تختلط الجدارة بالنفوذ، والاستحقاق بالقدرة على الالتفاف، والنجاح بامتلاك الوسائل التي تتيح تجاوز القواعد. عندها يتحول الميدان من مساحة لاختبار الكفاءة إلى مساحة لإنتاج المكانة وفق موازين مختلة.

تزداد خطورة المنافسة عندما تصبح المكانة الاجتماعية غاية مستقلة عن قيمة الإنجاز. فالفرد الذي يقيس ذاته بموقعه بين الآخرين قد يتعامل مع تقدم المنافس بوصفه تهديداً لمكانته، فينتقل اهتمامه من تطوير قدرته إلى إضعاف موقع الآخر. وتتعاظم احتمالات هذا التحول في البيئات التي تجعل الفوز معياراً وحيداً للنجاح، فتتراجع قيمة الوسيلة أمام النتيجة.

كما تؤثر الثقافة المحيطة بالمنافسة في تعريف المقبول والمرفوض، فقد تدان ممارسة في سياق وتقدم في سياق آخر بوصفها شطارة أو ذكاء أو قدرة على التعامل مع الواقع. ومع تكرار هذه الممارسات ومكافأتها، ينتقل التجاوز من سلوك فردي إلى معرفة اجتماعية يتعلمها الأفراد ويعيدون إنتاجها.

وتتضح المسألة الأعمق في أن المنافسة تجري داخل مجالات تتفاوت فيها مواقع الأفراد ومواردهم، فبعضهم يدخلها بما يملكه من نفوذ وعلاقات وفرص أوسع، بينما يدخلها آخرون بموارد أقل وقدرة محدودة على التأثير في شروطها. ويؤثر هذا التفاوت في فرص الوصول إلى النجاح قبل أن تبدأ المنافسة في إظهار نتائجها، لذلك قد يبدو تفوق شخص ما تعبيراً خالصاً عن كفاءته وجهده، بينما يكون جزء منه امتداداً للموارد والفرص التي كانت متاحة له منذ البداية. وبهذا المعنى، فإن قراءة النتائج بمعزل عن الشروط التي أنتجتها تحول التفاوت إلى استحقاق فردي، فيقدم موقع الفائز بوصفه ثمرة لجدارة شخصية، بينما يُدفع الخاسر إلى تفسير موقعه باعتباره عجزاً شخصياً، رغم أن كليهما خاض المنافسة ضمن فرص وموارد غير متكافئة.

ومن هذه الزاوية يصبح الانسحاب من الميدان المنحرف فعلاً أخلاقياً نقدياً، لأنه لا يعني رفض الطموح أو العجز عن مواجهة الآخرين، وإنما رفض الاعتراف بشرعية قواعد فقدت قدرتها على إنتاج نتائج عادلة. وقد يخسر الفرد فرصة أو موقعاً عندما يغادر، لكنه يرفض في المقابل أن يمنح نظاماً مختلاً اعترافه الشخصي. وتكتسب هذه الخطوة معناها الاجتماعي لأن استمرار الأفراد في المشاركة، مع إدراكهم اختلال القواعد، يساهم في تطبيعها وإعادة إنتاجها، بينما يكشف الانسحاب حدود قبولهم بها. لذلك تكمن قيمة الموقف في الشرعية التي يرفض الفرد منحها للميدان، أكثر مما تكمن في المكاسب التي يتركها وراءه.

وتحتاج المنافسة إلى قواعد عادلة لا لكي تتساوى النتائج، وإنما لكي يصبح اختلافها قابلاً للتفسير والاعتراف. فالتفاوت في الإنجاز يكون مشروعاً عندما يعكس اختلافاً في القدرة والجهد، ويفقد مشروعيته عندما يكون امتداداً لتفاوت خفي في النفوذ أو في القدرة على تجاوز القواعد. وعندما تفقد المنافسة هذا الشرط، تتراجع قدرتها على إنتاج الاعتراف، لأن الناس يبدأون في الشك في العلاقة بين المكانة والجدارة، ويصبح النجاح ذاته موضع سؤال بدلاً من أن يكون دليلاً عليه.

خلاصة القول، تكشف المنافسة المنحرفة خللاً يتجاوز أخلاق المتنافسين إلى بنية الميدان الذي يمنح بعض السلوكيات شرعيتها ويكافئ نتائجها. وعندما يصبح النفوذ قادراً على تعديل القواعد، أو تصبح المكانة مكافأة على تجاوزها، تفقد المنافسة وظيفتها في فرز الجدارة، وتتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت تحت غطاء الكفاءة. لذلك فإن رفض المشاركة في منافسة فقدت شروطها العادلة يمثل رفضاً للمساهمة في منح الخلل شرعية جديدة.

وتتجاوز قيمة المنافسة لحظة الفوز أو الخسارة، فهي تكشف نوع العلاقة التي يقيمها الإنسان مع ذاته ومع الآخرين ومع القواعد التي تحكم المجال الذي يتحرك فيه. وعندما يصبح الوصول إلى المكانة مشروطاً بالتنازل عن النزاهة، يتحول النجاح من تعبير عن الجدارة إلى اختبار للقدرة على التكيف مع الخلل. عندها يغدو الانسحاب موقفاً يحمي الأخلاق والمعنى قبل أن يحمي صاحبه، لأن المشاركة في ميدان فقد عدالته تمنح الخلل اعترافاً جديداً، بينما تكشف مغادرته أن للإنسان حدوداً لا تحددها رغبة الوصول، وإنما تحددها القيمة التي يريد أن يبقى عليها بعد الوصول. فالإنسان قد يخسر موقعاً عندما يرفض قواعد غير عادلة، لكنه يحافظ على حقه في أن تكون مكانته امتداداً لقيمته، لا ثمناً لتنازله عنها.

نصيحتي لك، اجعل نجاحك متوافقاً مع ما تؤمن به، فالقيمة الحقيقية لما تحققه لا تقاس بما يراه الآخرون فيك، بل بما يبقى منك بعد أن تصل إلى هدفك. اختر طريقك بوعي، وامنح طاقتك لما يستحقها، واحتفظ بقدرتك على المضي في حياتك دون أن تدفعك رغبتك في الوصول إلى التنازل عما يجعلك راضياً عن نفسك. فبعض المكاسب تمنحك مكاناً بين الناس، بينما تمنحك اختياراتك الواعية مكاناً في نفسك، وتلك هي المكانة التي تستحق أن تحافظ عليها.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم


المزيد.....




- خط -شرق غرب-.. حقيقة فيديو -لحظة شن هجمات من العراق على أناب ...
- العراق يعلن إجراءات أمنية عقب استهداف خط أنابيب النفط في الس ...
- أوروبا.. فجوة عسكرية مقارنة مع موسكو
- عون يؤكد من النبطية الوقوف مع الجنوب
- تقرير: تصعيد ضد الأسيرات الفلسطينيات
- مجموعة بريكس - كيف تشكلت وما أهدافها؟
- ترامب يهدد بفرض رسوم إضافية على الدول التي ستتبنى سياسات بري ...
- دول -بريكس- تتجاوز خلافاتها حول الحرب في الشرق الأوسط
- -نفس- .. حراك جديد جمع المختلفين وأعاد الزخم إلى الشارع التو ...
- -أود رؤية إيرلندا موحدة-.. ترامب يثير جدلا سياسيا صاخبا في ل ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها