أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه














المزيد.....

المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 14:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" في الحياة، لا تكمن الحكمة في معرفة الناس من كلماتهم، بل في فهم ما تكشفه أفعالهم عن حقيقتهم، فبعض المواقف لا تكشف شخصية الإنسان، بقدر ما تظهر ما كان يخفيه " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح كيف تكشف مواقف الحوار والغضب والصمت عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، وما تعكسه من قيم وحدود وموازين قوة، بحيث يصبح سلوك الإنسان في هذه المواقف مؤشراً على طريقة تعامله مع الآخرين، وعلى مستوى النضج الذي يحكم علاقاته بهم.

يظهر الإنسان على حقيقته في المواقف التي تضيق فيها المسافة بين ما يريد أن يبدو عليه وما يستطيع أن يفعله فعلاً. ويعتبر الحوار من أكثر هذه المواقف دلالة، لأنه يضع العقل أمام اختلاف حقيقي يحتاج إلى فهم قبل الحكم، وإلى إنصات قبل الرد. وفي طريقة إدارة الإنسان لهذا الاختلاف تتكشف علاقته بذاته وبالآخر، فحين يشعر أن الرأي المخالف ينتقص منه، يتحول النقاش بسهولة إلى دفاع عن المكانة، بينما يمنح النضج صاحبه قدرة على الفصل بين قيمة الفكرة وقيمة الشخص الذي يطرحها. لذلك قد يقول الإنسان كلاماً كثيراً، لكن طريقته في الإصغاء والاعتراض والتراجع تكشف عن تكوينه الفكري أكثر مما تكشفه كثرة حججه.

وعندما ينتقل الخلاف من ساحة الأفكار إلى منطقة الانفعال، يتغير نوع الاختبار. فالغضب لا يقود بالضرورة إلى سلوك سيئ، لكنه يكشف مقدار ما ترسخ لدى الإنسان من قدرة على ضبط نفسه عندما تتعرض رغباته أو مكانته أو مصالحه للتهديد. هنا تظهر الحدود التي لا يتجاوزها من يحترم الآخر حتى في الخصومة، بينما قد يحول بعض الناس انفعالهم إلى وسيلة لإذلال الطرف الأضعف أو فرض إرادتهم عليه. وتكتسب المسألة بعدها الاجتماعي لأن القوة داخل العلاقات لا تتوزع دائماً بالتساوي، فقد يستند أحد الطرفين إلى سلطة أو مكانة أو تفوق معنوي، فيتحول الغضب إلى وسيلة لممارسة هذه القوة خارج حدود الاحترام. ولهذا تكشف لحظة الانفعال عن طبيعة العلاقة بقدر ما تكشف عن صاحبها، إذ تظهر فيها الطريقة التي يدار بها الخلاف عندما تتراجع المجاملة وتشتد المصالح.

ثم يأتي الصمت بوصفه نتيجة محتملة لمسار طويل، لا لواقعة منفردة. فالإنسان لا يصمت دائماً لأنه سامح، وإنما قد يصل إلى الصمت بعد أن يكتشف أن العتاب فقد أثره، وأن الاعتذار لم يعد مصحوباً بتغيير، وأن تكرار المحاولة يستنزف ما تبقى من ثقته بالعلاقة. عندها يتغير معنى الصمت، فيغدو اختياراً للمسافة بدلاً من الاستمرار في مواجهة لم تعد تفضي إلى فهم أو إصلاح. ومن هذه الزاوية، قد يكون الصمت أكثر حسماً من الكلام، لأنه يأتي بعد مراجعة داخلية تحدد ما يستحق الاستمرار وما فقد شروطه. وحين ينتهي هذا الحساب في الداخل، لا يحتاج القرار دائماً إلى إعلان، يكفي أن يتغير حضور الإنسان في العلاقة.

وتتضح قيمة هذه المواقف حين ننظر إليها بوصفها لحظات تكشف طبيعة العلاقات، لا مجرد صفات فردية. فطريقة الحوار تؤثر في إمكان بناء التفاهم، وطريقة إدارة الغضب تحدد مقدار الأمان الذي يمكن أن يشعر به الطرف الآخر، أما الصمت الناتج عن استنزاف متكرر فيكشف أن العلاقة فقدت شيئاً من قدرتها على التجدد. وبذلك يصبح السلوك المتكرر أهم من الانطباع الذي يصنعه الإنسان عن نفسه، لأن العلاقات تبنى على ما يختبره الناس فعلاً في تعاملهم اليومي، لا على الصورة التي يرغب كل طرف في تثبيتها عن ذاته.

وفي نهاية المطاف، قد تمر هذه اللحظات كلها من دون أن يدرك الإنسان ما تركته فيه أو في الآخرين، ثم تظهر آثارها لاحقاً في طريقة اقترابه، وثقته، وحدوده، وحتى في الأشياء التي يختار ألا يقولها. فالعلاقات لا تنتهي دائماً عند لحظة معلنة، كما أنها لا تستمر دائماً لأن أحداً أعلن رغبته في استمرارها. أحياناً يتغير شيء عميق في الداخل، فتصبح الكلمات أقل أهمية، ويصبح الحضور أكثر حذراً، وتتحول المسافة إلى لغة قائمة بذاتها. عندها لا يعود الصمت فراغاً بين كلمتين، بل يصبح موقفاً اتخذته النفس بعد أن قالت ما يكفي، وانتظرت ما يكفي، وفهمت ما لم تعد بحاجة إلى سماعه.

نصيحتي لك، تعلم أن تمنح الأشياء حجمها الحقيقي، فلا تجعل موقفاً عابراً يستنزف أيامك، ولا تسمح لشخص أن يحتل من تفكيرك أكثر مما يحتل من حياتك. حافظ على فضولك تجاه الحياة، واستفد من تجاربك دون أن تبقى أسيراً لها، ودع رؤيتك تنضج كلما اتسعت خبرتك. فالنضج ليس وصولاً إلى صورة مكتملة للذات، بل قدرة على مراجعة اختياراتك بصدق، ومعرفة ما يستحق وقتك واهتمامك، والمضي في حياتك بوعي وطمأنينة، لأن العمر أثمن من أن نضيعه فيما يستنزفنا دون أن يضيف إلى حياتنا شيئاً.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...


المزيد.....




- وجه القذافي على حبوب مخدرة.. السلطات الليبية تضبط شحنة غير م ...
- كيف أصبحت تركيا وسيطاً بين إدارتي طرابلس وبنغازي في ليبيا؟
- رئيسة المفوضية الأوروبية تندد بهجمات -وكلاء إيران- على دول ا ...
- بيسكوف يعزف عن التعليق على انضمام فنلندا لمشروع الردع النووي ...
- الصين تعرب عن -قلقها الشديد- إزاء هجمات الحوثيين على البنية ...
- سائحة أجنبية توجه اتهامات للشرطة المصرية.. والداخلية ترد
- بعد تقرير عن -تحذير إماراتي-.. لواء إسرائيلي يفجر مفاجأة مدو ...
- عقيلة صالح: لا وقت للتردد في تشكيل حكومة واحدة وإجراء انتخاب ...
- محمد بن سلمان يزور مصر الثلاثاء.. ومصادر تكشف لـRT خريطة الم ...
- تعليق الرحلات في مطار مصراتة عقب حادث طائرة خاصة.. وفتح تحقي ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه