أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - القبول الاجتماعي وحدود الانتماء














المزيد.....

القبول الاجتماعي وحدود الانتماء


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 10:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" تمنحنا الصحبة شعوراً بالانتماء، لكن قيمتها تظهر في قدرتنا على اختيار من يشاركنا حياتنا دون أن نجعل الخوف من الوحدة سبباً للتمسك بمن لا يحفظ لنا مكانتنا " (الكاتب).

يهدف المقال إلى الكشف عن أثر الحاجة إلى الانتماء في تشكيل اختيارات الفرد لعلاقاته، وكيف يمكن للقبول الاجتماعي أن يتحول من حاجة إنسانية إلى ضغط يدفعه إلى التمسك بصحبة لا تنسجم مع كرامته واختياره.

يحتاج الإنسان إلى القبول لأن وجوده بين الآخرين يمنحه شعوراً بالمكانة والاعتراف، لكن هذا القبول يأخذ داخل الجماعة شكلاً من القواعد غير المكتوبة. يتعلم الفرد من تجاربه اليومية أن بعض المواقف تقربه من الآخرين، بينما قد تضعه مواقف أخرى في موقع مختلف عنهم. ومع تكرار هذه التجارب، يبدأ في مراقبة كلماته وتصرفاته، ليس لأن أحداً يطالبه بذلك صراحة، بل لأنه يدرك أن مكانته داخل الجماعة ترتبط أحياناً بقدرته على مجاراة ما تعتبره مقبولاً.

لذا يتعلم الفرد مع الوقت أن للجماعة حدوداً لما تقبله وما ترفضه، حتى لو لم يضع أحد هذه الحدود بشكل صريح. فقد يلاحظ أن من يختلف كثيراً يصبح أقل قبولاً، وأن من يعترض على ما اعتاده الآخرون قد يتعرض للانتقاد أو الابتعاد. لذلك يبدأ الفرد في اختيار مواقفه وكلماته بحذر، فيساير أحياناً ما لا يقتنع به حتى يحافظ على علاقته بالآخرين ومكانه بينهم. ومع تكرار ذلك، يصبح الحرص على القبول جزءاً من سلوكه اليومي، فيراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تكون للعلاقة قيمة تتجاوز الصحبة نفسها. فقد يحتفظ شخص بعلاقة لا تحترم حدوده لأن صاحبها يفتح له باباً إلى دائرة اجتماعية واسعة، وقد يبقى قريباً من مجموعة تستنزفه لأن وجوده فيها يمنحه معلومات أو فرصاً أو حماية مهنية، وقد يتحمل علاقة عائلية مرهقة لأن الانسحاب منها يعني مواجهة شبكة من الأقارب. عندها يصبح التخلي عن العلاقة أصعب من مجرد الابتعاد عن شخص، لأن الفرد قد يشعر أنه يترك معه موقعاً أو منفعة أو شبكة من الروابط. لذلك قد يعرف أن العلاقة لم تعد مناسبة، ومع ذلك يستمر فيها.

ومع ذلك، تستطيع الجماعة أن تمنح الفرد مكاناً دون أن تطلب منه التشابه الكامل مع الآخرين، حيث يستطيع الصديقان أن يختلفا دون أن يتحول الخلاف إلى تهديد للصحبة، ويستطيع الزميلان أن يتنافسا دون أن يصبح نجاح أحدهما سبباً لإقصاء الآخر، وتستطيع الأسرة أن تحترم حدود أفرادها دون أن تجعل الاستقلال دليلاً على الجفاء. في مثل هذه العلاقات، يصبح الانتماء أوسع من مجرد الموافقة، ويجد الفرد مكاناً يستطيع فيه أن يكون مختلفاً دون أن يشعر أن اختلافه يهدد علاقته بالآخرين.

عندئذ، تتضح قيمة أن يكون وجود الآخر في حياتنا قائماً على الاختيار. فالإنسان يحتاج إلى الآخرين، ويجد في القرب منهم المودة والرفقة والمعنى، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يحتفظ بقدرته على اختيار من يشاركه حياته. وتصبح العلاقة أكثر توازناً عندما لا يكون استمرارها مرهوناً بالخوف من فقدانها، وعندما يستطيع الفرد أن يقول ما يزعجه، ويضع حدوده، ويعيد النظر في علاقاته دون أن يشعر أن غياب شخص بعينه يعني فقدان مكانه بين الآخرين.

وقد يترك الإنسان بعض الأماكن، فيبتعد عن مجلس اعتاد التقليل من الآخرين، أو عن علاقة تحول القرب فيها إلى تدخل، أو عن جماعة لا تمنحه مكاناً إلا بقدر ما يوافقها. وقد يفسر الآخرون هذا الابتعاد بطرق مختلفة، لكن مغادرة المكان لا تعني دائماً رفض الصحبة، بل قد تعني البحث عن علاقة يستطيع فيها الإنسان أن يحافظ على حضوره دون أن يضطر إلى التخلي عن نفسه.

بهذا المعنى يعتبر مفهوم المكان الفارغ، ليس دعوة إلى الوحدة ولا حكماً على العلاقات، بل صورة لمكان اختار الإنسان ألا يشغله بأي ثمن. فوجود الآخرين في حياتنا يكتسب قيمته من نوع العلاقة التي يصنعها هذا الوجود، ومن المساحة التي تتيحها لنا لنكون أنفسنا دون خوف دائم من فقدان القبول. وقد يكون ترك مكان واحد أكثر صدقاً من البقاء في مكان يطلب من الإنسان أن يدفع من حريته كل يوم ثمناً لاستمراره.

وفي نهاية المطاف، تبقى الصحبة الأجمل تلك التي تجعل حضور الآخر إضافة إلى الحياة لا شرطاً للشعور بقيمتها. ففيها تتسع العاطفة للحرية، ويصبح القرب مجالاً للتقدير المتبادل، ويستطيع الإنسان أن يمنح الآخر مكاناً مهماً في حياته دون أن يفقد حقه في مراجعة هذا المكان. عندها لا يكون امتلاء الأماكن هو ما يمنح الحياة معناها، بل قيمة من نختار أن نجلس معهم، والطريقة التي يجعل بها حضورهم حياتنا أكثر إنسانية.

نصيحتي لك، اجعل عاطفتك جسراً إلى الآخرين لا قيداً عليك، أحب بصدق، وامنح من تحب مكاناً حقيقياً في حياتك، لكن احتفظ دائماً بقدرتك على رؤية العلاقة كما هي، لا كما تتمنى أن تكون. فالمحبة الناضجة لا تعني أن نتمسك بكل من أحببنا، بل أن نعرف قيمة ما بيننا، ونرعى ما يستحق الرعاية، ونترك للآخر حريته كما نحتفظ بحريتنا. وكلما كان اختيارك للآخر قائماً على تقدير حقيقي لشخصه، أصبح قربه أجمل، لأنك لا تريده ليملأ فراغاً فيك، بل لأن وجوده يثري الحياة التي اخترت أن تبنيها.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العاطفة واختبار القرب الإنساني
- سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية ا ...
- الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً
- المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية


المزيد.....




- البيت الأبيض يستبعد CNN من التغطية التلفزيونية المشتركة مع ت ...
- روسيا.. إقامة -سباق الكعب العالي- في موسكو ( فيديو)
- المارشال الروسي والعبور المستحيل!
- 4 إصابات -حصيلة أولية- لانفجارات متتالية في موقع عسكري قرب ح ...
- غارات باكستانية على أفغانستان تقتل 3 أشخاص وتصيب آخرين
- واشنطن تقترح إنشاء -آلية إخطار- مشتركة مع بكين لحوادث الذكاء ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن إسقاط مسيرة MQ-1 أمريكية في سماء ...
- زلزال بقوة 5 درجات يضرب جنوب تركيا
- Chuwi تعلن عن حاسب صغير بمواصفات مميزة
- Oppo تطلق منافسا جديدا في عالم الهواتف


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - القبول الاجتماعي وحدود الانتماء