أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - العاطفة واختبار القرب الإنساني














المزيد.....

العاطفة واختبار القرب الإنساني


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 16:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" يختبر الإنسان معنى القرب الحقيقي في مجتمع تتبدل فيه قيمة الأشخاص بتبدل أدوارهم ومواقعهم، فتظل بعض الروابط صامدة أمام تغير الظروف، بينما يكشف التغير هشاشة روابط أخرى " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل أثر الوعي العاطفي في تشكيل العلاقات الإنسانية، والكشف عن أهمية التمييز بين الروابط القائمة على التقدير المتبادل وتلك التي تحكمها المصلحة أو اختلال التوازن، بما يساعد الفرد على بناء علاقاته بوعي يحفظ إنسانيته واستقلاله.

يتعلم الإنسان من علاقاته أن صدق العاطفة وحده لا يصنع رابطة جديرة بالبقاء. فقد يمنح من وقته واهتمامه بسخاء، ثم يكتشف أن الطرف الآخر لا يملك الشجاعة التي تجعل القرب متبادلاً. يبدأ الاختلال هادئاً، أحدهما يرى في التواصل معنى يستحق الحضور، والآخر يتراجع كلما اقتضى القرب وضوحاً أو مسؤولية. ومع استمرار هذا التفاوت، تتحول المشاعر من مصدر للأمان إلى عبء يستنزف صاحبها. عندها تظهر قيمة العاطفة في قدرتها على بناء صلة متوازنة، لا في كثافتها داخل الفرد.

وتظهر شجاعة الإنسان في علاقاته في تحمله لما يترتب على القرب من مسؤولية. فهو يكون واضحاً عندما يصبح الوضوح ضرورة، ويعترف بخطئه، ويبادر إلى إصلاح ما أفسده، ويعلن موقفه بدل أن يترك الآخر أسيراً للتخمين. وفي المقابل، قد يتخذ الخوف من المواجهة صوراً هادئة، كإرجاء الحديث، وتبدل المعاملة، والانسحاب التدريجي، وإبقاء الصلة في منطقة رمادية. عندها يجد أحد الطرفين نفسه مطالباً بفهم ما لم يقل، وانتظار مبادرة قد لا تأتي، فتتحول المشاركة إلى عبء أحادي الجانب.

وتكشف الحياة الاجتماعية طبيعة الروابط أيضاً عندما تتغير مكانة الفرد أو قدرته على تقديم المنفعة. فقد يحيط الناس بشخص معين ما دام صاحب نفوذ أو معرفة أو قدرة على المساعدة، ثم تتراجع صلاتهم به بعد زوال موقعه أو انتهاء حاجتهم إليه. فيجد صاحب منصب سابق أن دائرة التواصل التي كانت تزدحم حوله أصبحت أكثر هدوءاً بعد مغادرته موقعه، فيدرك أن بعض القرب كان متعلقاً بما يمثله لا بمن يكون. وهكذا يكشف تغير شبكة العلاقات الفرق بين الصلة التي تقوم على تقدير الشخص، وتلك التي ترتبط بالدور الذي يؤديه. وما يبقى بعد تغير الظروف يقدم صورة أكثر صدقاً عن طبيعة الحضور الاجتماعي من كثرة من يحيطون بالفرد في أوقات القوة.

ويزداد هذا الوعي أهمية عندما يختار شخص كان قريباً الابتعاد دون تفسير. فالغموض يدفع الإنسان إلى العودة إلى التفاصيل والبحث عن سبب للتحول، وقد يستنزفه في ملاحقة إجابة لا يملكها الطرف الآخر أو لا يريد تقديمها. عندها يصبح البحث عن التفسير امتداداً لصلة انسحب منها أحد طرفيها. أما استعادة المسافة فتخرج الفرد من موقع الانتظار، وتعيد إليه القدرة على ترتيب حياته بعيداً عن موقف لم يعد يملك التحكم فيه. والغياب هنا ليس عقوبة ولا انتقاماً، بل احتراماً للحدود التي فرضها تغير الآخر، وإدراكاً بأن الأفعال قد تكون أبلغ من التفسيرات الغائبة.

وتكشف لنا هذه التجارب أن النضج في العلاقات يقوم على حسن التمييز. ويعرف الإنسان متى يكون الصبر وفاءً، ومتى يتحول إلى استنزاف، ومتى تكون المبادرة امتداداً للمودة، ومتى تصبح محاولة لإبقاء صلة حية بقوة طرف واحد. فالعطاء يحتفظ بقيمته حتى عندما لا يقابل، لكن تكراره في موضع يفتقر إلى التقدير المتبادل قد يحول الكرم إلى استنزاف صامت. لذلك تحتاج العاطفة إلى وعي يحدد مجالها، كما تحتاج الحرية إلى حدود تمنع تحويل الكرم إلى حق مكتسب. بهذا الوعي يستطيع الفرد أن يحافظ على قدرته على المودة دون أن يسمح لها بأن تنتقص من مكانته أو تستنزف طاقته.

وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الإنسان إلى إغلاق قلبه كي يحميه، بل إلى معرفة من يستحق قربه وما يستطيع منحه دون أن يفقد نفسه. فالمشاعر تزدهر في الصلات التي تقوم على المسؤولية المتبادلة، بينما تذبل في العلاقات التي يتحمل فيها طرف واحد عبء استمرارها. امنح مشاعرك لمن يعرف قيمتها، واترك لمن اختار الابتعاد مساحة غيابه دون مطاردة تفسير قد لا يغير شيئاً. فبعض الروابط تنتهي عندما تتغير شروطها الاجتماعية والإنسانية، وليس كل ما ينتهي يحتاج إلى خصومة أو تفسير طويل. والنضج أن يبقى الإنسان قادراً على المودة، مع امتلاك الوعي الذي يحفظ لها معناها ويحفظ له نفسه.

نصيحتي لك، تذكر أن الإنسان لا يعيش خارج المجتمع، بل تتشكل رؤيته لذاته وللآخرين من خلال ما يختبره من علاقات ومواقف وقيم. لذلك اجعل تجاربك الاجتماعية مجالاً لفهم الناس والحياة، لا سجناً يحدد نظرتك إلى الجميع. تعلم أن ترى أثر المكانة والمصلحة والعادات في سلوك من حولك، وأن تميز في الوقت نفسه بين ما يفرضه السياق الاجتماعي وما يختاره الإنسان بإرادته. وكلما اتسعت قدرتك على فهم هذه التعقيدات، أصبحت أكثر توازناً في علاقاتك، وأقل خضوعاً للأحكام السريعة، وأكثر قدرة على بناء صلات تحفظ للآخر إنسانيته وتحفظ لك استقلالك. فالنضج الاجتماعي لا يعني أن تنسحب من الناس، بل أن تعيش بينهم بوعي يحمي إنسانيتك من أن تتحول إلى نسخة مما يفرضه عليك محيطك.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية ا ...
- الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً
- المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم


المزيد.....




- الكشف عن أفضل شركة طيران في العالم لعام 2026
- سفارة السعودية بواشنطن تعلق على صفقة مقاتلات -F-35- المقترحة ...
- الولايات المتحدة والدنمارك تتوصلان إلى اتفاق بشأن غرينلاند ب ...
- كيف تستدرج الدعاية المتطرفة المراهقين عبر الألعاب الالكتروني ...
- واشنطن ترفع آخر قيود الأسلحة والتمويل العسكري المفروضة على س ...
- غارات إسرائيلية تستهدف النبطية الفوقا جنوب لبنان وفريق إسعاف ...
- مصر تبحث مع أمريكا إطلاق مسار سياسي تفاوضي لحل أزمة السودان ...
- موعد مباراة مصر وأنجولا فى تصفيات كأس الأمم الأفريقية
- التعليم العالى: رئيس جامعة بنها يشهد إحتفالية بدء العام الدر ...
- الأهلي يترقب رد ياسر إبراهيم ومحمد هاني على آخر عروض التجديد ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - العاطفة واختبار القرب الإنساني