أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مظهر محمد صالح - عندما تهرم الذئاب















المزيد.....

عندما تهرم الذئاب


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 00:07
المحور: الادب والفن
    


بين الشراسة والقوة، وبين البرية التي لا ترحم والحياة التي لا تتوقف عن تغيير قوانينها، ينهض من ذاكرة الأدب ذلك العملاق الذي عرف كيف يصغي إلى عواء الطبيعة ، إنه جاك لندن في (نداء البرية - 1903) … لم تكن البرية مجرد مكان تجري فيه الأحداث، ولم يكن الصراع بين الذئاب وكلاب الثلج صراعًا على البقاء فحسب ،كانت البرية مرآة للإنسان، تكشف غرائزه الأولى، وتعرّي هشاشته حين تسقط عنه طبقات الحضارة.

هناك، حيث لا تحميك الأسماء ولا المناصب ولا الماضي، لا يبقى أمام الكائن إلا أن يواجه قانونًا قديمًا: القوة وحدها لا تدوم، والطبيعة لا تحفظ لأحد مكانه إلى الأبد.

لكن ماذا يحدث عندما تهرم الذئاب؟

ذلك الذئب الذي كان بالأمس سيد البرية، يفتك بفريسته، ويفرض حضوره بالعواء والأنياب، يجد نفسه ذات يوم أمام حقيقة لم يكن مستعدًا لها: الجسد الذي أطاعه طويلًا بدأ يخونه، والمخالب التي كانت تحسم الصراع لم تعد كما كانت، والعواء الذي كان يملأ الوادي لم يعد يخيف الجميع.

هنا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة.

فالشيخوخة ليست مجرد تراجع في القوة ، إنها لحظة اكتشاف أن العالم لم يعد يدور حول القوة التي امتلكناها بالأمس.

وقد تكون هذه إحدى أعمق إشارات (جاك لندن في نداء البرية): أن الحياة لا تمنح الكائن حقًا دائمًا في موقعه، وأن قوانين البرية لا تعترف بالماضي إلا بوصفه ذكرى.

لقد عرف الكلب (باك) خلال حُمّى الذهب في يوكون شمال غرب القارة الامريكية ، وهو بطل الرواية.
فالبقاء ليس امتلاك القوة فحسب ، بل القدرة على التكيف معها ومع فقدانها أيضًا. فالبرية تعلم الكائن أن يكون يقظًا، وأن يستمع إلى غرائزه، وأن يتغير حين يتغير العالم من حوله.

وهنا تبدأ المسافة بين الذئب القديم وكلاب الثلج.

فكلاب الثلج التي كانت بالأمس أدوات للقوة، مقيدة بالسلاسل، مسخرة للعمل والصراع، قد تجد نفسها ذات يوم في عالم مختلف ، عالم لم تعد فيه السلاسل وحدها هي التي تحكم، ولم تعد الأنياب وحدها هي التي تحدد مكان كل كائن.

وإذا كان جاك لندن قد أعاد الإنسان إلى البرية كي يكتشف حيوانيته الأولى، فإن الزمن يعيد البرية إلى الإنسان كي يكتشف هشاشته.

فالذئب الذي اعتاد أن يكون الأقوى لا يعرف بسهولة كيف يعيش حين يفقد قوته.

والقوي الذي اعتاد أن يأمر لا يتعلم بسهولة كيف يتعايش.

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من الذئاب:

ماذا يفعل الأقوياء حين تنتهي صلاحية قوتهم؟

هل يبحثون عن معركة جديدة كي يثبتوا أنهم ما زالوا أقوياء؟

أم يتعلمون أن للزمن قانونًا آخر، وأن البقاء لا يعني دائمًا أن تنتصر على الآخرين، بل أن تعرف كيف تعيش معهم بعد أن تتغير موازين القوة؟

ربما هنا يعود جاك لندن من سبات النسيان.
ليس ليعيدنا إلى برية الماضي، بل ليضع أمامنا برية جديدة ، برية لا تختفي فيها الغرائز، لكنها تتعلم شيئًا من الحكمة.

ذئاب الأمس التي كانت تفتك في براري الحياة وأحيائها، أصبحت اليوم أكثر قربًا من الشيخوخة، وأكثر حاجة إلى أن تتصالح مع حقيقة أن الأنياب لا تظل حادة إلى الأبد.

وكلاب الثلج التي عاشت طويلًا تحت سلطة السلاسل، تعلمت بدورها أن التحرر لا يعني أن تتحول إلى ذئب جديد.

فما قيمة أن تتحرر من السلسلة إذا أصبحت أنت من يضع السلسلة في عنق غيرك؟

هنا تتحول نداء البرية من رواية عن الحيوان إلى تأمل في الإنسان.

فالبرية عند جاك لندن ليست مكانًا نعود إليه فحسب ، إنها قوة كامنة في داخلنا.
وفي لحظات الأزمات تسقط القشرة الحضارية، وتظهر أسئلة بدائية جدًا:

من الأقوى؟

من يبقى؟

من يملك حق القيادة؟

ومن يستطيع أن يتكيف؟

لكن الإنسان، بخلاف الحيوان، يمتلك فرصة أخرى: أن يتجاوز قانون الناب.

أن يعرف أن القوة ليست الشكل الوحيد للبقاء.

وأن الجماعة التي لا تتعلم من شيخوخة ذئابها ستظل تعيد إنتاج الصراع نفسه، مرة بعد أخرى.

ربما لذلك تبدو صورة الذئب الهرم أكثر إنسانية مما تبدو عليه.

إنه لا يخسر قوته فحسب ، إنه يخسر العالم الذي كان يعرفه.

الأصوات تغيرت.

الوجوه تغيرت.

الأجيال الجديدة لم تعد تخشاه كما كانت الأجيال السابقة.

والمكان الذي كان يعرفه جيدًا صار غريبًا عنه.

إنها مأساة كل من يكتشف متأخرًا أن الزمن لم يكن واقفًا ينتظره.

لكن في الشيخوخة حكمة لا تمنحها القوة.

فالذئب الهرم، إذا امتلك شجاعة النظر إلى ضعفه، يستطيع أن يتعلم شيئًا لم يكن يعرفه في ذروة قوته:

أن السلام ليس دائمًا استسلامًا.

وأن التراجع عن الصراع ليس بالضرورة هزيمة.

وأن من لا يستطيع أن يكون سيد البرية، يستطيع على الأقل أن يكون حكيمًا في التعامل معها.

وهكذا تتغير صورة البرية.

لم تعد ساحة يلتهم فيها الأقوى الأضعف.

بل أصبحت مساحة يتعين على الجميع فيها أن يجدوا طريقة للتعايش.

ذئب هرم في صحراء موحشة.

وكلاب ثلج اعتادت السلاسل ثم اكتشفت الطريق إلى الحرية.

وكلاهما يحمل ذاكرته القديمة، لكن لا أحد يستطيع أن يعيش في الماضي إلى الأبد.

ربما يكون هذا هو النداء الجديد للبرية:

ليس نداء القوة، بل نداء الحكمة.

ليس أن تعود الذئاب إلى شبابها، فهذا مستحيل.

ولا أن تعود كلاب الثلج إلى سلاسلها، فهذا ظلم.

بل أن يتعلم الجميع أن الزمن نفسه هو السيد الأكبر، وأنه لا يمنح أحدًا امتياز البقاء في القمة إلى الأبد.

في النهاية، لا يشيخ الذئب وحده.

بل تشيخ معه صورة العالم الذي بناه حول قوته.

وتشيخ أيضًا أوهام الذين ظنوا أن السلاسل ستبقى إلى الأبد.

فالحياة لا تتوقف عند انتصار طرف على آخر، إنها تستمر بعد المعركة، حين يتعين على الجميع أن يعيشوا في المكان نفسه، تحت السماء نفسها، وبعد أن تتعب الأنياب وتثقل الخطى.

ولعل هنا تكمن المسافة الأعمق بين نداء البرية و«عندما تهرم الذئاب».

فجاك لندن أخذنا إلى اللحظة التي يكتشف فيها الكائن قوته الأولى، حين تسقط عنه أقنعة الحضارة، وتوقظ البرية في داخله غريزة البقاء، فيتعلم كيف يصارع، وكيف يتكيف، وكيف يجد طريقه إلى الحرية.

أما السؤال الذي يأتي بعد ذلك، فهو أكثر قسوة وهدوءًا:

ماذا يحدث حين تكتشف الذئاب أن للقوة عمرًا، وأن الأنياب التي حكمت البرية يومًا ستفقد حدتها، وأن الجسد الذي لم يعرف إلا الصراع سيضطر ذات يوم إلى تعلم فن التعايش؟

هناك تبدأ حكاية أخرى.

فالمأساة ليست في أن يهرم الذئب، وإنما في أن يظل أسيرًا لصورة الذئب الذي كانه.

وربما تكون الحكمة الأخيرة التي تتركها لنا البرية ، أن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرتنا على إخضاع الآخرين، بل بقدرتنا على أن نعرف متى تتغير قوانين الحياة، ومتى يصبح السلام أكثر شجاعة من الصراع.

فجاك لندن حدثنا عن نداء البرية حين تستيقظ القوة،وربما حان الوقت لأن نصغي إلى نداء آخر:

((نداء الحكمة حين تهرم القوة..!)).



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...


المزيد.....




- مهرجان الجونة السينمائي يكشف عن شعاره الجديد ويكرم منى زكي ف ...
- بجلسة موسيقية.. مكتبة قطر الوطنية تحتفي برواية -مئة عام من ا ...
- استراتيجية الصين الجديدة لنفوذ أوسع في الشرق الأوسط أرست ال ...
- شاحنة تحمل سحرا وعدالة.. «سينما تدور» تكسر عزلة الأطراف في ت ...
- بعد هند رجب.. عزيز الشاعر يتحدى العقوبات ويكرم الطفلة وفاء ع ...
- بعد حفل أصالة.. هل تعود -إنانا- لإنتاج عروض المسرح الراقص في ...
- -ليس الحب الأول. اعتراف الحزن والفرح-.. كتاب سيمونيان يتصدر ...
- مبابي يتحدث عن -صدمة الديربي- ويصف تدريب زيدان لفرنسا بـ-الف ...
- أزمة نيشان وياسمين عز تعود إلى الواجهة.. حكم جديد في دبي وآخ ...
- تأجيل مهرجان البحر الأحمر مع استمرار برامجه السينمائية


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مظهر محمد صالح - عندما تهرم الذئاب