أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوعي مع داود سلمان عجاج, اجرت الحوار سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)















المزيد.....

حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوعي مع داود سلمان عجاج, اجرت الحوار سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:36
المحور: الادب والفن
    


س6: نلمس حضوراً لافتاً للذات في أكثر من منجز أدبي لحضرتك، فما الذي تمثله لك؟
الذات ليست مجرد "أنا" يعلن الإنسان من خلالها وجوده، ولا هي صورة ثابتة يختزل فيها نفسه، وإنما هي ذلك الكيان الداخلي الذي يتشكل من تفاعل الوعي والذاكرة والتجربة والمشاعر والعلاقة بالآخر والمكان والزمن. إنها المساحة التي تتجمع فيها أسئلة الإنسان عن نفسه والعالم، وتتقاطع فيها رغباته ومخاوفه وذكرياته وانكساراته وأحلامه.
والذات في حقيقتها ليست ساكنة؛ فهي في حالة تشكل مستمر، تعيد التجارب صياغتها، ويترك الفقد والاغتراب والحب والخوف والانتماء آثارها في بنيتها الداخلية. وقد تحمل الذات ماضيها معها حتى بعد أن تغادر أمكنته، فيتحول المكان من جغرافيا خارجية إلى ذاكرة مقيمة في الداخل، كما قد يتحول الآخر من حضور عابر إلى جزء من تكوينها النفسي والوجداني.
ومن هنا تبدو الذات في الأدب أكثر اتساعاً من الشخصية؛ فالشخصية هي ما يظهر من الإنسان في حركة النص، أما الذات فهي ما يجري في أعماقه من صراع وأسئلة ووعي وحنين. ولذلك لا يكتفي الأدب بتصوير ما تفعله الشخصية، بل يحاول الكشف عما يحدث داخلها، وما الذي صنع خوفها، أو شكّل وعيها، أو جعلها تتشبث بمكان، أو تنفر منه، أو تبحث عن ذاتها في ذاكرة غائبة.
وعليه، يمكن القول إن الذات هي حصيلة العلاقة المتغيرة بين الإنسان ونفسه والعالم من حوله؛ وهي ما يتبقى في أعماقه من أثر التجربة، وما يظل يبحث عن معناه بين الذاكرة والحاضر، وبين ما عاشه وما كان يتمنى أن يعيشه.
س7: ما أثر الفضاء الروائي في تشكيل المعنى والوعي في الكتابة؟
الفضاء الروائي ليس مجرد مكان تجري فيه الأحداث، ولا إطاراً جغرافياً تُوزَّع داخله الشخصيات، وإنما هو بنية سردية تتشكل من تفاعل المكان مع الإنسان والزمن والذاكرة والحدث. فالمكان في الرواية لا يبقى ثابتاً ومحايداً، بل يكتسب دلالته من التجربة الإنسانية التي تُعاش فيه؛ فالبيت قد يكون ذاكرةً للأمان، ثم يتحول إلى فضاء للفقد، والمدينة قد تبدو في ظاهرها مألوفة، لكنها تصبح موحشة حين تنفصل عنها الذاكرة أو يُنتزع منها الشعور بالانتماء، والوطن نفسه قد يتحول من فضاء للحماية إلى فضاء للتهديد حين يفقد الإنسان فيه إحساسه بالأمان والكرامة.
ومن هنا، فإن الفضاء الروائي لا يُقاس باتساعه الجغرافي، بل بقدرته على إنتاج المعنى وتحريك الوعي والكشف عن التحولات الداخلية للشخصيات. إنه المكان كما تراه الشخصية، وتتذكره، وتخافه، وتحلم به، لا كما يبدو في خرائط الواقع. ولذلك يمكن لحيٍّ ضيق أن يحتضن تاريخاً كاملاً لشخصية، كما يمكن لمدينة واسعة أن تكون أشد ضيقاً من غرفة مغلقة إذا تحولت إلى فضاء للعزلة والاغتراب. فالفضاء في الرواية يصبح جزءاً من تكوين الشخصية، وقد يشارك في صناعة الحدث، ويؤثر في مسار الحكاية، بل قد يتحول أحياناً إلى شخصية صامتة لها حضورها ودلالتها. وبذلك يغدو الفضاء الروائي وجوداً إنسانياً قبل أن يكون موقعاً جغرافياً؛ مكاناً تسكنه الذاكرة بقدر ما يسكنه الإنسان، وتتجسد فيه علاقة الذات بالعالم، وما بين الألفة والاغتراب، والأمان والخوف، والانتماء والاقتلاع، تتشكل إحدى أهم طبقات المعنى الروائي.
س8: نراك تكتب عن الراحلين، ما معنى الفقد لديك؟
الفقد، في معناه الأعمق، ليس غياب الإنسان عن المكان بقدر ما هو التحوّل الذي يصيب المكان بعد غيابه. فالإنسان لا يعيش في الأمكنة بجسده وحده، بل يترك فيها شيئاً من صوته وخطواته وملامحه وذاكرته، حتى يصبح بعض الأشخاص جزءاً من المكان نفسه، وجزءاً من الطريقة التي نراه ونشعر به من خلالها. وحين يغيبون، لا يتغير حضورهم وحده، بل يتغير معنى الأشياء من حولنا؛ يصبح الطريق أكثر صمتاً، والبيت أقل ألفة، وبعض التفاصيل التي كانت عابرة تكتسب فجأة ثقلاً لا نعرف كيف نحمله.
ولعل الفقد هو في جانب منه، فقدان لزمن كامل كان الإنسان شريكاً فيه. فنحن لا نفقد شخصاً فقط، وإنما نفقد معه أحاديث، ومواقف، وأياماً، ونسخة من ذواتنا كانت تتشكل في حضوره. ولهذا لا تستطيع الأيام أن تعيد ما مضى كما كان؛ فالزمن لا يسترجع الأشياء، وإنما يعيد ترتيبها داخل الذاكرة، ويمنحها معاني جديدة كلما ابتعدنا عنها.
ومن هنا يبدو الموت أقل شبهاً بالانقطاع، وأكثر اقتراباً من التحوّل. فالراحل ينتقل من الأمكنة التي كان يشغلها بجسده وصوته وحركته، إلى أمكنة أخرى لا تُرى، هي أمكنة الذاكرة. هناك يستمر وجوده بصورة مختلفة؛ نستعيد صوته حين يطول الصمت، وملامحه حين يشتد الحنين، وكلماته حين تعجز الكلمات عن تفسير ما نشعر به. وكأن الذاكرة لا تحفظ الغائب كما كان، بل تعيد بناءه كل مرة وفق حاجتنا إليه.
لذلك، ربما لا يكون الفقد هو أن يرحل الآخر من حياتنا، وإنما أن نكتشف بعد رحيله مقدار ما كان يسكن فينا دون أن ندرك. فبعض الغائبين لا يتركون فراغاً في الخارج فقط، بل يغيّرون شيئاً في الداخل؛ يجعلون علاقتنا بالمكان أكثر حنيناً، وبالزمن أكثر وعياً، وبالذاكرة أكثر التصاقاً بالهوية.
وفي النهاية، قد يكون الفقد أحد أشكال الحضور الخفي؛ حضوراً لا نلمسه، لكننا نراه في الأشياء التي تغيّر معناها، وفي الأمكنة التي لم تعد كما كانت، وفي ذواتنا التي تحمل أثراً لا يستطيع الزمن محوه. فبعض الذين نحبهم لا يغادروننا تماماً؛ إنهم يغادرون مكانهم في العالم، ليصبح لهم مكان آخر فينا.
س9: على ضوء ما تقدم من مفاهيم، فما هو مفهوم الوعي عندك؟
الوعي ليس مجرد أن يكون الإنسان حاضراً في العالم، بل أن يدرك معنى حضوره فيه. فثمة فرق بين أن نعيش الأشياء وأن نعي أثرها فينا؛ قد يمر الإنسان بالمكان ذاته، ويعبر الأحداث نفسها، ويخالط الأشخاص أنفسهم، لكنه لا يرى شيئاً منها بالعمق نفسه، لأن الوعي لا يتحدد بما نراه، وإنما بالطريقة التي نمنح بها ما نراه معنى.
ولعل الوعي، في جوهره، هو تلك اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من كونه موضوعاً للأشياء إلى ذاتٍ قادرة على مساءلتها. أن يتوقف قليلاً أمام ما اعتاده، وأن يسأل: لماذا أفكر بهذه الطريقة؟ لماذا أحنّ إلى هذا المكان؟ لماذا بقيت بعض الذكريات حاضرة رغم غياب أصحابها؟ ولماذا تغيّرني بعض الخسارات أكثر مما تغيّرني بعض الانتصارات؟ عندها لا يعود الوعي معرفةً بالعالم فقط، بل يصبح معرفةً بالذات وهي تعبر العالم.
فالوعي لا يولد مكتملاً؛ إنه يتشكل مع التجربة، ويتسع كلما تصادمت الذات مع أسئلتها، وكلما اكتشفت أن الحقيقة التي كانت تبدو ثابتة يمكن أن تتغير حين ننظر إليها من زاوية أخرى. ولهذا فإن الوعي الحقيقي لا يمنح الإنسان يقيناً دائماً، بقدر ما يمنحه قدرة أكبر على الشك، وعلى مراجعة ما ورثه من أفكار، وما صنعته الذاكرة، وما رسخته الأمكنة والأحداث في داخله.
ومن هنا أرى أن الوعي هو القدرة على رؤية الذات وهي تتشكل؛ أن ندرك أن الوطن ليس جغرافيا فقط، وأن الهوية ليست اسماً، وأن الذاكرة ليست ماضياً منتهياً، وأن المكان ليس مساحةً محايدة، وأن الفقد لا يعني غياب الإنسان بقدر ما يعني تبدّل حضوره فينا. عند هذه النقطة يصبح الوعي أشبه بمرآة لا تعكس العالم كما هو، وإنما تكشف لنا موقعنا منه.
وربما كان أعمق ما في الوعي أنه لا يكتفي بأن يجعلنا نرى الأشياء، بل يجعلنا ندرك أن طريقة رؤيتنا للأشياء جزء من حقيقتها بالنسبة إلينا. لذلك كلما اتسع وعي الإنسان، لم تعد الحياة مجموعة من الوقائع التي تحدث له، بل أصبحت نصاً مفتوحاً يشارك في كتابته وفهمه وتأويله؛ نصاً لا تكتمل دلالته إلا بقدر ما يظل الإنسان قادراً على مساءلة نفسه والعالم من حوله.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث


المزيد.....




- سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق
- وتر الفرح وملاذ النزوح.. -الربابة- توثق ذاكرة أهالي بعلبك
- -الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي ...
- بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم ...
- كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
- خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا ...
- من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال ...
- الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
- أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوعي مع داود سلمان عجاج, اجرت الحوار سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)