أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - مظهر محمد صالح - حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967














المزيد.....

حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 15:41
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


كان الحوت أول ما استوقفني في ورقة امتحان الفيزياء.

حوتٌ كبير، مرسوم في سؤالٍ يبدو للوهلة الأولى بريئًا، لكنه كان بالنسبة إلى طالبٍ في اليوم الأخير من دراسته الإعدادية أقرب إلى امتحانٍ في المصير.

كان المطلوب أن أحسب، بقانون الإزاحة، مقدار الماء الذي يندفع عموديًا حين يغوص الحوت.

قرأت السؤال.

ثم قرأته مرةً أخرى.

كنت أرى الحوت بعيني، لا على الورق فحسب ، أراه يهبط إلى أعماق بحرٍ أزرق، والماء يرتفع من حوله، وأنا أطارده بالقلم من رقمٍ إلى رقم، أحاول أن أستخرج من غوصه إجابةً تأخذني إلى النجاح.

كان مستقبلي يومها معلّقًا بغوص حوت!

وبين رهبة الامتحان ورومانسية الإجابة، كان في داخلي شيءٌ من المراهقة الحالمة. كنت أستمتع، رغم خوفي، بأن أتخيل ذلك الكائن العظيم وهو يشق الماء، ويزيحه بجسده، ثم يختفي في العمق.

ولم أكن أعرف أن الحوت الذي يشغل ورقتي سيصبح بعد ساعاتٍ شاهدًا على يومٍ أكبر من الامتحان.

جاء الخامس من حزيران.

وصلت أخبار الحرب إلى المدرسة، واقتحمت القاعة أصواتٌ لم تترك لنا فرصةً لإكمال السؤال:

الويل لكم! أنتم منغمسون في الامتحان، والأرض احتُلّت، والكرامة هُدرت!

توقفت الأقلام.

تبعثرت الإجابات.

وتطايرت الدفاتر.

أما الحوت، فبقي في ورقتي.

كان لا يزال يغوص.

يا للمفارقة!

العالم خارج الورقة يهتز، والأرض تضيع، ونحن نخرج من قاعة الامتحان، فيما الحوت داخل الورقة لا يزال ينتظر مني أن أحسب كمية الماء التي أزاحها.

خرجنا إلى الشارع.

كانت الجماهير أمواجًا بشرية، وفي أمواجها اختلط اليسار باليمين، والدين بالإلحاد، والقومية بالأممية. لم يعد ثمة سؤالٌ واحد ولا إجابةٌ واحدة.

ضاع الامتحان.

وضاعت معه، في تلك اللحظة، إجابة الحوت.

ثم أُعيد الامتحان.

وعاد الحوت معي.

وجدته مرة أخرى في الورقة، هادئًا كما تركته، وكأن الحرب لم تقع، وكأن شيئًا لم يتغير.

لكنني كنت قد تغيّرت.

هذه المرة قرأت السؤال بقلقٍ آخر:

احسب الإزاحة.

توقفت طويلًا.

أي إزاحة يريدون مني أن أحسب؟

إزاحة الماء بفعل الحوت؟

أم إزاحة الأرض من تحت أقدامنا؟

أم إزاحتنا نحن من مقاعد الامتحان إلى الشوارع؟

كنت طالبًا، ولم يكن من حقي أن أغيّر السؤال.

فجلست أحاول أن أغيّر الإجابة.

وهكذا صار الحوت شاهدًا على امتحانين.

في الأول، كان عليّ أن أحسب مقدار الماء الذي أزاحه.

وفي الثاني، كنت أحاول أن أفهم مقدار الأرض التي أُزيحت.

عدت إلى البيت سيرًا على الأقدام، بين الجوع والعطش واليأس.

ومن تلك المسيرة الطويلة بقيت في رأسي صور قليلة: الجماهير، الهتافات، الأكتاف، وأستاذنا في اللغة الإنكليزية مرفوعًا فوقها، يهتف بصوته الوديع وعقله الابوي:

ناصر… ناصر…!

وعرفت أنه كان من أحد التيارات القومية.

أما اليسار، فلم أحظَ منه بشيء.

كان قد ضاع هو الآخر في الزحام، وسط موجةٍ جماهيرية غاضبة، حتى بدت الأمميات كلها وكأنها تبحث عن طريقها في ذلك الشارع في قلب بغداد.

أما الحوت، فلم يضِع.

بقي في دفتر الفيزياء.

ينتظر الإجابة.

ينتظرني.

وربما لهذا بقي حيًا في ذاكرتي حتى اليوم.

فكلما عدت إلى الخامس من حزيران، لا أستعيد الحرب وحدها؛ أستعيد ورقة الامتحان، ورائحة القاعة، والقلم المرتبك بين أصابعي، وذلك الحوت الذي كان يغوص في الماء، بينما كان كل شيء حوله يغوص في شيءٍ آخر.

كان سؤال الفيزياء بسيطًا:

كم من الماء أزاح الحوت؟

لكنني لم أكن أعرف يومها أن السؤال سيبقى معي كل هذه العقود، وأنني سأظل أبحث عن إجابةٍ أخرى:

كم من الأرض أزاحها التاريخ من تحت أقدامنا؟

ولعل الحوت كان محظوظًا.

فهو، على الأقل، كان يعرف لماذا يغوص.

أما نحن، فكنا نغوص ولا نعرف إلى أي قاعٍ نمضي.

وكلما فتحتُ، بعد عقود، دفتر الذاكرة، وجدته هناك…

الحوت نفسه، في الصفحة نفسها، يغوص بهدوء.

كأن شيئًا لم يتغير.

وكأن الامتحان لم ينتهِ بعد.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...


المزيد.....




- تصعيد حوثي يشعل توترًا.. مراسلة CNN تتحدث عن الهجمات على الس ...
- ضغوط إيران والحوثيين تدفع السعودية لإعادة حساباتها.. هل تتجه ...
- إيطاليا تعتزم حظر النقاب في المدارس وتحديد عدد الطلاب الأجان ...
- ما حقيقة الفيديو المتداول حول -إنزال جوي سعودي- في صنعاء؟
- -فستان الانتقام- لديانا يعرض في مزاد سوثبيز بتقدير يصل إلى 3 ...
- ترامب: نتواصل مع الحوثيين بشكل مستمر ووافقوا على عدم الاشتبا ...
- وزير خارجية قطر يشير إلى الحل لمواجهة تداعيات زلزال حرب إيرا ...
- وكيل دفاع النواب: العمل الحزبي يجب أن يرتبط بخدمة المجتمع
- محافظ القليوبية يتابع ميدانيًا رفع التراكمات التاريخية للمخل ...
- وزيرة الإسكان تشهد تسليم أول 10 أفدنة خالية من المخلفات لإتا ...


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - مظهر محمد صالح - حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967