خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 14:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
«لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم».
لسنا هنا أمام شعار سياسي، ولا أمام دفاع عن حزب أو محور أو مذهب. نحن أمام ميزان أخلاقي يفترض أن يسبق كل شيء: حرمة الإنسان ودمه.
حين يصبح الدم تفصيلاً في الصراع السياسي، وحين تتحول المقدسات إلى أدوات تعبئة، والتاريخ إلى مستودع للثأر، والدين إلى لغة لتعبئة الجماهير، فنحن لا نكون أمام خلاف ديني فحسب، بل أمام انهيار لمعيار أخلاقي يفترض أن يكون أقدس من السياسة نفسها.
يُستدعى الدين حين يحتاج السياسي إلى جمهور، ويُستدعى التاريخ حين يحتاج إلى عدو، وتُستدعى المقدسات حين يحتاج إلى معركة. فهذا يتحدث بلسان راعي المقدسات، وذاك بلسان حامي المقامات. تُشحذ العقول، وتُستثار المشاعر، وتُستعاد صفحات منتقاة من التاريخ، ثم يُدفع الإنسان العادي إلى كراهية أخيه، وربما إلى قتله، وهو يظن أنه يدافع عن الدين.
وهنا يصبح السؤال أكبر من كل المحاور: أي دين هذا الذي يحتاج إلى دم المسلم كي يثبت نفسه؟
الفصل الأول: عندما يتحول المقدس إلى أداة
المشكلة ليست في الكعبة، وليست في مقامات أهل البيت، وليست في المذاهب الإسلامية واختلافاتها التاريخية والعقدية. المشكلة تبدأ حين يتحول المقدس من مساحة إيمان وعبادة وذاكرة روحية إلى أداة سياسية.
عندها لا يعود الاختلاف المذهبي اختلافاً في الفهم، بل يتحول إلى هوية سياسية، وتتحول الذاكرة إلى أرشيف للانتقام، وتتحول وسائل الإعلام إلى مصانع للخوف. ولا تحتاج اللعبة إلى كثير من التعقيد؛ يكفي أن تقول للسني: انظر إلى الشيعي، وتقول للشيعي: انظر إلى السني، ثم اتركهما ينظران إلى بعضهما بوصف كل منهما خطراً وجودياً، بينما تتحرك المصالح السياسية في مكان آخر.
هنا تتشابه الأدوات حتى لو اختلفت الشعارات: تسييس الدين، تخويف الجماعة من الجماعة الأخرى، استدعاء التاريخ، شيطنة الآخر، وتحويل الإنسان إلى وقود في صراع لا يملك تحديد أهدافه.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نبسط المسألة أكثر مما تحتمل؛ فالطائفية ليست اختراع دولة واحدة، ولا نتيجة مؤامرة واحدة، ولا وليدة لحظة سياسية واحدة. لها جذور تاريخية واجتماعية عميقة، وتتغذى من ضعف الدولة، والأزمات الاقتصادية، وانهيار المؤسسات، وذاكرة الصراعات، ومن نخب سياسية ودينية وإعلامية تجد في الهوية الطائفية وسيلة للحشد، ثم تأتي التدخلات الإقليمية الدولية لتستثمر في هذه الشقوق وتوسّعها حين تخدم مصالحها.
الفصل الثاني: إيران والخليج.. اختلاف الشعارات وتشابه الاستثمار
ليس من الدقة أن نضع كل سياسات إيران ودول الخليج في سلة واحدة، ولا أن نزعم أن كل خلاف سياسي بينها مذهبي بطبيعته. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: متى تتحول الهوية المذهبية من انتماء ديني واجتماعي إلى أداة نفوذ وصراع سياسي؟
في الحالة الإيرانية، تداخلت هوية مذهبية مع مشروع إقليمي أوسع، واستُخدمت في ساحات مختلفة سرديات المظلومية التاريخية، وحماية المقدسات، والدفاع عن الجماعات المرتبطة مذهبياً بإيران، ضمن شبكة من التحالفات والقوى المسلحة والسياسية في المنطقة. ولا يعني ذلك أن كل سياسة إيرانية مذهبية، أو أن كل شيعي تابع لإيران، لكن حين تصبح الهوية المذهبية إحدى أدوات بناء النفوذ، فإن آثارها السياسية لا يمكن تجاهلها.
وفي المقابل، استخدمت قوى خليجية مختلفة خطاباً سنياً في مواجهة النفوذ الإيراني، واستُثمرت المخاوف من التمدد الإيراني في تعبئة سياسية وإعلامية ومذهبية، كما دخلت دول وقوى إقليمية في دعم أطراف مختلفة في ساحات الصراع العربي. ولا يعني ذلك أيضاً أن كل سياسة خليجية طائفية، أو أن كل خطاب سني خليجي تحريض مذهبي.
المسألة أعمق من ذلك؛ فحين تتحول الطائفة إلى بطاقة تعريف سياسية، يصبح السؤال الأول: من أي مذهب أنت؟ بدلاً من: ماذا تريد؟ ماذا فعلت؟ من يحميك؟ ومن يستفيد من خوفك؟ هنا ينتقل الصراع من السياسة إلى الوعي نفسه.
الفصل الثالث: إسرائيل.. الاستثمار في التفكك
أما إسرائيل، فلا يمكن النظر إلى المنطقة بمعزل عن حقيقة أن استمرار تفكك المجال العربي والإسلامي يخدم، موضوعياً، بيئة أمنية وسياسية أقل قدرة على إنتاج موقف إقليمي موحد تجاه الاحتلال وفلسطين.
ولا يعني ذلك أن كل خلاف مذهبي صناعة إسرائيلية، ولا أن إسرائيل تدير كل تفصيل في المنطقة. بل يعني شيئاً أكثر واقعية وخطورة: أن قوة الاحتلال والدول الكبرى تعرف قيمة الانقسامات الموجودة أصلاً، وتستطيع الاستثمار فيها عندما تخدم مصالحها. وهذا هو الفرق الجوهري بين اختراع الفتنة واستثمارها؛ الأولى قد تكون مستحيلة، أما الثانية فهي ممارسة سياسية قديمة قدم الصراع على السلطة، وهي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط خطاب المؤامرة المطلقة.
الفصل الرابع: صناعة العدو الداخلي
لا تحتاج إلى إقناع العربي بأن إسرائيل صديقة؛ يكفي أحياناً أن تجعله يرى أخاه المسلم عدواً أول. ولا تحتاج إلى إسقاط الإسلام؛ يكفي أن تفككه إلى عصبيات متقاتلة، وأن تجعل السنة يخافون من الشيعة، والشيعة يخافون من السنة، والعرب يخافون من بعضهم، ثم يأتي كل طرف خارجي ليقدم نفسه حامياً لجماعة من الجماعات.
وهنا تبدأ اللعبة الأخطر: أن يصبح الإنسان مستعداً للدفاع عن هويته ضد أخيه أكثر مما هو مستعد للدفاع عن حقه ضد من يحتل أرضه، ويتحول الخارج إلى «حامٍ» بينما الداخل يصبح هو «الخطر». وهذا بالضبط ما يجعل فلسطين اختباراً لا يمكن الهروب منه.
الفصل الخامس: فلسطين.. حيث تسقط الأقنعة
إذا أردنا أن نختبر كل هذه الشعارات، فلنذهب إلى فلسطين. غزة والضفة هما المرآة؛ هناك تتبخر كثير من الخطابات، وتظهر الفجوة العميقة بين المقدس المعلن والمصلحة السياسية.
فلسطين هي القضية التي يفترض أن تتقدم على كل الحسابات، لأنها قضية شعب وأرض واحتلال وحقوق. هناك، لا تحتاج الحقيقة إلى خطب مذهبية؛ ففي غزة والضفة الغربية يعيش شعب تحت وطأة الاحتلال والحصار والتهجير والقتل اليومي، وتستمر عمليات الهدم والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، وسط تفاقم الأزمات الإنسانية والنزوح المستمر وفق ما توثقه تقارير الأمم المتحدة.
فأين فلسطين في حسابات المحاور؟ وكم مرة تحولت إلى مادة للمزايدة بينها؟ كم مرة أصبح اسم القدس جزءاً من خطاب سياسي، بينما بقيت الحسابات الفعلية محكومة بالنفوذ والحدود والتحالفات وموازين القوى؟
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الخطب، والضفة لا تحتاج إلى مزيد من المزايدات. فلسطين تحتاج إلى أن تتوقف الأمة عن تحويل قضيتها إلى مادة للمنافسة بين المحاور. والمفارقة الأكثر إيلاماً أن الحرب على فلسطين لا تحتاج إلى أن يتفق الجميع عليها؛ يكفي أن يبقى العرب والمسلمون منشغلين بتصفية حساباتهم الداخلية كي تواصل إسرائيل مشروعها على الأرض وتلتهم ما تبقى. هنا تحديداً تسقط الأقنعة.
الفصل السادس: اليمن وسوريا والعراق.. دماء خارج الحسابات
ثم انظر إلى اليمن وسوريا والعراق؛ هنا لا نحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ كي نفهم الكارثة، بل يكفي أن نسأل: كم مرة جرى تقديم الصراع السياسي باعتباره معركة مذهبية؟ وكم مرة أصبح الإنسان العربي مجرد رقم وامتداد لمحور، بدلاً من أن يكون مواطناً له حق الحياة والكرامة؟ وكم مرة قيل للناس إن معركتهم الوجودية هي مع أخيهم في الدين، بينما كانت الحسابات الحقيقية تتعلق بالحدود والممرات والمصالح وموازين القوى؟
ليس كل ما جرى في هذه البلدان من صنع طرف واحد، فقد شاركت قوى دولية وإقليمية ومحلية متعددة في صناعة هذه الكوارث، لكن هذا لا يعفي أحداً من المسؤولية عن استخدام الانقسام المذهبي وسيلة للتعبئة السياسية.
وفي العراق تحديداً، يظل نموذج ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003 بالغ الدلالة؛ فالاحتلال لم يخترع التوترات المذهبية من الصفر، لكنه كان لحظة مفصلية في تحويل الهويات الفرعية إلى بنية سياسية ومؤسسية دائمية عبر المحاصصة وحل الجيش، لتنتقل الطائفة من كونها مكوناً اجتماعياً طبيعياً إلى إطار صلب لتنظيم السلطة والصراع عليها. لا أحد هنا بريء بمجرد رفع شعار الدين، ولا أحد يصبح بريئاً بمجرد اتهام خصمه بالطائفية؛ المعيار الحق هو الفعل وأثره.
الفصل السابع: لبنان.. عندما يصبح الخوف دولة
ثم نصل إلى لبنان؛ النموذج الذي جعل الخوف المذهبي جزءاً من بنية الدولة والمجتمع نفسه. فالنظام اللبناني قام تاريخياً على تمثيل الطوائف داخل المؤسسات، واستمرت هذه البنية بأشكال مختلفة تجعل العلاقة بين الطائفة والدولة شديدة التشابك.
في مجتمع عاش الحرب الأهلية والاحتلالات والتدخلات الخارجية، لم يعد الخوف مجرد شعور؛ بل أصبح مؤسسة سياسية قائمة بذاتها. السني يخاف من الشيعي، والشيعي يخاف من السني، والمسيحي يخشى أن يصبح ضحية لصراع الاثنين. وكل جماعة تبحث عن قوة خارج حدود الدولة تطمئن إليها عندما تفقد ثقتها بالدولة، وهكذا يصبح الخارج حامياً لجماعة، وتصبح الجماعة امتداداً للخارج، وتتحول الدولة إلى مجرد ساحة تفاوض مأزومة بين قوى مرعوبة من بعضها.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لهذا المنطق: حرباً أهلية، واحتلالات، وحروباً إسرائيلية، وانقسامات، وانهياراً اقتصادياً، وهجرة جماعية، وفقداناً متكرراً لفكرة الدولة. ومع ذلك، ما زلنا نعيد إنتاج السؤال العقيم نفسه: "من يحمي طائفتي؟" بدلاً من السؤال الأبسط والأكثر خطورة: "من الذي حوّلني إلى طائفة قبل أن أكون إنساناً ومواطناً؟".
الفصل الثامن: مشعلو النار.. والمحترقون بها
وهنا يجب أن نتوقف عن استعمال كلمة «الفتنة» كأنها ظاهرة طبيعية غامضة تهبط علينا من السماء بلا فاعل. هناك من يشعل النار بوعي وتخطيط، وهناك من يعرف يقيناً أنها ستحرق الناس ويواصل إشعالها لأن رمادها يضمن بقاءه على كرسيه.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود "سدنة التجييش" أو "تجار المقدسات"؛ بل في الجماعات المستسلمة التي تقبل أن تُساق إلى حتفها بشعارات مقدسة. يربح الساسة نفوذهم، وتتوسع حدود عروشهم، وتصان ممرات مصالحهم، بينما لا ينال المواطن العادي من هذه الحروب المقدسة إلا التوابيت، والبيوت المدمرة، وضياع الأوطان.
خاتمة: استعادة الوعي الأسير
إن استعادة "الميزان الأخلاقي المهجور" تقتضي أولاً نزع القداسة عن معارك النفوذ السياسي. فالدين وجد ليعصم دم الإنسان لا ليكون مبرراً لدفقه، والمقدسات شُرّعت لتجمع القلوب لا لتكون متاريس وخنادق يتفنن الساسة في إدارة صراعاتهم من خلفها.
لقد حان الوقت للتحرر من الوعي الطائفي المأزوم، والانتقال من منطق "الرعايا المحتمين بالطوائف" إلى منطق "المواطنين المحتمين بالدولة". وبغير هذا التحول المعرفي والأخلاقي الشجاع، ستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة، تحرق الأخضر واليابس، وستبقى دموع الأمهات في غزة وبيروت وبغداد وصنعاء ودمشق شاهداً حياً على أمة استهلكت أقدس ما تملك، ليربح المقامرون، ويهون على الجميع دم المسلم.
#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)
Khorshied_Nahi_Alhussien#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟