نايف عبوش
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 13:17
المحور:
الادب والفن
ثمة أماكن تتسلل بهدوء إلى أعماق الذاكرة،بمجرد ان نمر فيها، فهي قد استقرت في أعماق الوجدان حتى اصبحت جزءاً من تكوين الإنسان.
فالمكان وعاء الذاكرة، حيث تختزن ربوعه خطوات النشأة الأولى، وتظل ملامحه شاهدة على أيام عشناها، ولم نكن ندرك أنها ستصبح ذات يوم ،أثمن ما نملك من ذكريات.
ويظل للمكان سحره، برية ووهادا وانهارا، إذ يمتزج الإنسان بالطبيعة، والذاكرة برائحة الطين والسنابل، فيغدو المكان حكاية مفتوحة على الزمن.
فالنهر لا يبدو مجرد مجرى للماء، بل يبدو كأنه جزء من ذاكرة المكان وروحه. فكم من إنسان جلس على ضفته يتأمل الماء، أو انتظر غروب الشمس، ومغادرة اسراب النوارس،ثم حمل تلك اللحظات معه ،حين غادر المكان.
إنها الذاكرة..فالذاكرة لا تحفظ المكان كما تراه العين، وإنما كما أحبّه القلب، وبذلك تكون صورة المكان في الوجدان، أجمل من صورته في الواقع. فالزمن يستطيع أن يغيّر الملامح، لكنه لا يستطيع أن يقتلع ما استقر في أعماق الوجدان.
هكذا يصبح المكان وجوداً موازياً للإنسان، يشاركه المزاج ، ويرسم تفاصيل حياته اليومية ببلاغة ساحرة.
فالبيت الذي شهد الطفولة، ليس حائطا وسقفاً فقط، والطريق الذي كنا نسلكه ليس تراباً ممتداً بين مكانين، وشاطىء النهر الذي جلسنا عنده، ليس ماءً يجري وحسب،فكل واحد منها يحمل شيئاً بصمة من وجودنا،لتمضي بنا الأيام والسنوات، ثم نكتشف عند ذاك،أن مفردات تلك التفاصيل الصغيرة كانت هي الحياة نفسها.
إن الحنين إلى المكان، ليس حنيناً إلى الربوع وحدها، وإنما هو حنين إلى زمن المكان، وإلى الناس الذين صنعوا دفأه، وإلى أنفسنا، حين كنا نعيش تلك الأيام ببساطتها، وعفويتها.
فالأماكن التي أحببناها لا تغادرنا حين نغادرها،بل إنها تنتقل من ربوع الأرض، لتسكن أعماق الوجدان.
وهكذا يبقى للمكان سحره في الوجدان، فبعض الأماكن لا نسكنها ، بل هي تسكننا، وبعض الضفاف لا نتركها حين نرحل، لأن ماءها يستمر في الجريان داخل ذاكرتنا، وتظل النوارس تحلق فوقها،كلما استدعت الذاكرة لقطة من حياة أيام زمان.
#نايف_عبوش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟