أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نايف عبوش - أحمد عزيز..حين يصبح البئر ينبوعا للأحزان














المزيد.....

أحمد عزيز..حين يصبح البئر ينبوعا للأحزان


نايف عبوش

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 17:45
المحور: الادب والفن
    


أحمد عزيز.. حين يصبح البئر ينبوعا للأحزان


في الريف والبادية ترد الماشية البئر، فيدلو الراعي دلوه، فيخرج الماء ليسقي الظمأى. وما إن ينخفض منسوب الماء في قاع البئر،بكثرة الدلاء منه،حتى يعود النبع الكامن في قاعه إلى التدفق، فيمتلئ من جديد. وهكذا لا ينضب الماء، ولا تنتهي حاجة الماشية إليه.

ومن هذا المشهد الريفي البسيط يستمد الفنان أحمد عزيز صورة شعرية بليغة العمق، حين يجعل بئر الماء منبعا للأحزان المتوالية،فكما أن الماء يتجدد في قاع البئر كلما شُرب منه، فإن الاحزان تتجدد في القلب، كلما ظن صاحبها أنها جفت.

إنها صورة شعبية بليغة،تختصر فلسفة الوجع الإنساني، في مشهد مألوف من حياة الريف. فالحزن، في تجربة الإنسان، ليس موجة عابرة تنحسر ولا تعود،بل هي اشبه ببئر سحيق، كلما حاول المرء أن يستنزف ماءه، تفجّر في قاعه نبعا جديدا من الأسى.

ومن هنا استلهم أحمد عزيز عتابته البليغة لتمنح هذه الصورة روحاً نابضة، حيث يقول :

ماراحو جدر گلبي ظل يسنون
مثل بيرن عليه الورد يسنون
حرام الضحچ عگب الغولف يسنون
مازال الفارگونا لسعهم غياب..

فهو في هذه العتابة لا يقف عند حدود الشكوى، وإنما يبني عالماً من الحزن تتداخل فيه الصورة الشعبية مع التجربة الشخصية. فـالبئر ليس بئراً من ماء، وإنما هو قلب الشاعر، والنبع ليس ماءا يتدفق من جوف الأرض، بل ذكريات، وحنين، وغياب، وفقد، تتفجر كلما حاول الزمن أن يهدئها.

وتتجلى في قوله(حرام الضحچ) ،وطأة الفقد، بصورة أكثر وضوحاً، فالضحك يصبح موضع عتاب، وكأن القلب الذي أنهكه الفراق، لم يعد قادراً على استعادة عافيته بسهولة، ليس لأن الفرح محرّم في ذاته، وإنما لأن الجرح ما زال طرياً، والغياب ما زال حاضراً، والذاكرة لم تتناغم مع الفقد بعد.

أما خاتمة العتابة (مازال الفارگونا لسعهم غياب)، فهي أشبه بإغلاق دائرة الحزن على نفسها، فالفراق ما يزال غياباً حاضراً، يواصل تأثيره في أعماق النفس، وكأنه حدث بالأمس.

وهنا تكمن فنية الشعرية الوجدانية عند شاعر الوجع احمد عزيز،إذ استطاع أن يلتقط مفردة ريفية عادية، هي البئر،ويوظفها ببلاغة في عتابته،ليستخرج منها معنى إنسانياً واسعاً. فالبئر في الذاكرة الشعبية، رمز للماء والحياة، لكنه في هذه العتابة يتحول إلى رمز للوجع المتجدد. وهذه القدرة على نقل الأشياء من معناها المألوف، إلى معنى وجداني أعمق، هي واحدة من أجمل خصائص التعبير الشعبي.

وهكذا نجد ان أحمد عزيز لا يرسم الحزن بالكلمات المباشرة، وإنما يجعله مشهداً نراه بأعيننا،تجسده ماشية ترد البئر، وراعٍ يدلو، وماء ينقص، ثم ينبوع يتفجر من جديد، وبين حركة الدلو ،وصعود الماء، وهبوطه، تتشكل صورة القلب، الذي يحاول أن يفرغ حزنه، فلا يلبث أن يجد في أعماقه، حزناً آخر، ليصبح البئر في عتابة أحمد عزيز (بير الأحزان),الذي كلما ظن أن ماءه قد نضب، فاجأه ينبوع جديد.

عتابة بليغة تجسد حقيقة أن الفن الشعبي لا يحتاج إلى تكلف زخرفة لغوية،وانما يكفي أن يلتقط الفنان مشهداً من مفرادت الحياة، وينفذ إلى ما وراءه، ليكتشف فيه معنى الإنسان.وهذا ما فعله أحمد عزيز ببراعة مدهشة،عندما حوّل البئر من مورد ماء للماشية، إلى مورد دائم للأحزان، وحوّل تدفق الينبوع في قاعه ،إلى صورة لتدفق الوجع في قاع القلب.



#نايف_عبوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصرنة صاخبة..قلق الانسان وضياع الذات
- الاعلامي محمد الجبوري..قلم ظريف وفكرة ساخرة
- ابراهيم حسين عگلة..حين يفيض الوجدان الريفي شعرا
- وجع الأديب إبراهيم المحجوب..بين عابر سبيل أحلام مستغانمي ووط ...
- تجليات شلهوب.. وانثيالات شاعر البادية محمود حمادي الهندي حين ...
- كبريت المشراق.. خبزة الديرة ورافد الاقتصاد الوطني
- الفنان أحمد عزيز.. إبداع النظم والعزف والاداء
- الشاعر المبدع أبو كوثر.. بين عسعسة الليل وفجر طال انتظاره
- الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه
- الانغماس في الفضاء الرقمي.. ضياع واستلاب
- من دفء المجالس إلى عزلة الشاشة الزرقاء
- الفلسفة..رحلة الشك نحو اليقين
- الموروث الشعبي..بين اصالة الذاكرة وتحديات العصرنة
- رقمنة الدماغ...وفقدان الحس المرهف والمشاعر الجياشة
- لماذا تسكننا الذكريات؟
- مخرجات التعليم..وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل
- التعالق مع المكان في الغناء الريفي
- حين كانت الدراسة رحلة معاناة
- الشاعر المبدع أبو كوثر..حين تهاجر الروح مع أسراب القطا
- تجليات الجمال..بين الحس المرهف والبلادة


المزيد.....




- نجم فيلم -Rocky Horror-.. وفاة تيم كاري عن عمر يناهز الـ80 ع ...
- وفاة نجم فيلم -وحيد في المنزل- تيم كاري
- الأبوذية.. -مع تميم- يستعرض مكانة أحد أبرز فنون الشعر الشعبي ...
- سرقة على طريقة أفلام -الأكشن-.. كيف حاول لصوص نهب شاحنة وهي ...
- سلسلة أفلام -فاست أند فيوريوس- تحتفل بمرور 25 عامًا على انطل ...
- كنز من 2600 قطعة نقدية فضية يكتشف في مدينة روسية بعد 600 عام ...
- فيلم -طبيب أمريكي- يوثق شهادات صادمة حول استهداف المنظومة ال ...
- إيرادات شركات الرسوم المتحركة في موسكو تتجاوز 8 مليارات روبل ...
- -الفن أخذ من إنسانيتي-.. الفنانة السعودية داليا مبارك تعلن ا ...
- يحيى جابر.. المسرحي الذي جعل اللبنانيين يشاهدون أنفسهم على ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نايف عبوش - أحمد عزيز..حين يصبح البئر ينبوعا للأحزان