أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نايف عبوش - عصرنة صاخبة..قلق الانسان وضياع الذات














المزيد.....

عصرنة صاخبة..قلق الانسان وضياع الذات


نايف عبوش

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 20:20
المحور: قضايا ثقافية
    


لاريب أن العصرنة باتت اليوم ،ظاهرة عصر شاملة، تتفاعل مع كل تفاصيل مفرادت الحياة، لتعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن ،والمكان، والمعرفة، والآخر، بل وحتى بذاته أيضاً. فبينما فاضت في بداياتها وعوداً بحياة أكثر رفاهية، وانفتاحاً، إلا أن تداعياتها الصاخبة أفرزت، في الوقت نفسه، مظاهر سلبية من القلق، والضياع، والاستلاب، ومن ثم فإن صخب العصرنة، لم يعد يتجسد في مجرد ضجيج الآلة، والتقنيات وحدها، وحسب ،وإنما تمظهر في إيقاع متسارع ، فرض نفسه على الإنسان المعاصر، بحيث أصبح لايكاد يلتقط أنفاسه، حتى يجد نفسه أمام معطى جديد، يتطلب منه، التكيف معه، وملاحقته، وبالتالي أصبح الإنسان يعيش تحت وطأة ضغط دائم،يحتم عليه مواكبة المتغيرات، دون أن بمنحه فرصة للتأمل، والمراجعة.

ولعل من بين أبرز التداعيات السلبية لهذا الصخب، هو أن الإنسان المعاصر،بدأ يفقد الكثير من طمأنينته الداخلية،بحيث أن وفرة المعلومات، لم تعد تمنحه مزيداً من المعرفة، وأن كثرة وسائل التواصل، لم تضمن له دفء العلاقات، كما أن تعدد الخيارات، لم يمنحه مزيدا من الحرية،وانما وجد الإنسان نفسه، وسط هذا الفيض الهائل من التطورات المتتالية،أكثر حيرة، واشد قلقاً، واعمق شعوراً بالضياع.

على ان أبرز ما افرزته العصرنة الصاخبة من تداعيات سلبية، هو الاستلاب، حيث اصبح الإنسان مستهلكاً، لما يتاح له من أفكار ،وصور، وأنماط سلوك، دون أن يمنح نفسه فرصة كافية للتفكير ،والنقد، والاختيار، حتى باتت خصوصية الفرد، تتراجع تدريجياً، ويصبح التماثل مع الآخرين، معياراً للقبول، والانتماء، مع هيمنة احادية النموذج، في المظهر، والسلوك، والاستهلاك.

وتجدر الاشارة إلى أن الأمر لم يقف عند حدود الفرد، بل امتد ليطال المجتمع أيضاً، حيث أن تسارع تدفق معطيات الحياة الحديثة، أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية، بعد أن أصبح التواصل الافتراضي بديلاً عن اللقاء الإنساني الحي المباشر في حالات كثيرة،إذ قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد،في حين ينصرف كل واحد منهم إلى عالمه الخاص، خلف شاشة صغيرة، فتغيب الأجساد عندئذ عن الحوار، وتتحول المشاركة العائلية ، إلى مجرد حضور شكلي جاف.

على إن كل هذا القلق الذي تثيره العصرنة، لا يبرر رفض التقدم، ولا العودة الآلية إلى الماضي، وإنما يبنغي أن يكون قلقا نابعا من خشية أن يتحول التطور من أداة لخدمة الإنسان، إلى أداة تعيد تشكيله وفق مقتضيات السوق، والتقنية،والاستهلاك،ليكون أكثر افتقاراً إلى السكينة، وأكثر حاجة إلى المعنى، الذي يمنح حياته اتزاناً كافيا، ووضوحاً أكبر.

ومن هنا فإن مواجهة تداعيات العصرنة السلبية، لا تكون بالانغلاق ،أو رفض الحداثة، وإنما ببناء وعي قادر على التمييز بين ما يضيف من معنى إلى إنسانية الإنسان، وما ينتقص منها،وبذلك فاننا نحتاج عصرنة، تحفظ للإنسان حقه في التطور، دون أن تسلبه حقه في التأمل، وتمنحه أدوات التواصل ،دون أن تحرمه دفء اللقاء الحي، وتفتح أمامه آفاق المستقبل ،دون أن تقطع صلته بجذوره.

فالعصرنة ليست قدراً ينبغي الاستسلام لكل تداعياته، وإنما يبنغي أن تكون مشروعا إنسانيا ،يكون الإنسان غايته بالدرجة الأولى ، حتى لا يصبح صخبها بالمحصلة،أكبر من قدرتنا على الإصغاء إلى ذواتنا، ويتحول التقدم عندئذ ،من وعد بالتحرر،إلى حالة من القلق،والضياع، والاستلاب.



#نايف_عبوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاعلامي محمد الجبوري..قلم ظريف وفكرة ساخرة
- ابراهيم حسين عگلة..حين يفيض الوجدان الريفي شعرا
- وجع الأديب إبراهيم المحجوب..بين عابر سبيل أحلام مستغانمي ووط ...
- تجليات شلهوب.. وانثيالات شاعر البادية محمود حمادي الهندي حين ...
- كبريت المشراق.. خبزة الديرة ورافد الاقتصاد الوطني
- الفنان أحمد عزيز.. إبداع النظم والعزف والاداء
- الشاعر المبدع أبو كوثر.. بين عسعسة الليل وفجر طال انتظاره
- الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه
- الانغماس في الفضاء الرقمي.. ضياع واستلاب
- من دفء المجالس إلى عزلة الشاشة الزرقاء
- الفلسفة..رحلة الشك نحو اليقين
- الموروث الشعبي..بين اصالة الذاكرة وتحديات العصرنة
- رقمنة الدماغ...وفقدان الحس المرهف والمشاعر الجياشة
- لماذا تسكننا الذكريات؟
- مخرجات التعليم..وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل
- التعالق مع المكان في الغناء الريفي
- حين كانت الدراسة رحلة معاناة
- الشاعر المبدع أبو كوثر..حين تهاجر الروح مع أسراب القطا
- تجليات الجمال..بين الحس المرهف والبلادة
- قصص القرآن الكريم..روعة القص وثراء الدروس المستنبطة


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نايف عبوش - عصرنة صاخبة..قلق الانسان وضياع الذات