أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نايف عبوش - جدلية الزمن..بين ذاكرة الماضي ووهج الحاضر وافق المستقبل














المزيد.....

جدلية الزمن..بين ذاكرة الماضي ووهج الحاضر وافق المستقبل


نايف عبوش

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 13:03
المحور: قضايا ثقافية
    


  جدلية الزمن.. بين ذاكرة الماضي ووهج الحاضر وأفق المستقبل


نايف عبوش


لا شيء كالزمن يرافق الإنسان في رحلته في الحياة،فهو ملازم له، يصل الأمس باليوم، واليوم بالغد. 


ويمضي الزمن بصمت، لا يتوقف قطاره لأحد، ولا يعود إلى الوراء، لكنه مع ذلك يترك في الذاكرة آثاراً لا تمحوها السنون، ويمنح الحاضر فرصاً لا تتكرر، ويفتح للمستقبل افاقا تظل واعدة أمام تطلعات الإنسان وأحلامه.


ومن هنا تنشأ جدلية الزمن في حياة الإنسان، ماض يستذكر، وحاضر يعاش، ومستقبل ينتظر. وبين هذه الأبعاد الثلاثة تتشكل تجربة الإنسان، فهو لا يستطيع أن يعيش الحاضر بمعزل عن ذاكرته، ولا أن يتطلع إلى المستقبل من دون الاستفادة من دروس الماضي، كما لا يمكن للمستقبل أن يصبح واقعاً ملموسا ،ما لم يحسن استثمار لحظته الراهنة.


وهكذا فالماضي ليس مجرد صفحات مطوية في كتاب العمر، وإنما هو جزء من تكوين الإنسان ووعيه. ففيه عاش الإنسان الطفولة، وملامح ربوع النشاة الأولى، ووجوه الأحبة، ومواقف الفرح والحزن، والانتصارات والانكسارات.ولذلك يلاحظ ان الإنسان كثيراً ما يعود إلى ماضيه، لا ليعيش فيه من جديد، وإنما ليستمد منه درساً للفائدة،أو ليستشعر حسا بالأمان.


غير أن استذكار الماضي قد يتحول أحياناً إلى إقامة دائمة في زمن مضى. وهنا تكمن المفارقة، فالذاكرة تظل جميلة حين تمنح الانسان الحكمة، لكنها تصبح عبئاً حين تمنعه من رؤية الحاضر.


 على أنه ليس المطلوب أن نهجر الماضي، أو نتنكر له، بل المطلوب أن نضعه في مكانه الصحيح،ليكون ذاكرة نستفيد منها الدروس والعبر، لا سجناً نقيم فيه.


أما بشان الحاضر ،فهو الزمن الوحيد الذي نملكه، ونعيشه في اللحظة فعلياً. بينما الماضي أصبح تجربة غنية بالدروس، والمستقبل لم يأت بعد، وبالتالي فإن الحاضر ،هو الفسحة التي نستطيع خلالها أن نفكر، ونعمل،ونختار ،ونغير. ومع ذلك، فكثيراً ما يفقد الإنسان قيمة الحاضر، لأنه منشغل بما مضى،أو ينتابه قلق مما سيأتي..


وهكذا فإن عيش الحاضر لا يعني الانقطاع عن الماضي ،أو تجاهل المستقبل، وإنما يعني أن نمنح اللحظة الراهنة ما تستحق من الانتباه، والوعي، والاهتمام. فالحاضر هو الورشة التي يصنع فيها المستقبل، والمستقبل هو المجال الذي نستطيع من خلاله أن نصالح أنفسنا مع الماضي أيضا.


ويظل المستقبل، أكثر أزمنة الإنسان إثارة للقلق، والأمل، في آن واحد، فهو ذلك المجهول الذي لا نعرف تفاصيله، لكنه يظل حاضراً في تفكيرنا وتخطيطنا. ولعل من طبيعة الإنسان أن يتطلع إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، وأن يحلم بغد أفضل، وأن يترك للأجيال اللاحقة ما هو أجمل مما ورثه.


على أن التطلع إلى المستقبل ينبغي ألا يتحول إلى قلق دائم. فالمستقبل لا يمكن امتلاك ناصيته قبل حلول أوانه، وإنما يمكن التهيؤ، والاستعداد له. ولعل من الحكمة أن نخطط للغد، دون أن نفسد جمال اليوم، بالخوف من المستقبل.


ولاريب ان أجمل ما في جدلية الزمن أن أبعاده الثلاثة ليست متنافرة، بل هي سلسلة متكاملة. فالماضي يمنحنا الجذور، والحاضر يمنحنا القدرة على الفعل، والمستقبل يمنحنا الدافع إلى الاستمرار. وبالتالي فإنه إذا ما اختل التوازن بين تلك الابعاد، اختلت علاقتنا بالحياة نفسها.فالإنسان الذي يعيش في الماضي وحده ،قد يصبح أسير الحنين، والذي يعيش للحاضر وحده، قد يفقد القدرة على التخطيط، والذي يهرب دائماً إلى المستقبل، قد لا يلتفت إلى ما بين يديه من فرص متاحة للانتفاع منها في اللحظة . أما الإنسان المتوازن ،فهو الذي يحمل ذاكرته معه، ويعيش حاضره بوعي، وينظر إلى المستقبل بأمل واقعي، وتطلع رشيد.


ولاشك أنه ليس من الحكمة أن نحاول إيقاف الزمن، فهذا أمر مستحيل بالطبع، ولا في أن نطارد الماضي لاستعادته، فهو لا يعود قطعا، ولا في أن نستبق المستقبل قبل أن يأتي، وإنما في أن نتعلم فن التعامل مع الأزمنة الثلاثة برشد،وذلك بأن نحترم الماضي، ونحسن عيش الحاضر، ونستعد للمستقبل على أفضل نحو.


وهكذا نجد إن الزمن، في نهاية المطاف، ليس مجرد مرور أيام ،وتوالي شهور، وسنوات تتعاقب، بل هو تجربة إنسانية تتشكل داخل ذواتنا، بقدر ما تمر من حولنا، وبالتالي فأن كل يوم يمضي يأخذ معه شيئاً من أعمارنا، لكنه في الوقت ذاته يضيف إلى وعينا، تجربة جديدة، ويمنحنا فرصة أخرى لفهم الحياة، والذات، والآخر.


ومن هنا، فإن الموقف الصحيح الذي يمكن أن نتخذه في تعايشنا مع الزمن، هو أن ننظر إلى الماضي بامتنان، لا بحسرة، وإلى الحاضر بوعي، لا بغفلة، وإلى المستقبل بأمل، لا بخوف. فالأمس قد انتهى إلى الأبد، والغد لم يأتِ بعد، أما اليوم فهو الفرصة الوحيدة التي بين أيدينا.فلنحسن اذن عيشه على أفضل نحو ،قبل أن يمضي بنا،ويصبح هو الآخر، ماضياً نستذكره.



#نايف_عبوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمد عزيز..حين يصبح البئر ينبوعا للأحزان
- عصرنة صاخبة..قلق الانسان وضياع الذات
- الاعلامي محمد الجبوري..قلم ظريف وفكرة ساخرة
- ابراهيم حسين عگلة..حين يفيض الوجدان الريفي شعرا
- وجع الأديب إبراهيم المحجوب..بين عابر سبيل أحلام مستغانمي ووط ...
- تجليات شلهوب.. وانثيالات شاعر البادية محمود حمادي الهندي حين ...
- كبريت المشراق.. خبزة الديرة ورافد الاقتصاد الوطني
- الفنان أحمد عزيز.. إبداع النظم والعزف والاداء
- الشاعر المبدع أبو كوثر.. بين عسعسة الليل وفجر طال انتظاره
- الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه
- الانغماس في الفضاء الرقمي.. ضياع واستلاب
- من دفء المجالس إلى عزلة الشاشة الزرقاء
- الفلسفة..رحلة الشك نحو اليقين
- الموروث الشعبي..بين اصالة الذاكرة وتحديات العصرنة
- رقمنة الدماغ...وفقدان الحس المرهف والمشاعر الجياشة
- لماذا تسكننا الذكريات؟
- مخرجات التعليم..وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل
- التعالق مع المكان في الغناء الريفي
- حين كانت الدراسة رحلة معاناة
- الشاعر المبدع أبو كوثر..حين تهاجر الروح مع أسراب القطا


المزيد.....




- الأخوان تيت.. من بذخ وطائرات خاصة ومجوهرات إلى الحبس الانفرا ...
- من المدينة المحرّمة.. مزهرية من عهد أسرة تشينغ سبقت عصرها بـ ...
- وفاة -الملك البحّار- هارالد الخامس بعد 35 عاما بعرش النرويج. ...
- شاهد.. عائلات تبحث بين صور الجثث عن أحبائها بعد كارثة نيبال ...
- سوريا.. قتلى وتوتر أمني وحظر تجوال بعد هجوم على الأهالي في ج ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة 10 بهجوم مسيرات أوكرانية
- المسح الجيولوجي الأمريكي يغير اسم بحيرة أونتاريو بأمر من ترا ...
- لافروف وسفير مصر يبحثان التعاون بين موسكو والقاهرة
- فيديوهات جديدة لانتشال ناجين من فيضانات نيبال
- الإخبارية السورية: مقتل شخصين في انفجار قنبلة يدوية أمام مبن ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نايف عبوش - جدلية الزمن..بين ذاكرة الماضي ووهج الحاضر وافق المستقبل