|
|
الأرغون | الغاز النبيل الخامل الذي يملأ الكون ويحمي اللحامات ويضيء المستقبل - من أعماق الغلاف الجوي إلى أبحاث المادة المظلمة
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:19
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
يأتي الأرغون، الذي يحمل الرمز Ar والعدد الذري 18، ثامن عشر العناصر في الجدول الدوري، وهو ثالث الغازات النبيلة في المجموعة الثامنة عشرة، ويقع في الدورة الثالثة بعد النيون مباشرة. الأرغون هو الغاز النبيل الأكثر وفرة على سطح الأرض على الإطلاق، حيث يشكل ما يقرب من 0.934 بالمئة من حجم الغلاف الجوي، وهو بذلك ثالث أكثر الغازات وفرة في الهواء الذي نتنفسه بعد النيتروجين والأكسجين، متفوقاً على ثاني أكسيد الكربون بخمسة وعشرين ضعفاً، وعلى النيون بأكثر من خمسمائة ضعف. الكتلة الذرية للأرغون هي 39.948 غراماً لكل مول، وهو بذلك أثقل من الهواء الجوي بنحو 1.4 مرة، مما يجعله يتراكم في المنخفضات والقباب والآبار العميقة عند تسربه، وهي خاصية فيزيائية محورية سنعود إليها مراراً عند الحديث عن تطبيقاته الصناعية. كثافة الأرغون الغازي عند درجة حرارة الغرفة والضغط الجوي تبلغ 1.784 غراماً لكل لتر، أما كثافته السائلة عند نقطة الغليان فتبلغ 1.3954 غراماً لكل سنتيمتر مكعب، وهي كثافة أعلى من كثافة الأكسجين السائل والنيتروجين السائل، مما يجعله سائلاً ثقيلاً نسبياً في عالم التبريد المبرد. نقطة انصهار الأرغون هي 189.34 درجة مئوية تحت الصفر، أي 83.81 كلفن، ونقطة غليانه 185.85 درجة مئوية تحت الصفر، أي 87.30 كلفن، وهي قيم قريبة جداً من بعضها البعض، مما يعكس ضعف القوى الجزيئية بين ذرات الأرغون الأحادية. النقطة الثلاثية للأرغون، وهي النقطة التي يتعايش عندها الصلب والسائل والغاز في توازن تام، تقع عند درجة حرارة 83.8058 كلفن، وهي درجة حرارة معتمدة دولياً كنقطة مرجعية ثابتة في مقياس الحرارة الدولي لعام 1990، مما يجعل الأرغون عنصراً محورياً في علم القياس الحراري الدقيق.
الأرغون هو الغاز النبيل الذي يجمع بين الوفرة النسبية والخمول المطلق، وبين الدور الكوني العميق والدور الصناعي اليومي. هو الغاز الذي يملأ المصابيح المتوهجة ليحمي فتيلها التنغستني من التبخر، وهو الذي يحمي برك اللحام من الأكسدة والنيترة في صناعة السفن والطائرات وأنابيب النفط، وهو الذي يبرد مغناطيسات أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي فائقة التوصيل، وهو الذي يملأ غرف التصوير في تجارب المادة المظلمة التي تبحث عن أعمق أسرار الكون. الأرغون هو العنصر الذي يحمل اسماً يونانياً يعني "الكسول" أو "الخامل"، لأنه يرفض التفاعل مع أي شيء تقريباً، لكنه في نفس الوقت هو العنصر الذي يبني الجسور بين فروع العلم المختلفة، من الكيمياء التحليلية إلى الفيزياء الفلكية إلى الطب الحديث. قصة الأرغون هي قصة تطور الكيمياء من الاعتقاد بأن الغازات النبيلة خاملة تماماً، إلى اكتشاف أن حتى أكثر العناصر خمولاً يمكن أن تتفاعل تحت ظروف قاسية، مما أدى إلى ثورة في فهمنا للرابطة الكيميائية.
قصة اكتشاف الأرغون هي واحدة من أكثر القصص العلمية إثارة في تاريخ الكيمياء، لأنها بدأت بملاحظة دقيقة حول فرق صغير في الكثافة، وانتهت باكتشاف مجموعة كاملة من العناصر لم تكن معروفة من قبل. في عام 1785، أجرى هنري كافنديش، مكتشف الهيدروجين، تجربة دقيقة على الهواء الجوي، حيث مرر شرارات كهربائية عبر خليط من الهواء والأكسجين، ثم امتص الغازات الناتجة في محلول قلوي، وكرر العملية عدة مرات حتى تبقى غاز صغير لا يتفاعل. لاحظ كافنديش أن هذا الغاز المتبقي يشكل حوالي 1 على 120 من حجم الهواء الأصلي، وأنه لا يتفاعل مع الأكسجين ولا مع أي شيء آخر، لكنه لم يتمكن من تحديد هويته، واكتفى بالإشارة إلى أنه قد يكون غازاً جديداً. بقيت هذه الملاحظة المهمة مهملة لأكثر من قرن من الزمان، حتى جاء جون ويليام ستروت، اللورد رايلي، وهو فيزيائي إنجليزي بارز وأستاذ في جامعة كامبريدج، وأعاد إجراء تجارب دقيقة على كثافة الغازات. في عام 1892، نشر رايلي نتائج قياساته لكثافة النيتروجين المستخلص من الهواء الجوي، وقارنها بكثافة النيتروجين المحضر كيميائياً من تحلل الأمونيا أو أكاسيد النيتروجين، ولاحظ أن النيتروجين الجوي أثقل قليلاً من النيتروجين الكيميائي، بفارق يقدر بحوالي 0.5 بالمئة. أثار هذا التناقض حيرة رايلي، فنشر نداءً في مجلة الطبيعة يسأل فيه الكيميائيين عن تفسير لهذا التناقض. استجاب لهذا النداء ويليام رامزي، الكيميائي الاسكتلندي الشاب الذي كان قد اكتشف للتو غاز الأرغون بالتعاون مع رايلي، واقترح أن سبب هذا الاختلاف هو وجود غاز آخر أثقل من النيتروجين مختلط به في الهواء. في عام 1894، قام رايلي ورامزي بتجربة حاسمة، حيث تعرضا كمية كبيرة من الهواء الجوي لتفاعلات كيميائية متتالية لإزالة الأكسجين وبخار الماء وثاني أكسيد الكربون، ثم مررا الغاز المتبقي على المغنيسيوم الساخن ليتحد النيتروجين معه مكوناً نيتريد المغنيسيوم، فتبقى غاز خامل لا يتفاعل مع أي شيء. عند تحليل هذا الغاز بالمطياف الذري، وجدا خطوطاً طيفية جديدة لم تكن معروفة من قبل، تتألف من خطوط حمراء وزرقاء عديدة. أدرك رايلي ورامزي أنهما اكتشفا عنصراً جديداً، وأطلقا عليه اسم "أرغون" من الكلمة اليونانية "أرجون" التي تعني "الخامل" أو "الكسول"، إشارة إلى رفضه التام للتفاعل الكيميائي. أعلن العالمان اكتشافهما في 31 يناير 1895 في اجتماع للجمعية الملكية في لندن، وكان هذا الاكتشاف بمثابة زلزال في عالم الكيمياء، لأنه أظهر وجود عائلة كاملة من العناصر لم يكن للكيميائيين أدنى علم بها. حصل رايلي على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1904 لاكتشافه الأرغون، وحصل رامزي على جائزة نوبل في الكيمياء في نفس العام لاكتشافاته للغازات النبيلة الأخرى. كانت اكتشافات رايلي ورامزي إيذاناً ببدء عصر جديد في الكيمياء، حيث أصبح من الواضح أن الجدول الدوري يحتوي على عمود كامل من العناصر الخاملة التي لم تكن معروفة من قبل، وأن الغلاف الجوي ليس مجرد خليط من النيتروجين والأكسجين وبخار الماء وثاني أكسيد الكربون، بل يحتوي على مجموعة متنوعة من الغازات النادرة التي تشكل جزءاً صغيراً لكنه حيوي من التركيب الجوي.
من ناحية الوفرة الطبيعية والتوزيع، الأرغون هو الغاز النبيل الأكثر وفرة في القشرة الأرضية والغلاف الجوي، حيث يشكل 0.934 بالمئة من حجم الهواء الجاف، أي 9,340 جزءاً في المليون، وهو ثالث أكثر الغازات الجوية وفرة بعد النيتروجين (78.08 بالمئة) والأكسجين (20.95 بالمئة). هذا التركيز المرتفع نسبياً للأرغون في الغلاف الجوي الأرضي هو ظاهرة فريدة بين الغازات النبيلة، لأن الأرغون هو الغاز النبيل الوحيد الذي ينتج بكميات كبيرة من الاضمحلال الإشعاعي الطبيعي في القشرة الأرضية. يتشكل الأرغون-40، الذي يشكل 99.6 بالمئة من الأرغون الأرضي، من الاضمحلال الإشعاعي للبوتاسيوم-40، وهو نظير مشع طبيعي موجود في جميع الصخور والمعادن المحتوية على البوتاسيوم، وله عمر نصف يقدر بـ 1.248 مليار سنة. عندما يضمحل البوتاسيوم-40، فإنه يتحول إلى الكالسيوم-40 في حوالي 89.28 بالمئة من الحالات عن طريق اضمحلال بيتا، وإلى الأرغون-40 في حوالي 10.72 بالمئة من الحالات عن طريق التقاط الإلكترون. هذا يعني أن كل قطعة من الغرانيت أو البازلت أو الصخر الطيني تحتوي على كميات ضئيلة من الأرغون-40 المحبوسة في شبكتها البلورية، والتي تتسرب ببطء شديد إلى الغلاف الجوي عبر العصور الجيولوجية. لهذا السبب، فإن الأرغون-40 هو النظير الأكثر وفرة في الغلاف الجوي الأرضي، على عكس النظائر 36Ar و 38Ar التي تكون أكثر وفرة في الكون وفي الغلاف الجوي للكواكب الخارجية. في الكون، وعلى عكس الأرض، فإن الأرغون-36 هو النظير الأكثر وفرة، حيث يتشكل في المستعرات الأعظمية من خلال عملية التخليق النووي النجمي، وتصل نسبة 36Ar إلى 38Ar إلى 40Ar في الغلاف الجوي للمشتري وزحل حوالي 8400 إلى 1600 إلى 1، مما يدل على أن هذه الكواكب احتفظت بأرغونها البدائي من السديم الشمسي، بينما فقدت الأرض معظم أرغونها البدائي بسبب حرارتها العالية في بدايتها. في القشرة الأرضية، الأرغون نادر جداً، حيث يشكل حوالي 0.00015 بالمئة من كتلة القشرة، أي 1.5 جزء في المليون، وهو بذلك أقل وفرة من النيون والهيليوم في بعض الصخور، لكنه أكثر وفرة في الغلاف الجوي. في جسم الإنسان، لا يوجد دور بيولوجي معروف للأرغون، فهو غاز خامل تماماً ولا يشارك في أي تفاعل كيميائي حيوي، ولا يحتاجه الجسم لأي وظيفة فسيولوجية، لكنه موجود بكميات ضئيلة في الدم والأنسجة بسبب ذوبانه من الهواء المستنشق.
بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للأرغون، نجد غازاً نبيلاً نموذجياً يتمتع ببنية إلكترونية مغلقة تماماً. ترتيبه الإلكتروني هو [Ne] 3s² 3p⁶، أي أن غلافه الخارجي مكتمل بثمانية إلكترونات، مما يمنحه استقراراً إلكترونياً تاماً وخمولاً كيميائياً استثنائياً. نصف القطر الذري للأرغون (نصف قطر فان دير فالس) يبلغ 188 بيكومتر، وهو أكبر من نصف قطر النيون (154 بيكومتر) وأصغر من نصف قطر الكريبتون (202 بيكومتر)، مما يعكس الزيادة التدريجية في الحجم الذري عند النزول في مجموعة الغازات النبيلة. طاقة التأين الأولى للأرغون هي 1520.6 كيلوجول لكل مول، وهي أقل من طاقة تأين النيون (2080.7) والهيليوم (2372.0)، ولكنها أعلى من طاقة تأين الكريبتون (1350.8) والزينون (1170.4)، مما يعني أن الأرغون أكثر خمولاً من الغازات النبيلة الأثقل، ولكنه أقل خمولاً من الغازات الأنيقة الأخف. طاقة التأين الثانية للأرغون هي 2665.8 كيلوجول لكل مول، والثالثة 3930.8 كيلوجول لكل مول، وهي قيم عالية تجعل تشكيل أيونات الأرغون الموجبة عملية صعبة تتطلب طاقة كبيرة. الميل الإلكتروني للأرغون قريب من الصفر أو حتى سالب، مما يعني أنه لا يميل إلى اكتساب إلكترون إضافي لتكوين أيون سالب مستقر. السالبية الكهربية للأرغون لا تُقاس عادة لأن العنصر لا يشكل روابط كيميائية مستقرة، لكن بعض المصادر تضعها في حدود 3.2 على مقياس باولنغ المعدل. الأرغون غاز عديم اللون والطعم والرائحة، وهو غير سام في ذاته، لكنه يمكن أن يسبب الاختناق إذا حل محل الأكسجين في هواء التنفس بتراكيز عالية، وهو خطر حقيقي في الأماكن المغلقة التي تستخدم الأرغون كغاز واقٍ، مثل غرف اللحام والمختبرات. الأرغون لا يشتعل ولا يدعم الاحتراق، وهو ثقيل نسبياً، مما يجعله يتراكم في المناطق المنخفضة عند تسربه.
من الخواص الفيزيائية المهمة للأرغون موصليته الحرارية المنخفضة نسبياً، حيث تبلغ 0.0178 واط لكل متر لكل كلفن عند 300 كلفن، وهي أقل من موصلية الهيليوم (0.1499) والنيون (0.0491) والنيتروجين (0.0260)، مما يجعله عازلاً حرارياً جيداً نسبياً، وهذه الخاصية هي التي تجعله مثاليًا كغاز حشو في النوافذ الزجاجية المزدوجة والثلاثية، حيث يقلل من انتقال الحرارة بين الطبقات الزجاجية ويحسن كفاءة العزل الحراري للمباني. في الوقت نفسه، موصلية الأرغون المنخفضة تجعله أقل كفاءة من الهيليوم في تطبيقات التبريد العميق، لأن الهيليوم ينقل الحرارة بشكل أسرع بكثير. الأرغون قابل للذوبان في الماء بمعدل أعلى من النيتروجين، حيث تبلغ ذائبيته في الماء حوالي ضعف ذائبية النيتروجين، وهي قريبة من ذائبية الأكسجين. هذا يعني أن الأرغون يذوب في الدم والأنسجة بنفس معدل الأكسجين تقريباً، وهذه الخاصية هي التي جعلت الأرغون محط اهتمام في الطب، حيث يدرس كغاز تخدير محتمل وكعامل وقاية عصبية. معامل الانكسار للأرغون الغازي قريب من معامل انكسار الهواء (1.00028 عند الضغط الجوي)، لكنه يزداد بشكل ملحوظ عند الضغوط العالية، مما يجعل الأرغون المضغوط يستخدم في بعض التطبيقات البصرية. الأرغون السائل له خواص بصرية مميزة، حيث يمكن استخدامه في كاشفات الجسيمات لأن الأرغون السائل شفاف للضوء المرئي وفوق البنفسجي، ويصدر وميضاً ضوئياً عند تفاعله مع الإشعاعات المؤينة. كثافة الأرغون السائل (1.3954 غرام لكل سنتيمتر مكعب عند نقطة الغليان) أعلى من كثافة الماء (1.00)، مما يجعله سائلاً ثقيلاً نسبياً، وهذه الكثافة العالية تجعله مثالياً لاستخدامه كهدف في كاشفات الجسيمات، لأن ذراته الكثيفة تزيد من احتمال تفاعل الجسيمات الواردة معه. نقطة التجمد ونقطة الغليان للأرغون قريبتان من بعضهما البعض (83.81 كلفن و 87.30 كلفن على التوالي)، مما يعني أن الأرغون السائل لديه نطاق سائل ضيق نسبياً، وهذا يجعل التعامل معه كسائل مبرد أمراً يتطلب تحكماً دقيقاً في درجات الحرارة.
الخواص الكيميائية للأرغون هي الأكثر إثارة للاهتمام، لأن الأرغون كان لسنوات طويلة يعتبر العنصر الخامل تماماً الذي لا يشكل أي مركبات كيميائية على الإطلاق. لكن هذا الاعتقاد اهتز بشكل تدريجي في العقود الأخيرة، حيث أثبت الكيميائيون أن الأرغون قادر على تشكيل مركبات تحت ظروف استثنائية. الأرغون لا يتفاعل مع أي عنصر أو مركب في الظروف القياسية من درجة الحرارة والضغط، ولا يشكل أكاسيد أو هاليدات أو أي مركبات مستقرة. لكن عند درجات حرارة منخفضة جداً، يمكن للأرغون أن يشكل هيدرات كلاثرات، وهي مركبات تتشكل عندما تحاصر ذرات الأرغون في فراغات الشبكة البلورية للجليد. تتشكل هيدرات الأرغون عند درجات حرارة تصل إلى 183 درجة مئوية تحت الصفر، حيث يتفاعل الأرغون مع بلورات الجليد ويحتل الفراغات في شبكته، مما يثبت الشبكة ويسمح بتشكيل هيدرات مستقرة نسبياً. تتخذ هيدرات الأرغون بنية بلورية من النوع الثاني (sII)، وهو أمر مثير للاهتمام لأن الأرغون أصغر من الميثان والزينون، ومع ذلك يشكل بنية sII بدلاً من sI، مما يشير إلى أن حجم الذرة وحده لا يحدد بنية الكلاثرات. هناك أيضاً مركبات الأرغون الداخلية، حيث يتم احتجاز ذرة أرغون داخل جزيء كربوني كروي، لكن هذه المركبات نادرة وتتطلب ظروفاً خاصة. في عام 2000، تمكن فريق من الباحثين من تحضير مركب HArF، وهو أول مركب أرغون مستقر نسبياً، حيث يرتبط الأرغون بالهيدروجين والفلور. تم تحضير هذا المركب في مصفوفة صلبة من الهيدروجين المجمد عند درجة حرارة 7 كيلوفن، حيث تعرض خليط من الفلور والهيدروجين والأرغون للأشعة فوق البنفسجية، مما أدى إلى تكوين جزيء HArF الذي يمكن تمييزه بواسطة مطيافية الأشعة تحت الحمراء. مركب HArF هو مستقر فقط عند درجات حرارة منخفضة جداً، ويتحلل عند رفع درجة الحرارة فوق 27 كلفن. تحت ضغوط عالية جداً، تتجاوز ملايين الضغوط الجوية، يمكن للأرغون أن يتفاعل مع الفلزات لتشكيل مركبات بين فلزية، وقد اكتشفت مركبات مثل NiAr و NiAr₃ تحت ضغط 40 جيجاباسكال و 70 جيجاباسكال على التوالي. في الفضاء بين النجمي، تم الكشف عن أيونات الأرغون مثل ArH⁺ و ArH₂⁺، وهي أيونات تتشكل تحت ظروف تفاعلية في السدم بين النجمية، وهي دليل على أن الأرغون ليس خاملاً في جميع الظروف. هذه الاكتشافات لا تغير من حقيقة أن الأرغون عملياً خامل في جميع التطبيقات العملية، لكنها تظهر أن مفهوم "الخمول" نسبي وليس مطلقاً، وأن حتى العناصر الأكثر استقراراً يمكن أن تتفاعل تحت ظروف قاسية.
من ناحية النظائر، الأرغون الطبيعي يتكون من ثلاثة نظائر مستقرة: أرغون-36 (36Ar) بنسبة 0.334 بالمئة، وأرغون-38 (38Ar) بنسبة 0.0630 بالمئة، وأرغون-40 (40Ar) بنسبة 99.603 بالمئة. هذا التوزيع النظائري غريب جداً، لأن النظير الأثقل هو الأكثر وفرة بشكل ساحق، وهو ناتج عن أن الأرغون-40 يتشكل باستمرار من الاضمحلال الإشعاعي للبوتاسيوم-40 في القشرة الأرضية، بينما الأرغون-36 والأرغون-38 هما من أصل كوني بدائي. الأرغون-36 هو النظير الأكثر وفرة في الكون وفي الغلاف الجوي للكواكب الخارجية، حيث يتشكل في المستعرات الأعظمية، لكنه نادر نسبياً على الأرض لأن الأرض فقدت معظم أرغونها البدائي بسبب حرارتها العالية في بدايتها. الأرغون-39 هو نظير مشع طبيعي يوجد بكميات ضئيلة جداً في الغلاف الجوي، وينتج من تفاعل الأشعة الكونية مع الأرغون-40، وعمر نصفه يبلغ 269 سنة، ويستخدم في تأريخ المياه الجوفية والجليد القطبي. الأرغون-37 هو نظير مشع آخر عمر نصفه 35.1 يوماً، وينتج من تفاعل النيوترونات مع الكالسيوم-40 في القشرة الأرضية، ويستخدم في الكشف عن التجارب النووية تحت الأرض. الأرغون-41 هو نظير مشع قصير العمر (109.6 دقيقة) ينتج في المفاعلات النووية، ويستخدم في الكشف عن التسربات في المفاعلات والتدفق النيوتروني. الأرغون-42 هو نظير مشع طويل العمر نسبياً (32.9 سنة) ينتج في المفاعلات النووية، ويستخدم في أبحاث الفيزياء النووية. توجد أيضاً نظائر مشعة أخرى للأرغون قصيرة العمر تنتج في المسرعات النووية، لكن ليس لها تطبيقات عملية تذكر.
من أهم تطبيقات نظائر الأرغون في العلوم الجيولوجية هو التأريخ بالبوتاسيوم-أرغون، وهي تقنية تعتمد على قياس نسبة الأرغون-40 إلى البوتاسيوم-40 في الصخور والمعادن لتحديد عمرها الجيولوجي. عندما تتشكل الصخور البركانية، فإنها تحتوي على البوتاسيوم-40 ولكنها لا تحتوي على الأرغون-40، لأن الأرغون يتسرب من الصهارة الساخنة. بعد تصلب الصخر، يبدأ البوتاسيوم-40 في الاضمحلال إلى الأرغون-40، الذي يتراكم داخل الشبكة البلورية للمعادن مثل الميكا والفلسبار والأمفيبول. بقياس كمية الأرغون-40 المتراكمة وكمية البوتاسيوم-40 المتبقية، يمكن حساب عمر الصخر بدقة تصل إلى 0.1 بالمئة باستخدام طريقة الأرغون-أرغون، التي تتضمن تشعيع العينة بالنيوترونات لتحويل البوتاسيوم-39 إلى أرغون-39، الذي يعمل كبديل قياسي للبوتاسيوم. استخدامات التأريخ بالبوتاسيوم-أرغون واسعة جداً، وتشمل تأريخ الصخور البركانية والنيازك والرواسب البحرية والعظام الأحفورية، ودراسة تطور الحياة على الأرض والانقراضات الجماعية والتغيرات المناخية القديمة. كما يستخدم الأرغون في الكشف عن التجارب النووية تحت الأرض من خلال مراقبة نظائر الأرغون-37 والأرغون-39 التي تنتج عن التفجيرات النووية.
طرق تحضير الأرغون واستخلاصه تعتمد بالكامل على التقطير التجزيئي للهواء السائل، لأن الأرغون ليس له مصدر طبيعي آخر قابل للاستغلال تجارياً. عملية فصل الأرغون عن الهواء معقدة نسبياً لأن الأرغون له نقطة غليان وسيطة بين نقطة غليان الأكسجين (90.19 كلفن) ونقطة غليان النيتروجين (77.36 كلفن)، مما يعني أنه يتجمع في المنطقة الوسطى من أعمدة التقطير. في محطات فصل الهواء التقليدية، يتصاعد النيتروجين أولاً من قمة العمود، ثم يليه الأرغون، ثم الأكسجين من القاع، لكن الفرق في درجات الغليان بين الأرغون والأكسجين صغير جداً (حوالي 3 كلفن فقط)، مما يجعل الفصل الكامل صعباً ويتطلب أعمدة تقطير إضافية طويلة. لاستخلاص الأرغون النقي، تضاف إلى محطة فصل الهواء عمود أرغون جانبي، حيث يُسحب خليط غني بالأرغون من عمود الضغط المنخفض، ويُقطر في عمود منفصل لإزالة الأكسجين المتبقي. ينتج عن هذه العملية أرغون خام بنقاوة تتراوح بين 95 و 98 بالمئة، مع شوائب من الأكسجين والنيتروجين. لتنقية الأرغون أكثر، يمرر الأرغون الخام على حفاز من النحاس الساخن لإزالة الأكسجين، ثم على غربال جزيئي لإزالة النيتروجين وبخار الماء، ويمكن الحصول على أرغون عالي النقاوة (99.9999 بالمئة) باستخدام تقنيات التنقية المتقدمة. الإنتاج العالمي من الأرغون يبلغ حوالي 700,000 إلى 800,000 طن سنوياً، وهو بذلك ثاني أكثر الغازات النبيلة إنتاجاً بعد الهيليوم، ومعظم هذا الإنتاج يأتي كمنتج ثانوي من محطات فصل الهواء التي تنتج الأكسجين والنيتروجين بكميات أكبر بكثير. تكلفة إنتاج الأرغون تعتمد على حجم محطة فصل الهواء وكفاءتها، لكنه عادة ما يكون أرخص من الهيليوم والنيون والكريبتون والزينون، لأنه أكثر وفرة في الهواء. العائق الرئيسي أمام إنتاج الأرغون هو أن استخلاصه يتطلب استثمارات إضافية في أعمدة التقطير والتنقية، مما يجعله مجدياً اقتصادياً فقط في محطات فصل الهواء الكبيرة التي تنتج كميات ضخمة من الأكسجين والنيتروجين.
الدور البيولوجي للأرغون هو من أكثر المواضيع إثارة للاهتمام في الكيمياء الحيوية والطب الحديث، لأن الأرغون، كما ذكرنا، لا يشارك في أي تفاعل كيميائي حيوي ولا يحتاجه الجسم لأي وظيفة فسيولوجية. لكن في العقود الأخيرة، اكتشف الباحثون أن الأرغون، رغم خموله الكيميائي، يمكن أن يكون له تأثيرات بيولوجية مهمة عند استنشاقه بتراكيز معينة. في عام 2010، نشر فريق من الباحثين في مجلة "كريتيكال كير" مراجعة شاملة عن استخدام الغازات النبيلة في التخدير والوقاية العصبية، وأظهرت الدراسة أن الأرغون يمكن أن يكون له تأثيرات وقائية على الأعضاء والأنسجة في حالات نقص التروية وإعادة التروية، وهي الحالات التي تحدث عندما يتوقف تدفق الدم إلى عضو ما ثم يعود، مما يسبب ضرراً أكبر من نقص التروية نفسه. وجد الباحثون أن استنشاق الأرغون بتركيز 50 إلى 70 بالمئة يمكن أن يقلل من حجم احتشاء عضلة القلب في النماذج الحيوانية، ويحمي الدماغ من الضرر الناتج عن نقص الأكسجين، ويقلل من الالتهاب والإجهاد التأكسدي. الآلية الدقيقة لهذا التأثير الوقائي غير مفهومة تماماً، لكن يُعتقد أن الأرغون يمكن أن يؤثر على التعبير الجيني لبعض البروتينات الواقية، أو أن يثبط مسارات الإشارات المؤيدة للالتهاب، أو أن يحفز إنتاج أكسيد النيتريك الذي يوسع الأوعية الدموية. في عام 2016، بدأت تجارب سريرية على البشر لاختبار فعالية الأرغون في حماية الدماغ بعد السكتات الدماغية وحالات نقص التروية الدماغية، وفي حماية عضلة القلب أثناء جراحات القلب المفتوح. لكن هذه الدراسات لا تزال في مراحلها المبكرة، ولا توجد حتى الآن علاجات معتمدة تعتمد على الأرغون. هناك أيضاً أبحاث على استخدام الأرغون في الحفاظ على الأعضاء المتبرع بها، حيث أظهرت الدراسات أن إضافة الأرغون إلى محاليل الحفظ يمكن أن يحسن جودة الأعضاء ويزيد من فترة صلاحيتها. في طب التخدير، الأرغون ليس مخدراً قوياً مثل الزينون، لكنه يمكن أن يقلل من الحاجة إلى المخدرات الأخرى ويوفر بعض التأثيرات المسكنة عند استنشاقه بتراكيز عالية. في طب الأعماق، الأرغون ليس غازاً مفضلاً للتنفس لأنه كثيف جداً ويمكن أن يسبب تخدراً وتأثيرات ضارة عند الضغوط العالية، لكنه يدرس كإضافة صغيرة لخلطات التنفس في بعض التطبيقات المتخصصة.
التطبيقات الصناعية للأرغون هائلة ومتنوعة، وتستفيد جميعها من خموله الكيميائي الفريد، وكثافته الأعلى من الهواء، وموصليته الحرارية المنخفضة، وقدرته على إصدار ضوء مميز عند تأينه. التطبيق الأكبر والأهم للأرغون هو استخدامه كغاز واقٍ في عمليات اللحام والقطع الحراري، حيث يحيط الأرغون بمنطقة اللحام ويحمي المعدن المنصهر من التفاعل مع الأكسجين والنيتروجين وبخار الماء في الهواء. في لحام القوس الكهربائي التنغستني (TIG) ولحام القوس الكهربائي المعدني (MIG)، يتدفق الأرغون من حول قطب التنغستن أو سلك اللحام ليطرد الهواء ويخلق بيئة خاملة تمنع تشكل أكاسيد أو نيتريدات في منطقة اللحام. الأرغون هو الغاز الواقي الأكثر استخداماً في لحام الألومنيوم والمغنيسيوم والتيتانيوم والفولاذ المقاوم للصدأ والنحاس والنيكل، لأن هذه المعادن شديدة التفاعل مع الأكسجين عند درجات حرارة اللحام العالية. تستخدم مخاليط الأرغون مع الهيليوم أو ثاني أكسيد الكربون أو الأكسجين لتحسين خصائص اللحام، حيث يزيد الهيليوم من عمق الاختراق، ويزيد ثاني أكسيد الكربون من استقرار القوس، ويحسن الأكسجين من مظهر اللحام. الأرغون أيضاً يستخدم في قطع المعادن بالبلازما، حيث يمر الأرغون عبر قوس كهربائي ليتأين إلى بلازما عالية الحرارة تقطع الفولاذ والألومنيوم والفولاذ المقاوم للصدأ بسرعات عالية، وهو مفضل لقطع المعادن السميكة التي يصعب قطعها بالطرق التقليدية. كما يستخدم الأرغون كغاز واقٍ في أفران القوس الكهربائي لإنتاج التيتانيوم والزركونيوم والهافنيوم، وفي عمليات الصهر وإعادة الصهر الفراغي، وفي إنتاج السبائك الحساسة للأكسجين.
التطبيق الثاني الكبير للأرغون هو في صناعة الإضاءة. يستخدم الأرغون كغاز حشو في المصابيح المتوهجة، حيث يملأ المصباح بالأرغون لمنع تبخر فتيل التنغستن، مما يطيل عمر المصباح ويزيد من كفاءته. الأرغون هو الغاز المفضل لهذا الغرض لأنه خامل ولا يتفاعل مع الفتيل الساخن، ولأن موصليته الحرارية المنخفضة تقلل من فقدان الحرارة من الفتيل، مما يجعله أكثر كفاءة من النيتروجين. يستخدم الأرغون أيضاً في مصابيح الفلورسنت، حيث يملأ الأنبوب مع بخار الزئبق، وعند تأينه بواسطة الجهد الكهربائي يصدر ضوءاً أزرق بنفسجياً يحفز الفوسفور الموجود على جدران الأنبوب لإصدار ضوء أبيض. في مصابيح النيون، يضاف الأرغون مع النيون لإنتاج ألوان مختلفة، حيث ينتج النيون الأحمر والأرغون الأزرق، ويمكن مزجهما للحصول على ألوان البنفسجي والأبيض. كما يستخدم الأرغون في مصابيح الهاليد المعدنية، وهي مصابيح تفريغ عالية الكثافة تستخدم في إنارة الشوارع والملاعب والمصانع، حيث يعمل الأرغون كغاز بدء التشغيل وحشو. في ليزر الأرغون الأيوني، يستخدم الأرغون كوسط ليزر نشط، حيث يتأين الأرغون بواسطة تفريغ كهربائي في أنبوب ليزر ويصدر ضوءاً أزرق أخضر بأطوال موجية 488 و 514 نانومتر. ليزر الأرغون هو واحد من أكثر الليزرات الغازية استخداماً في التطبيقات الطبية والصناعية، حيث يستخدم في جراحة العيون لعلاج اعتلال الشبكية السكري والزرق والتنكس البقعي، وفي جراحة الجلد لعلاج الوحمات الدموية والوشم، وفي جراحة الأعصاب والجراحة العامة. كما يستخدم ليزر الأرغون في أجهزة الاستشعار والقياس البصري، وفي الطباعة والتصوير، وفي العروض الضوئية.
التطبيق الثالث المهم للأرغون هو في التبريد العميق والعزل الحراري. الأرغون السائل يستخدم كمبرد في تطبيقات التبريد التي تتطلب درجات حرارة بين 80 و 120 كلفن، وهو مناسب لتبريد مغناطيسات فائقة التوصيل التي تعمل عند درجات حرارة أعلى من الهيليوم السائل، مثل مغناطيسات النيوبيوم-تيتانيوم المستخدمة في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. الأرغون السائل يمتلك كثافة عالية وسعة تبريد حجمية أكبر من الهيليوم السائل، مما يجعله أكثر كفاءة في بعض التطبيقات. في كاشفات الجسيمات، يستخدم الأرغون السائل كهدف للكشف عن الجسيمات الأولية، حيث تمتلئ خزانات ضخمة بالأرغون السائل الذي يتوهج عندما تمر عبره جسيمات مشحونة أو إشعاعات. تجربة "دارك سايد 20k" هي مشروع بحثي يهدف إلى الكشف عن المادة المظلمة باستخدام 50 طناً من الأرغون السائل فائق النقاوة، وهو مشروع من المقرر أن يبدأ العمل في مختبر غران ساسو الوطني في إيطاليا. في تجارب النيوترينو، يستخدم الأرغون السائل كهدف للكشف عن تفاعلات النيوترينو بدقة عالية. في العزل الحراري، يستخدم الأرغون الغازي كغاز حشو في النوافذ الزجاجية المزدوجة والثلاثية، حيث يملأ الفراغ بين الألواح الزجاجية ويقلل من انتقال الحرارة بشكل كبير، مما يخفض تكاليف التدفئة والتبريد في المباني. الأرغون هو الغاز المفضل لهذا الغرض لأنه خامل وغير سام وله موصلية حرارية منخفضة، وهو أرخص من الكريبتون والزينون اللذين يستخدمان في النوافذ عالية الأداء. كما يستخدم الأرغون في حفظ الوثائق التاريخية والأعمال الفنية، حيث يوضع الأرغون في صناديق محكمة الإغلاق لإزالة الأكسجين وإبطاء تدهور المواد الحساسة، وقد استخدمت هذه التقنية في الحفاظ على وثائق الاستقلال الأمريكية والدستور وبيان الحقوق.
التطبيق الرابع للأرغون هو في الصناعات الإلكترونية وأشباه الموصلات. يستخدم الأرغون عالي النقاوة كغاز حامل وكغاز تخفيف في عمليات الترسيب الفيزيائي للبخار (PVD) والترسيب الكيميائي للبخار (CVD) لتصنيع الرقائق الإلكترونية. في عملية الترسيب الفيزيائي بالرش، يتم قذف ذرات المعدن من هدف بواسطة أيونات الأرغون المتسارعة، لتترسب على ركيزة وتشكل طبقة رقيقة. يستخدم الأرغون أيضاً في تنظيف الركائز بالسحق الأيوني قبل الترسيب، وفي الحفر الأيوني لإنشاء أنماط دقيقة على الرقائق. في زراعة البلورات أحادية السيليكون بطريقة تشوتشرالسكي، يستخدم الأرغون كغاز واقٍ لمنع أكسدة السيليكون المنصهر. في صناعة المعالجات الدقيقة، يستخدم الأرغون في عمليات التنظيف بالبلازما، وفي حفر الثقوب الدقيقة، وفي التلدين السريع. كما يستخدم الأرغون في غرف الاستنبات لزراعة الأغشية الرقيقة من أشباه الموصلات المركبة مثل زرنيخيد الغاليوم ونيتريد الغاليوم.
التطبيق الخامس للأرغون هو في المجال الطبي، حيث يستخدم الأرغون في تقنيات الجراحة بالتبريد، وفي الحفاظ على الأعضاء المتبرع بها، وفي علاج بعض الأمراض. في الجراحة بالتبريد، يستخدم الأرغون السائل أو المضغوط لتبريد الأنسجة إلى درجات حرارة منخفضة جداً (تصل إلى 140 درجة مئوية تحت الصفر) لتدمير الأورام والخلايا المريضة. يتم إدخال مسبار معدني رفيع في الورم، ويمرر غاز الأرغون المضغوط عبره، مما يؤدي إلى تمدد الغاز وتبريده بشكل كبير (تأثير جول-طومسون)، فيتجمد النسيج المحيط بالمسبار ويتحول إلى كرة جليدية تدمر الخلايا السرطانية. تستخدم هذه التقنية في علاج أورام العظام وأورام البروستاتا وأورام الكبد وأورام الرئة، وتتميز بأنها أقل توغلاً من الجراحة التقليدية وأقل ضرراً للأنسجة السليمة المحيطة. كما يستخدم الأرغون في جراحة العيون بالليزر، حيث يستخدم ليزر الأرغون لعلاج الشبكية والجسم الزجاجي، وفي جراحة الجلد لإزالة الوحمات والوشم، وفي جراحة الأوعية الدموية لإغلاق الأوردة غير الطبيعية.
من ناحية كيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، الأرغون هو العنصر الوحيد بين الغازات النبيلة الذي لا يشكل أي مركبات كيميائية مستقرة في الظروف القياسية، وحالته الوحيدة هي حالة الأكسدة صفر. لكن تحت ظروف استثنائية من الضغط العالي أو درجات الحرارة المنخفضة أو في وجود شركاء تفاعليين قويين، يمكن للأرغون أن يشكل مركبات ذات حالات أكسدة موجبة أو سالبة. في مركب HArF، يكون الأرغون في حالة أكسدة تساوي صفر رسمياً، لكنه يرتبط تساهمياً مع الهيدروجين والفلور. في مركبات الأرغون مع الفلزات تحت الضغط العالي، مثل NiAr، يمكن اعتبار الأرغون في حالة أكسدة سالبة جزئية، لكن هذه المركبات لا تتبع قواعد التكافؤ التقليدية. في أيونات الأرغون في الفضاء بين النجمي، مثل ArH⁺، يكون الأرغون في حالة أكسدة موجبة. لكن هذه الحالات الاستثنائية لا تغير من حقيقة أن الأرغون، في جميع التطبيقات العملية والظروف الطبيعية، هو عنصر خامل بحالة أكسدة صفر، ولا يشكل أي مركبات.
من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الأرغون تحديات محدودة جداً مقارنة بمعظم العناصر الأخرى، لأن الأرغون ليس ساماً ولا ملوثاً ولا قابلاً للاشتعال، ولا يساهم في الاحتباس الحراري أو تدمير الأوزون. الأرغون غاز خامل لا يتفاعل مع أي شيء في الغلاف الجوي، ولا يتحلل ولا يتراكم، ولا يسبب أي ضرر بيئي. هذا يعني أن الأرغون هو أحد أنظف العناصر الكيميائية من الناحية البيئية، ولا توجد أي مخاوف بيئية مرتبطة باستخدامه أو إطلاقه في الغلاف الجوي. التحدي الوحيد المتعلق بالأرغون هو تكلفة إنتاجه، لأنه يتطلب استثمارات كبيرة في محطات فصل الهواء، وتكلفة الطاقة اللازمة لتسييل الهواء وتقطيره. لكن حتى هذه التكلفة معتدلة مقارنة بالغازات النبيلة الأخرى، وهي في انخفاض مستمر مع تحسن تقنيات فصل الهواء وزيادة حجم محطات الإنتاج. هناك تحدٍ تقني يتمثل في تطوير تقنيات أكثر كفاءة لاستخلاص الأرغون من الهواء، حيث أن الفرق الصغير في درجة الغليان بين الأرغون والأكسجين يجعل عملية الفصل صعبة ومكلفة. هناك أبحاث على استخدام الأغشية الانتقائية والمواد المازة الجديدة لفصل الأرغون عن الأكسجين والنيتروجين بكفاءة أعلى، لكن هذه التقنيات لا تزال في مرحلة التطوير. هناك أيضاً تحدي يتعلق بإمدادات الأرغون في المستقبل، حيث أن إنتاجه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنتاج الأكسجين والنيتروجين، وأي انخفاض في الطلب على هذين الغازين يمكن أن يقلل من إنتاج الأرغون. لكن الطلب على الأرغون في نمو مستمر، مدفوعاً بزيادة استخدامه في اللحام والتصنيع والإلكترونيات والطب والبحث العلمي، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو في العقود القادمة.
في الجانب الإيجابي، هناك فرص واعدة للأرغون في مجالات جديدة ومثيرة. في مجال الفيزياء الفلكية، يستخدم الأرغون في أبحاث المادة المظلمة، حيث تعتبر تجارب الأرغون السائل من أكثر التجارب الواعدة للكشف عن جسيمات المادة المظلمة، لأن الأرغون السائل يوفر حساسية عالية للتفاعلات النادرة ويسمح بتمييز الإشارات الناتجة عن المادة المظلمة عن الخلفية الإشعاعية. في مجال الطاقة النووية، يستخدم الأرغون في مفاعلات الجيل الرابع كمبرد غازي، حيث يمكن استخدام الأرغون المضغوط لنقل الحرارة من قلب المفاعل إلى مولدات البخار، وهو أكثر أماناً من الصوديوم السائل المستخدم في المفاعلات السريعة. في مجال الفضاء، يستخدم الأرغون في محركات الدفع الأيوني، حيث يتم تأين الأرغون وتسريعه في مجال كهربائي لإنتاج دفع عالي الكفاءة، وقد استخدمت ناسا محركات أيونية تعمل بالأرغون في بعض المهام الفضائية. في مجال الطب، يستمر البحث في استخدام الأرغون كعامل وقاية عصبية وقلبية، وكعامل مساعد في التخدير، وكحافظ للأعضاء المتبرع بها. في مجال الإلكترونيات، هناك اهتمام متزايد باستخدام الأرغون في تصنيع أشباه الموصلات الجديدة، مثل الجرافين وأشباه الموصلات ثنائية الأبعاد، حيث يستخدم الأرغون كغاز واقٍ وكغاز حفر دقيق. في مجال الطاقة المتجددة، يستخدم الأرغون في تصنيع الخلايا الشمسية الرقيقة، وفي تصنيع خلايا الوقود، وفي تصنيع بطاريات الليثيوم-أيون.
ختاماً، الأرغون هو الغاز النبيل الذي يجمع بين الوفرة النسبية والخمول المطلق، وبين الدور الكوني العميق والدور الصناعي اليومي. هو الغاز الذي اكتشفه رايلي ورامزي في نهاية القرن التاسع عشر بعد ملاحظة فرق صغير في الكثافة، وهو الذي يملأ المصابيح المتوهجة ليحمي فتيلها، ويحمي برك اللحام من الأكسدة، ويبرد مغناطيسات أجهزة الرنين المغناطيسي، ويملأ غرف التصوير في تجارب المادة المظلمة. الأرغون هو العنصر الذي يحمل اسم "الخامل" لكنه يثبت كل يوم أنه لا غنى عنه في الحضارة الحديثة، من الصناعات الثقيلة إلى الإلكترونيات الدقيقة، من الطب إلى الفضاء، من الكيمياء التحليلية إلى الفيزياء الفلكية. من اكتشافه في عام 1895، إلى استخدامه في تجارب المادة المظلمة في عام 2025، قطع الأرغون شوطاً طويلاً في خدمة البشرية، وهو لا يزال يلعب دوراً متزايد الأهمية في التكنولوجيا المتقدمة. كما قال ويليام رامزي، مكتشف الأرغون: "لقد اكتشفنا غازاً لا يفعل شيئاً، لكنه سيفعل كل شيء". الأرغون، بأبسط تركيب إلكتروني (مجرد غلاف مكتمل بثمانية إلكترونات)، يذكرنا بأن الخمول يمكن أن يكون قوة، وأن العناصر الأكثر هدوءاً يمكن أن تكون الأكثر تأثيراً. في عالم يتغير بسرعة، يبقى الأرغون ثابتاً في خموله، متغيراً في تطبيقاته، ومتجدداً في أهميته، شاهداً على عبقرية الكيمياء وقدرتها على تحويل أبسط الغازات إلى أدوات للحياة والرفاهية والتقدم العلمي.
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكلور | الغاز الأصفر المخضر الذي عقم المياه وأشعل الحروب -
...
-
الفوسفور | عنصر الحياة والموت - من بول الخيميائيين إلى أسمدة
...
-
الكبريت | عنصر النار والبركان والحضارة - من كبريتات الكتاب ا
...
-
الحوثيون| من صعدة إلى العالم
-
بين الظلام والفقر | العراق في مواجهة أزمة الكهرباء والتقشف ا
...
-
الألمنيوم | الفلز الفضي الذي غزا السماء والأرض - من حلي المل
...
-
السيليكون | شبه الفلز الذي بنى الحضارة الرقمية - من رمال الص
...
-
الصوديوم | الفلز القلوي الذي أضاء الشوارع وأشعل الثورات - من
...
-
المغنيسيوم | الفلز القلوي الترابي الذي يربط بين خضرة الحياة
...
-
الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من
...
-
النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على
...
-
العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الا
...
-
النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب
...
-
الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى
...
-
البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال
...
-
الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو
...
-
البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا
...
-
الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت
...
-
الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض
...
-
الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى
...
المزيد.....
-
بدلة عسكرية وفستان دانتيل..براد بيت وحبيبته بإطلالتين متناقض
...
-
قاليباف يبرز -انتهاء- النظام العالمي أحادي القطبية مستندا إل
...
-
السعودية.. خارجية أمريكا توافق على صفقة أسلحة وطائرات F35 مح
...
-
زيت جوز الهند البكر يحمي الدماغ من التغيرات المرتبطة بالتوتر
...
-
رئيس كوريا الجنوبية: قمة محتملة بين ترامب وكيم خلال الأشهر ا
...
-
- لن تطأ قدماه غزة-.. كاتس يهاجم أردوغان ويقترح نقل أعضاء حم
...
-
-كل الاحتمالات واردة-.. ترامب: سأتّخذ قريباً قراراً حاسماً ب
...
-
المنظمة الدولية للهجرة ترصد تراجع الوافدين بحرًا إلى أوروبا
...
-
بسبب الأمطار الغزيرة.. تونس ترفع مستوى الإنذار وتعلّق الدراس
...
-
ZTE تعلن عن أفضل هواتفها
المزيد.....
-
التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي
...
/ سيف سعد سلمان
-
التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الكنز المخفي
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا
/ رضا لاغة
-
العملية التربوية
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تكنولوجيا التدريس
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
المزيد.....
|