أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق














المزيد.....

قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:16
المحور: الادب والفن
    


لم يكن في الأمر ما يستحق التوقف طويلاً؛ رجلٌ خرج في صباحٍ لا يختلف كثيراً عن سواه، وحيوانٌ اعتاد أن يمضي حين تُفتح أمامه الجهات. لم يكن الرجل يعرف أن بعض الرحلات تبدأ بخطوة تبدو عابرة، ثم لا تلبث أن تصبح طريقاً لا يسأل أحدٌ عن بدايته.
حين امتطى الحمار، اندفع الحيوان كأن شيئاً ما كان ينتظره في آخر الأفق. شدّ الرجل اللجام، لم يتوقف.
حاول أن يميله نحو اليمين، فاندفع إلى اليسار، وحين جذبه إلى الجهة الأخرى، بدا كأنه لم يشعر بيده أصلاً. أعاد المحاولة، ثم ترك الحبل قليلاً، لعل الحيوان يهدأ من تلقاء نفسه، لكنه لم يهدأ.
في الدقائق الأولى، لم يقل الرجل شيئاً. كان يراقب الطريق ويتأمل ظهر الحمار أمامه، ويقول في نفسه إن للحيوانات أحياناً حاسةً لا نملكها، وإن ما يبدو لنا تيهاً قد يكون في مكان آخر، نوعاً من المعرفة.
ولذلك لم يعترض. ثم مرّ ربع ساعة، وتبعه ربع آخر، وتغيرت الأشجار، واختفت المعالم التي كان يعرفها، وصارت الطرق تتشابه حتى بدا له أن الجهات نفسها فقدت أسماءها.
عندها بدأ شيء صغير يتحرك في داخله. لم يكن خوفاً تماماً، ولا ندماً. كان سؤالاً: إلى أين؟
لكنه لم ينطق به. لم يستطع أن ينزل، وإن كادت قدماه تلامس الأرض، وإن ظلّ اللجام بين أصابعه، حتى وإن قرر في لحظة واحدة أن ينتهي كل شيء.
لكنه لم يستطع أن يفعل. ربما لأن الأرض بعد المسير لم تعد تبدو أكثر أماناً من ظهر حمارٍ لا يعرف إلى أين يذهب، وربما لأن الإنسان حين يطيل البقاء في مكان لا يختاره، يبدأ بالتعامل معه كما لو أنه اختاره بنفسه.
لذا فقد مضى.
في النصف الثاني من الساعة، مرّ بجماعة من الرجال يقفون على جانب الطريق. نظر أحدهم إليه وسأله:
- إلى أين؟
فتح فمه، ثم أغلقه. كان يستطيع أن يقول اسم المكان الذي خرج من أجله، لكنه لم يعد متأكداً إن كان ذلك المكان لا يزال في نفس الاتجاه. وكان يستطيع أن يقول إنه يبحث عن جهة أخرى، غير أن الطريق أمامه لم يترك له كثيراً من الجهات.
فقال:
- إلى حيث يمضي.
لم يسأله الرجل: من؟
فقد فهم ما لم يقله. تابع الحمار سيره، وظل الرجل فوق ظهره. ومع مرور الوقت، لم يعد الطريق يثير دهشته. صار المنعطف الذي كان يكرهه مألوفاً، والابتعاد الذي كان يخشاه عادياً، وحتى الأماكن التي لم يرغب يوماً في الوصول إليها بدأت تكتسب شيئاً يشبه الألفة.
عندها أدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يسلك طريقاً لا يريده، بل أن يطول به المقام فيه حتى ينسى أنه كان يريد غيره.
نظر إلى اللجام، كان ما يزال في يده. حرّكه قليلاً، فشعر بشيء من الطمأنينة. كان وجوده كافياً ليمنحه إحساساً غريباً بأنه لم يفقد كل شيء، وأن القرار ما يزال قريباً منه، معلقاً بين أصابعه.
لكنه، للمرة الأولى، سأل نفسه:
- ماذا لو كان اللجام لا يعني أنني أقود؟ ماذا لو كان يكفي أحياناً أن يمسك المرء بشيءٍ ما كي يقنع نفسه بأنه شريك في الطريق؟
لم يجد جواباً. كان الحمار قد بلغ مفترقاً، توقّف قليلاً. للمرة الأولى منذ البداية، لم يشد الرجل اللجام، انتظر. رفع الحمار رأسه، شمّ الهواء، ثم اختار جهةً ومضى. ظل الرجل ساكناً لحظة، لم يفكر بالنزول، ولم يشدّ اللجام، ولا أن يعترض.
لم يفعل شيئاً. فقط نظر إلى الطريق الذي انفتح أمامه، ثم إلى الطريق الذي تركه خلفه. وفي المسافة بينهما، شعر أن شيئاً ما كان يتغير داخله؛ شيء لا يعرف إن كان خوفاً من المجهول، أم خوفاً من اكتشاف أنه ظلّ قادراً على الاختيار طوال الوقت، لكنه لم يستخدم تلك القدرة.
ثم مضى. لم يكن يعرف إلى أين، ولم يعد متأكداً إن كان الوصول هو ما يريده فعلاً، أم أن الإنسان قد يعتاد السير حتى يصبح الوصول نفسه فكرةً بعيدة لا حاجة لها.
كان الحمار يمضي، والرجل فوق ظهره، وبين يده اللجام. أما الطريق، فكان يفتح أمامه جهةً جديدة، كأنه لم يكن يعنيه كثيراً من الذي يختار ومن الذي يتبع. وفي مكانٍ ما، خلف تلك الجهات المتعاقبة، بقي السؤال يمشي معه:
- هل يمضي الإنسان في الطريق لأنه اختاره، أم أن طول المسير قد يجعله يظن أن اختياره كان هناك منذ البداية؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان


المزيد.....




- بعد غياب 10 سنوات.. مهرجان دبي السينمائي الدولي يعود في ديسم ...
- بحلة جديدة.. مهرجان دبي السينمائي يعود في 2027
- -رجعت عالشام-.. أصالة تفتح دفتر المدن السورية على خشبة مسرح ...
- الفنان الأمريكي مكلمور يتبرع بمليون دولار لإغاثة الفلسطينيين ...
- -ملكة القطن- في الدوحة.. عرض الفيلم السوداني بعد رحلة حافلة ...
- الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع ...
- بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا ( ...
- -لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- -أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق