أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر جعفر / الناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب















المزيد.....

قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر جعفر / الناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 23:09
المحور: الادب والفن
    


أولا: القراءة النقدية / عبد الرحمن بوطيب:

قصة "نصف يوم" للكاتبة السورية كوثر جعفر، نموذج لكتابة سردية نوعية، تبدو القصة، ظاهريا، كأنها حكاية بسيطة عن رجل عاجز عن الحركة يحاول الوصول إلى علبة دوائه... هذه البساطة الشاخصة سطحيا تخفي وراءها بناء سرديا مكثفا، تتحول اللحظة اليومية فيه إلى تأمل عميق في انكسارات الجسد والزمن والذاكرة، وضبابية المصير.
منذ الجملة السردية الأولى: "صوت المروحة يسرق صمت الغرفة، ويسرق نومه"، يشدنا تسريد وقائع الحدث إلى عالم لولبي مغلق، تغدو فيه الأشياء الصغيرة علامات دالة على شعرية الانكسار والعجز... المروحة ليست مجرد عنصر مادي مؤثت من عناصر المكان، ذلك أنها تجسد، كقوة فاعلة، صورةً للحركة اللولبية المستمرة، في مقابل السكون المتحكم في حركية الرجل، كما تمثل نبض الزمن الذي يدور دون توقف، بينما تتراجع قدرة الإنسان على مجاراة لازم حركته المصيرية.
تقوم القصة الواقعية الاجتماعية هذه على مفارقة بنائية أساس، بليغة الدلالة "الجسد يريد أن يتحرك، لكن الحركة تستعصي عليه، والذاكرة تستدعي الصور، لكنها لا تحفظ الغاية من فعل الحركة الجسدية".
هذا ما يجعل الرحلة العبثية نحو علبة الدواء أكثر من مجرد حركة داخل الغرفة... إنها رحلة المعاناة الشاقة ما بين السرير وأثاث الغرفة... من العجز إلى محاولة القبض على الهدف الهارب... من المحاولة إلى السقوط، ثم إلى الوصول، بيد أن المفارقة الأشد إيلاما تأتي في القفلة / النهاية: "يصل إلى العلبة، يمسكها، لكنه ينسى لماذا كان يسعى إليها"، حيث تنتقل القصة من مأساة الجسد إلى مأساة الذاكرة.
االكاتبة، سرديا، لا تفصح عن ماضي الشخصية، ولا تشخص حالتها، وإنما تدفع بنا إلى المعاناة في رحلتنا القرائية الخطية للمتن الحكائي لنكتشفها من عمق ثنايا الأفعال الحركية القصيرة المتتابعة "لم تتحركا / لم يبلغها / لم يصل إليها / ارتطم جسده بالأرض..."، وهذا تكثيف واقتصاد سردي يحسب للنص، في شعرية "التسريد الحركي"، الذي يميز القصة باعتبارها تجربة كتابية فريدة نوعها بنائيا، لأن الفعل الحركي فيها يحل محل الوصف والتفسير.
حتى الأصوات القادمة من الخارج تؤدي وظيفة دينامية مهمة في بناء تمثلات الذاكرة "بائع التفاح يستدعي الحقل والطفولة / نداء "طفل ضائع" يستدعي وجوها وأقداما صغيرة..."، إذ يصبح الحاضر مشروخا باستمرار بومضات استرجاعية من الماضي.
الذبابة والفراشة، وظيفيا، أكثر من تفصيلين عابرين... الذبابة عامل مساعد على دفع عجلة تطور الحدث، حيث تتحول في مخيلة الرجل إلى كائن مخاطَب، بينما تأتي الفراشة البيضاء في النهاية عبارة عن صورة رقيقة مفتوحة على التأويل، وإعادة النظر في التأويل، ابتداء من اللحظة التي يمسك فيها الرجل بالدواء ويغمض عينيه.
الماتع في المحكي، هو ميل الكاتبة / الساردة ،في النهاية، ألا تفصح عما حدث... إنها تتركنا أمام صورة: "علبة دواء في قبضة اليد، وفراشة بيضاء، وضوء، ثم عينان تنغلقان"، ومن هذا الصمت يتولد المعنى.
"نصف يوم" ليست قصة عن نصف يوم فحسب، وإنما هي تسريد درامي عن زمن كامل يتكثف في نصف يوم... عن إنسان يحاول أن يبلغ شيئا، ثم يبلغ إليه بعد أن تفقد الذاكرة الغاية من السعي للقبض عليه... كأنها رحلة "عبثية وجودية"... قصة قصيرة في حجمها، عميقة في رهانها، بعيدة الغور في دلالتها... قصة تجعل من الحركة والسكون، والذاكرة والنسيان، والطفولة والمصير عناصر متجاورة داخل مشهد إنساني شديد التوتر والحساسية، وهنا تتجلى قيمة النص الشعرية الجمالية، فهو أنه لا يفرض علينا رسالة واحدة، بل يتركنا أمام سؤال موجع: "ماذا يبقى من سعي الإنسان حين يصل إلى غايته، ولا يعود يتذكر لماذا كان يسعى؟".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيا: متن القصة القصيرة: نصف يوم / الكاتبة السورية كوثر جعفر

صوت المروحة يسرق صمت الغرفة، ويسرق نومه.
فتح عينيه، بقي لحظة يحدّق في السقف، ثم حاول تحريك ساقيه، لم تتحركا. دفع بكفيه على السرير، رفع نصف جسده، استند إلى ظهره.
ظلت المروحة تدور ببطء، تصدر صوتا أكثر مما تحرّك الهواء.
رفع عينيه إليها... راحت عيناه تتبعان دورانها، دورة بعد أخرى، ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، طفولية، وبقي يراقبها كأنها شيء يراه للمرة الأولى.
مد يده إلى الزر المثبّت في الحائط، ضغطه.
انتظر.
لا شيء.
ظل صامتا، ثم، وهو ينزل يده عن الزر، أوقع علبة الدواء إلى الأرض.
نظر إلى العلبة.
مد يده... لم تبلغها.
حرّك كتفه، انحنى بجسده حتى كاد يسقط من السرير، امتدت أصابعه نحو الأرض، لامستها، لمست طرف العلبة.
لم يصل إليها.
لمح مضرب الذباب... أمسكه، مدّ طرفه نحو العلبة، دفعها.
تدحرجت تحت الطاولة حتى توقفت قرب النافذة.
ظل يتابعها بعينيه.
مد يده إلى مسند الكرسي المتحرك القريب منه... سحبه نحوه.
اقترب الكرسي.
أمسك به بكلتا يديه، دفع جسده نحوه.
انزلقت إحدى عجلاته فجأة، ابتعد الكرسي عنه.
حاول أن يمسك به، فلم تلحق يده بمسنده.
ارتطم جسده بالأرض.
سكتت العلبة، سكتت عجلات الكرسي، توقف كل شيء.
ظل الرجل ممددا على الأرض، مغمض العينين، لا يتحرك.
وحدها المروحة ظلت تدور في السقف، تطن ببطء.
تسلّل أذان الظهر من النافذة.
فتح عينيه.
نظر إلى نفسه ملقى على الأرض... لم يعرف لماذا، ولا إلى أين كان يتجه.
رفع رأسه... رأى الكرسي قرب الطاولة، رأى العلبة تحتها.
لم يتذكر ما كان يريد، لكنه واصل الزحف نحوها.
جاء صوت من الشرفة:
«أحمر يا تفاح»
شرد مع نداء البائع. ابتعدت الغرفة، وبدا له حقل بعيد، يتدلى التفاح من أشجاره، ويده الصغيرة لا تطاله.
ظل يمد يده.
اقتربت تفاحة، ثم ابتعدت مع حركة الغصن.
ارتسمت ابتسامته الصغيرة.
طنين قرب أذنه أعاده إلى الغرفة.
ذبابة تحوم فوق وجهه.
رفع يده إليها... ابتعدت.
تبعها بعينيه.
طارت نحو النافذة، عادت وحامت حول المروحة... هبطت على إحدى ريشاتها، دارت معها دورة كاملة، ثم أفلتت منها، اتجهت نحو الشرفة.
رفرفت، حطّت تحت الطاولة، قرب علبة الدواء.
تابعها بعينيه، وعلى وجهه ابتسامته الصغيرة.
قال لها:
«وصلتِ؟ أحسنتِ، صغيرتي... اجلبيها لي»
طارت الذبابة.
حاول أن يرفع جسده.
تأوه.
وضع يده على ساقه، ثم على خاصرته... كان الألم أشد مما كان قبل السقوط، حاول أن يغيّر وضعه، فتوقف.
رفع رأسه نحو النافذة.
جاءت أغنية من بناء مجاور... حرّك رأسه مع لحنها، وحرّك أصابعه قليلا كأنه يرافق الإيقاع.
بقي يصغي.
فجأة ارتفع طرق متتابع على جرّات الغاز.
قطّب وجهه.
وضع كفيه على الأرض، وواصل الزحف نحو الطاولة.
جاء صوت من مكبر الجامع:
«طفل ضائع...»
توقف.
رفع رأسه نحو النافذة.
لاحت له وجوه صغيرة، تضحك، وأقدام تركض حوله.
مد يده كأنه يريد أن يمسك بأحدها.
اختفت الوجوه.
بقيت يده معلقة في الهواء.
أنزلها ببطء، ثم عاد إلى الزحف.
اقترب من الطاولة.
وضع يده على ساقها، وحاول أن يرفع جسده.
تأوه.
لم يستطع.
أسند رأسه إلى الأرض.
أغمض عينيه.
غفا.
أيقظه أذان العصر.
فتح عينيه ببطء.
بقي لحظة ساكنا، ثم نظر إلى العلبة تحت الطاولة.
مد يده.
دفع جسده قليلا قليلا.
تأوه مرة أخرى، وتابع.
كانت العلبة أمام أصابعه.
مد يده أكثر.
أمسك بها.
أشرقت على وجهه فرحة صغيرة.
قلبها بين يديه.
نظر إليها طويلا.
خفتت ابتسامته.
بقي يقلبها، ووجهه مستفسر.
نسي لماذا كان يسعى إليها.
شد قبضته عليها.
حاول أن يستدير على ظهره.
تأوه، ودفع كتفه بالأرض حتى استلقى على ظهره.
رفع عينيه إلى المروحة.
رفرفت فراشة بيضاء، جابت أرجاء الغرفة، حطّت فوق صدره.
ظل يتابعها بعينيه وابتسامته الطفولية.
راقبها حتى طارت نحو الضوء.
بسط ذراعيه، شد قبضته على العلبة، أغمض عينيه.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب / قراءة نقدية في قصيدة « ...
- الأديبة السورية الكاتبة كوثر جعفر في حوار ثقافي مع الأديب ال ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- [ شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب ] قراءة نقدية في قصيدة ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- نقد المقطع السادس من القصيدة / الديوان -سؤال- للشاعر عبد الر ...
- القصيدة / الديوان -سؤال- قصيدة نثر حداثية طويلة متعبة المقطع ...
- طِرسٌ لا يُمحى: قراءةٌ في شعرية الشذرة السردية عند عبد الرحم ...
- لزوميات / شذرات متتاليات / عبد الرحمن بوطيب
- قراءة منهجية متعددة المرجعيات النقدية في مشروع -العطفات الشع ...
- الناقدة الأردنية الدكتورة منال العبادي تقدم قراءة نقدية في ا ...
- [ سيرة وفاء ] {الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب الأم الراحلة بعد ...
- الأديبة السودانية الأستاذة زكية أحمد عيسى (أم تاجوج) في حوار ...
- «عبد الرحمن بوطيب / من تعدد الكتابة إلى وحدة المشروع: تطور ا ...
- (الكتابة على حافة الآخر: في فلسفة التواشج الشعري، في ديوان - ...
- [من شعرية الهامش إلى أنطولوجيا الإنسان الجريح: مقاربة سردية ...
- شرارات بنيات قصيدة النثر الحداثية الكامنة في ديوان عبد الرحم ...
- -تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب: القلق الوجودي، وهندسة السطر ...
- (قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا الحرمان، في القصة القصيرة ...


المزيد.....




- الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع ...
- بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا ( ...
- -لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- -أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير ...
- عود مصطفى نصري يعود إلى أصالة بعد 13 عاما من الأمانة
- -ورثة الدم-.. أخوان يقتلان أمهما وإخوتهما الأربعة ويدفنانهم ...
- التعليم العالي: اليوم آخر موعد لتسجيل طلبات تقليل الاغتراب ل ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- بسبب تكريم هند رجب.. غرامة أمريكية على الشاعر وإيرفينغ يُسدد ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر جعفر / الناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب