أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية الإنسان خارجها)















المزيد.....

سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية الإنسان خارجها)


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 13:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" نحن لا نرى الناس دائماً كما هم، بل من خلال المكانات والأدوار والعلاقات التي تجمعنا بهم، فالقرب يجعلنا نعتاد الصورة التي تكونت عنهم داخل العلاقة، بينما يمنحنا الغياب فرصة لإعادة النظر فيهم بعيداً عن الدور الذي اعتدنا أن نراهم من خلاله " (الكاتب).

يهدف المقال إلى فهم الكيفية التي تشكل بها العلاقات الاجتماعية صورتنا عن الآخرين، من خلال المكانة والأدوار والتوقعات التي تتكون داخلها، وكيف يؤدي تغير هذه العلاقات أو سقوط بعض أدوارها إلى إعادة النظر في الصورة التي اعتدنا أن نرى الآخر من خلالها، وإعادة اكتشافه بوصفه إنساناً يتجاوز الدور الذي شغله في حياتنا. ويطرح السؤال الجوهري: هل نعرف الإنسان كما هو، أم أننا نعرفه من خلال الدور الذي شغله في حياتنا والصورة التي صنعتها العلاقة عنه؟

يبدو غريباً أن نعتقد أننا نعرف شخصاً لأننا نعرف تفاصيل حياته اليومية، ثم نكتشف بعد تغير العلاقة أن معرفتنا به كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بالموقع الذي شغله في حياتنا. فالقرب لا يمنحنا معرفة بالآخر فقط، وإنما يضعه أيضاً داخل علاقة لها طبيعتها الخاصة، ويحدد ما ننتظره منه وما نفسره من سلوكه. ومع كثرة الاحتكاك تستقر صورة معينة عنه، فنألفها إلى درجة تبدو لنا وكأنها تعبير كامل عن شخصيته، بينما تكون في الحقيقة جزءاً من الطريقة التي ظهر بها لنا داخل تلك العلاقة.

ولا تتشكل هذه الطريقة في النظر إلى الآخرين من العلاقة وحدها، فالإنسان يدخل علاقاته محملاً بمعانٍ تعلمها قبل أن يلتقي أصحابها. فمنذ طفولته يتعلم ما الذي يعنيه القرب، وما الذي يدل على الوفاء، وكيف يبدو الاهتمام، وما الذي يعد احتراماً أو إهمالاً. ثم يحمل هذه المعاني معه إلى علاقاته الجديدة ويستخدمها في تفسير سلوك الآخرين. ولهذا قد نختلف مع شخص لا بسبب ما فعله فقط، وإنما بسبب المعنى الذي أعطيناه لما فعله. فقد نرى الصمت تجاهلاً، بينما يراه آخر احتراماً للمسافة، وقد نعد كثرة السؤال اهتماماً، بينما يشعر بها شخص آخر بأنها تدخل. وهكذا تتأثر علاقتنا بالآخر بالمعاني الاجتماعية التي نحملها إليها قبل أن تبدأ.

وتتحول هذه المعاني داخل العلاقة إلى توقعات مرتبطة بالموقع الذي يحتله كل طرف. فهناك من نراه صديقاً، أو سنداً، أو مرجعاً، أو شخصاً نعتمد عليه، وكل موقع يولد صورة عما ينبغي أن يفعله صاحبه. ولذلك لا نستقبل سلوك الشخص منفصلاً عن المكانة التي منحناها له، فالفعل نفسه قد يبدو بسيطاً إذا صدر عن شخص بعيد، لكنه يصبح أكثر تأثيراً عندما يصدر عن شخص نتوقع منه مستوى أعلى من الحضور أو الاهتمام أو الوفاء. وعندها لا يكون ما يهتز هو تقييم الفعل وحده، بل الصورة التي استقرت حول العلاقة وما ننتظره ممن يشغل ذلك الموقع.

ومع استمرار العلاقة يتحول بعض هذه التوقعات إلى أدوار مستقرة. نعتاد أن يكون أحدهم المستمع، أو المبادر، أو المتحمل، أو الشخص الذي يتنازل، حتى يبدو السلوك المتكرر جزءاً طبيعياً من شخصيته، لا دوراً نشأ داخل العلاقة. وهنا يبدأ الاعتياد في إخفاء البعد الاجتماعي للسلوك، فننسى أن ما نراه صفة ثابتة في الإنسان قد يكون في جزء منه نتيجة للدور الذي استقر عليه داخل العلاقة. وعندما يتغير هذا الدور، نواجه لأول مرة الفرق بين الشخص الذي اعتدنا رؤيته وبين الدور الذي اعتدنا أن يؤديه.

وتظهر هذه المسألة بوضوح عندما تختلف توقعات الطرفين حول معنى الدور نفسه. فقد يرى أحدهما أن القرب يعني كثرة الحضور والتواصل، بينما يراه الآخر ثقة تسمح لكل شخص بمساحته، وقد يعبر أحدهما بالكلام بينما يعبر الآخر بالفعل. وعندما لا يلتقي الطرفان على معنى مشترك لما يفترض أن يقدمه كل منهما، يبدأ كل واحد في تفسير الآخر من داخل معاييره الخاصة. عندها يمكن أن يتحول اختلاف في أسلوب التعبير إلى حكم على الشخصية، فيُفهم من لا يشبهنا في طريقته على أنه أقل اهتماماً، بينما قد يكون مختلفاً فقط في الطريقة التي يؤدي بها دوره داخل العلاقة.

ومع الوقت قد يصبح الدور نفسه عبئاً على صاحبه. فالشخص الذي اعتاد أن يكون دائماً المتحمل أو المبادر قد يصل إلى لحظة لا يعود فيها قادراً على الاستمرار بالطريقة نفسها. وعندما يحاول تعديل موقعه، قد يفسر الطرف الآخر ذلك باعتباره تغيراً في شخصيته أو في مشاعره، بينما يكون ما تغير هو الدور الذي كان يؤديه. ومن هذه الزاوية، لا تكون بعض العلاقات معرضة للتعثر لأن الإنسان تغير فجأة، بل لأن توزيع الأدوار داخلها لم يعد قابلاً للاستمرار. وقد يكشف انهيار الدور عندها أن ما كنا نعده شخصية ثابتة كان مرتبطاً ببنية العلاقة أكثر مما كنا ندرك.

وعندما يتغير موقع الشخص أو تنتهي العلاقة، تسقط معه بعض التوقعات التي كانت تحكم طريقة رؤيتنا له. لم يعد مطالباً بأداء الدور نفسه، ولم نعد نقرأ سلوكه وفق الوظيفة التي كان يؤديها لنا، ولذلك تتسع المسافة بين الشخص والصورة التي صنعتها العلاقة عنه. عندها يمكن أن نعيد النظر في مواقف قديمة، لا لأن الأحداث تغيرت، وإنما لأننا لم نعد مضطرين إلى قراءتها من داخل الدور الذي كان يحدد علاقتنا به. وقد نكتشف أن بعض أحكامنا كانت مرتبطة بما كنا نحتاجه من الشخص أكثر مما كانت مرتبطة بشخصيته كاملة.

وتتغير هذه القراءة أيضاً لأننا نتغير نحن. فالخبرة الاجتماعية لا تضيف إلينا معلومات جديدة فقط، بل تمنحنا طرقاً أوسع لتفسير السلوك. من لم يعش الضغط قد يفسر انفعال الآخر بوصفه ضعفاً، ومن لم يحتج إلى العزلة قد يراه انسحاباً، ومن لم يختبر مسؤوليات معينة قد لا يفهم دوافع شخص كان قريباً منه. ثم تأتي تجارب الحياة لتوسع معانيه، فيعود إلى مواقف سابقة بقدرة أكبر على رؤية احتمالات لم تكن واضحة له من قبل. وهكذا قد تكون إعادة اكتشاف الآخر نتيجة لتغير أدواتنا في الفهم بقدر ما هي نتيجة لتغير العلاقة نفسها.

وقد تكشف المسافة أيضاً شيئاً عن العلاقة بذاتها. فبعض الناس لا يشغلون موقعاً محدداً في حياتنا فقط، بل يساعد وجودهم في تشكيل الطريقة التي نرى بها أنفسنا. بجانب شخص معين قد نكون أكثر ثقة، أو أكثر تلقائية، أو أكثر شعوراً بالانتماء، أو أكثر اتصالاً بتاريخنا. لذلك لا يكون تغير العلاقة فقداً للآخر وحده، بل قد يعني أيضاً فقدان موقع كنا نعرف أنفسنا من خلاله. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو بعض التحولات في العلاقات أكبر من مجرد ابتعاد شخصين، لأنها تمس جزءاً من الصورة التي يحملها كل طرف عن نفسه.

غير أن إعادة اكتشاف الآخر لا تعني أن سقوط الدور يكشف لنا حقيقة كاملة عنه. فالإنسان يبقى أوسع من كل موقع شغله، ومهما طال القرب تظل هناك جوانب من حياته لا نعرفها مثل تجارب سابقة للعلاقة، ومخاوف، وصراعات، واختيارات لم يشاركنا فيها. لذلك قد يمنحنا تغير العلاقة فرصة لرؤية الشخص من زاوية مختلفة، لكنه لا يمنحنا حق الادعاء بأننا عرفناه كله. ما يسقط هو بعض الإطار الذي كان يحدد رؤيتنا له، لا كل ما يحيط به من تعقيد.

وعندئذ يصبح الفهم أكثر عدلاً عندما نفصل بين الإنسان والدور الذي أداه لنا. فقد نفهم أسباب سلوك شخص ما من دون أن نبرر أفعاله، وقد ندرك اختلافه من دون أن نقبل ما لا يناسبنا، وقد نعيد تفسير تجربة سابقة من دون أن نعيد العلاقة نفسها. فإعادة اكتشاف الآخر ليست دعوة إلى تجاوز الحدود أو إلى منح الماضي براءة متأخرة، وإنما إلى التمييز بين الحكم على فعل محدد وبين اختزال الإنسان كله في ذلك الفعل.

ولعل السؤال الأعمق في النهاية ليس لماذا تغير الشخص؟ وإنما هل كنا نعرف الإنسان، أم كنا نعرف النسخة التي أنتجتها علاقتنا به؟ فالعلاقة لا تؤثر فيما نتوقعه من الآخر فقط، بل تؤثر أيضاً فيما ننتبه إليه منه وما نتجاهله، وفي المعاني التي نعطيها لسلوكه، وفي الصفات التي نراها فيه بصورة متكررة حتى تبدو لنا جزءاً ثابتاً من شخصيته. وكلما أدركنا هذه الحقيقة أصبحنا أكثر تواضعاً في أحكامنا، وأكثر استعداداً لأن نرى الإنسان خارج الصورة التي صنعتها العلاقة عنه.
لذلك لا تكمن إعادة اكتشاف الآخر في أن يصبح أوضح بعد غيابه، وإنما في أن تصبح رؤيتنا له أقل خضوعاً للدور الذي اعتدنا أن نراه من خلاله. أن نراه خلف موقعه، وأن نترك في علاقتنا به مساحة لما لا نعرفه عنه، وأن نفهم اختلافه قبل أن نحوله إلى تقصير. فالنضج الاجتماعي لا يعني أن نصل إلى معرفة كاملة بالآخر، وإنما أن ندرك أن الإنسان دائماً أوسع من الدور الذي يؤديه، وأعمق من الصورة التي تكونت عنه داخل علاقة واحدة.

نصيحتي لك، لا تجعل الدور الذي يؤديه الإنسان في حياتك تعريفاً كاملاً له، ولا تنتظر تغير العلاقة حتى تعيد النظر في الصورة التي كونتها عنه. اترك لمن حولك مساحة للاختلاف والتحول والظروف التي لا تعرفها، لأن فهم الإنسان يبدأ من الاعتراف بأنه ليس محصوراً في الموقع الذي يشغله، ولا في الدور الذي يؤديه، ولا في الصورة التي استقرت عنه في وعينا.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً
- المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا


المزيد.....




- البيت الأبيض يسحب مرشحه لمنصب مدير إدارة الهجرة والجمارك لهذ ...
- من دعم لبنان وسيادته إلى حرية الملاحة.. أبرز رسائل ماكرون في ...
- أكبر من الكولوسيوم الروماني.. اكتشاف فوهة قمرية نتجت عن حدث ...
- واشنطن توافق على صفقة محتملة لبيع مقاتلات -إف-35- للسعودية ب ...
- لوكاشينكو: واشنطن لم تطلب من مينسك الابتعاد عن موسكو
- وزير الدفاع الباكستاني يوجه تهديدًا للحوثيين: الوقت حان لتنف ...
- عودة الرحلات المباشرة بين إسرائيل والمغرب.. لماذا يتدفق الإس ...
- طرابلس تحبط شحنة حبوب على شكل القذافي مع ظهور كبتاغون الأسد ...
- من الفورمولا 1 إلى فيبا: قطر تكشف أجندة حافلة بالفعاليات الع ...
- تركيا تتحرك لوقف هجمات البحر الأسود.. مسودة اتفاق روسية-أوكر ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية الإنسان خارجها)