|
|
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء 3/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب
كمال محمود الطيارة
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 07:51
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء 3/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب
(عذراً لطول البحث) ب ـ القسم والنّعاج (الشّياه؟) السّائبة
ثُمّ أنّ أبا مالك رِفقةَ رئيس جيشه قصد يوماً إبراهيم يتفقّده حيث استقرَّ في الأرض التي "مُنِحَتْ" له إحساناً و "معروفاً" كما رسمَتْه تقاليد البدو وأعرافهم آنذاك وكان أن جرى بين الرّجلين ما يلي حسب ما جاءت به الرّواية "وحدث في ذلك الزّمان أنّ أبا مالك وفيكول رئيس جيشه قالا لإبراهيم الرّبُّ (إيلوهيم=אֱלֹהִים) معك في كلّ ما أنت صانع فالآن احْلِفْ لي بإيلوهيم ههنا أنّك لا تغدر بي ولا بنَسْلي وذُرّيتي وكالمَعْروف الذي صَنَعتُ إليك تصنَع إليّ وإلى الأرض التي تغرّبت فيها فقال إبراهيم أنا أحلف وعاتَبَ إبراهيم أبي مالك لسبب "بئر الماء" التي اغتصبها عبيد أبي مالك فقال أبو مالك لم أعْلَمْ من فعَلَ هذا أنت لم تُخبرني وأنا ما سمعتُ بهذا إلاّ اليوم فأخذَ [إبراهيم] غنَماً وبَقراً وأعطاها أبا مالك فقطعا كلاهما ميثاقاً وكان إبراهيم أقامَ سبع نعاج من الغنم وحْدَها فقال أبو مالك لإبراهيم ما هي هذه النّعاج السّبع التي أقَمْتَها وحدّها؟ فقال عليك أن تأخذَ من يدي هذه السّبع نعاج لكي يكون هذا شهادة لي بأنيّ حفرتُ هذه البئر لذلك دّعا ذلك الموضع "بئر سبع" لأنّهما هناك حَلَفا كلاهما فقطعا ميثاقاً في بئر سبع ثمّ قامَ أبو مالك وفيكول قائد جيشه ورجعا إلى أرض الفلسطينيين"(تك 21/22 ـ 32)
يتضمّن هذا النّص كما هو ظاهر ثلاثة مواضيع رئيسة ترتيبها التّالي 1) إبراهيم يلتزم بعدم الإساءة إلى مَنْ حماه ورعاه وأحسن إليه 2) إبراهيم يشكي لأبي مالك نزاعه مع عبيد هذا الأخير حول بئر ماء 3) تفسير توراتيّ لسبب تسمية "بئر سبع" بهذا الاسم ولسوف نبدأ البحث من العنصر الأخير
أصل تسميّة "بئر سبع" ورد "بئر سبع" اسماً لبئر أو محلّة حوالي خمس مرّات في "سِفْر التّكوين" مرتبطاً بإبراهيم أو بهاجر أو بإسحاق أو بيعقوب وفي هذا دلالة على المكانة البالغة التي يحتلّها في تاريخ "الآباء" والمخيال الجمعي هذا المكان الذي صار في ما بعد يدلّ على الحدود الجنوبية لأرض إسرائيل في التّعبير المشهور "من دان إلى بئر سبع" (مثلاً صموئيل الثّاني24/2) أي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب والنّصّ هنا يشير إلى لحظةٍ اسطوريّة مُؤَسِّسَة في تاريخ الجماعة إذ يربط اسم البئر وفي ما بعد المدينة ثمّ المحلّة بمجملها بالجدّ الأوّل المزعوم للجماعة أي إبراهيم إمّا عِبر العهد الذي "قَطَعَه" (נִשְׁבְּעוּ) هنا مع أبي مالك وإمّا عِبر النّعاج "السّبعة" (שֶׁבַע) التي أعطاها له مقابل الاعتراف بحقّه في الإرتفاق بماء البئر (الانتفاع وليس الملكيّة المطلقة) واللفظان في العبرية متقاربيّ الجذر أو أنّهما من جذر واحد بل أنّ بعض العلماء (وأظنّه على حقّ في ما يذهب إليه) يُرْجِعُ فعل القسم في أصله إلى الرّقم سبعة نفسه وذلك في مرحلةٍ تاريخيّة مُغرقة في القِدّم كان فيها الإنسان في هذه الأصقاع يُشهِدُ النّجوم السّبعة التي تلمع في ليالي سّماء الشّرق الصّافية على نواياه وأفعاله وعهوده ظَنْناً منه أنّها كائنات حيّة (آلهة مسؤولة وكلّيّة القُدرة) تراه وتراقبه وهو يراها تتحرّك وتتبعه في كلّ مكان ولكنّ في (تكوين 26/30 ـ 33) يُعاد تفسير أصل الاسم مجدّداً فتُنْسَبُ هذه التّسميَة هذه المرّة إلى ابن إبراهيم من سارة أي إسحاق وقد دخلَ في حِلفٍ مع أبي مالك عينه الذي عرف أباه سابقاً وإلى العهد الذي "قطعَه" معهُ في ظروف مشابهة ولكن لا يَظهرُ فيها ههنا أثرٌ للبئر التي احتفرها إبراهيم أو للنعاج السّبعة البَتّة فمن الواضح إذاً أنّنا إزاء مصدرين أو تقليدين شفهيين قبل تدوينهما بينهما في الأصل اختلاف كبير يمكن اختصاره كالآتي من حيث الفاعل (إبراهيم أو إسحاق) والعصر (زمن إبراهيم أو زمن إسحاق) والمكان (الأرض التي مَنَحَها أبو مالك لإبراهيم والبئر التي احتفرها هذا فيها أو "الحِمى" الذي أقامه إسحاق لنفسه وعشيرته بعيداً عن أرض أبي مالك بعد استرداد هذا الأخير ل "منحته" عقب موت إبراهيم كما رأينا) والموجب للحلف أو للقَسَم (الاعتراف لإبراهيم بحقّه في البئر التي احتفرها من جهة أو حلف قبليّ تقليديّ بين جارين أبي مالك وإسحاق من جهة أخرى) وبالطّبع فإنّ الحسم بين هذين التّراثين الشّفهيين علميّاً أو تاريخيّاً غير ممكن
وقد ظهرت إلى جانب ذلك عدّة فرضيّات حديثة حول أصل التّسمية هذه التي قد تعود إلى زمنٍ سحيقٍ سابق على عصر إبراهيم ومرتبطةٍ باسم إله محلّي أو قبيلة أو عشيرة أو شخص ما أو ربما تشير إلى مجموعة متجاورة من سبع آبار إذ لا يزال النّقب إلى اليوم غنيّاً بالآبار القديمة وأيّاً يكن الأمر فإنّ التّفسير التّوراتي اللاهوتي والفرضيَات العلميّة الحديثة يُعْوِزُها جميعاً الدّليل التّاريخي أو أقلّه قرائن ماديّة تسمح بترجيح فرضيّة على أخرى وعليه يبقى الأصل التّاريخي للتّسميةِ مجهولاً (!)
عهد الوفاء بالمعروف أما التزام إبراهيم بعدم الإساءة إلى من حَماه ورَعاه وأحسن إليه فيَرِدُ في مطلع النّص إذ نرى أبا مالك ينتقلُ مع رئيس جيشه لملاقاة إبراهيم على الأرض التي كان منحه إيّاها ويستَحْلِفه بالآلهة (بإيلوهيم = בֵאלֹהִים ولم يذكر النّص هنا "يَهوه"!!) ألاّ يُدير له في قابل الأيّام ولنسله وللأرض التي "تغرّبَ فيها" ظَهْرَ المُجن وألاّ يُباديَ "المعروف" الذي أُسْدِيّ إليه يوماً بالغدر والإساءة " فأجابه إبراهيم إلى طلبه وقال "أنا أحلِف" (تك 21/22 ـ 24)
أحاطتْ الكتابات اليهوديّة الثانويّة ما اتّضَعَ (اتّفق) عليه الرّجلان بهالَةٍ من التّقدير والتّعظيم وأخذت الحماسةُ بعضهم في الرّفع من شأن إبراهيم هنا فأظهر الأمرَ كما لو أنّه معاهدة سلام دوليّة أو معاهدة عدم اعتداء بين نَدّيْنِ وغضَّ الطَّرف عن أنّ الميزان مختَلٌّ أصلاً بين ملكٍ مقتدر له جيش من جهة و "غريبٍ" لا حول له ولا قوّة قد قنع بالأرض/"المنحة" التي تفضّل بها عليه ذلك الملك نفسه من جهة أخرى(!!) حتّى أنّه كان أعجز من أن يقف في وجه العبيد الّذين اغتصبوا بئراً احتفرها هو في تلك الأرض والحالُ أنّ ما جرى هنا لا يرقى البَتّةَ إلى درجةِ العهد أو الميثاق بين رجلين متناظرين كما يحلو للبعض تصويره وعلى هذا قرائن نجدها في النّصّ نفسه
أوّلها أنّ الرّواية لا تذكر أنّ الطّقوس المعهودة التي اعتدنا رؤيتها في مناسبات عقد المواثيق من ذبائح ودم يُراق وطعام مشترك قد جَرَتْ (كما حصل مثلاً أمام "جلعاد" أو "كومة أحجار الشّهادة" عندما قطع يعقوب وخاله لابان عهداً يُنهي العداوة بينهما ـ راجع "أيكون إبراهيم عربيّاً"/الفصل الأوّل الحِمى والأنصاب والمذابح ثقافة الأحجار المقدّسة ج1 ـ أو كما حصل لاحقاً عندما قطَعَ إسحاق عهداً مع جاره أبي مالك عينه كما جاء في تك 26/ 28 ـ 30 "[...] ليكن بيننا وبينك حلف ونقطع معك عهداً [...] فصنَع لهم ضيافة فأكلوا وشربوا ثمّ بَكَّروا في الغد وحَلَفوا بعضهم لبعض وصرفّهم إسحاق فَمَضوا من عنده بسلام") وقد ذَكَّرَ البعضُ وهو على حقّ ب "ذبيحة العهد" والوليمة التي تتبعها حسب التّقاليد المقدّسة التي ترافق كلّ ميثاق أو "قطعُ عهد" وتساءل لِمَ لَمْ يذكرها النّص هنا وفي ردّ الأحبار والشّراح على هذا التّساؤل زُعِمَ أنّ الأمر صار عند القوم عادة فغيّبته عن عَمْدٍ الرّواية لكونه صار مألوفاً ومشهورا وهذه حجّة مردودة إذ أنّ هذه الطّقوس ليست نافلةً في أعرافهم تأتي للزينة وإضفاء البهجة على مَن حَضَر في هكذا مناسبة بل هي في أُسِّ العهد أو الميثاق الّذي لا يستقيم في ثقافات السّاميين القدماء (واللُّقى والأثريات في ماري وأوغاريت وغيرهما تشهدُ على ذلك) إلّا بضمان المقدّس له ومنه يستمدّ شرعيّته والمقدّس هنا شهادة الآلهة والدّم والوليمة المشتركة ("الخبز والملح" بمباركة الآلهة) فلو أنّ ما حصل بين الرّجلين كان بالفعل ميثاقاً وعهداً على ما جرت به العوائد لوجَبَ أن تكون هذه الطّقوس حاضرة لتشهد على ذلك الآلهة فهي جزء أصيل من العهد ولو أنّها كانتْ حضرتْ في الواقع لاستدعى ذلك حتماً حضورها في الرّواية لكونها جزء أساسيّ وشرعيّ لا يُمكن خلعُه من المشهد (!)
القرينة الثّانية هي انّ النّصّ لا يُورِدُ هنا العبارات المألوفة في الحالات المتواترة في التّوراة من عقد العهود من مثل "أكلوا" أو "أكلوا وشربوا" أو "صنع طعاماً" أو ما شابه ذلك ولا يشير إلى ذبائح محتملة كالغنم أو الشّاء أو البقر قد جُلِبَتْ لهذا الغرض لا بل أنّه لا يورِدُ العبارة المعتادة في مثل هذه المناسبات أي "قطعا عهداً (أو ميثاقاً)" أو "قطع كلاهما عهداً"
ثالث هذه القرائن االنّصيّة أنّ القَسَمَ حسب الرّواية لم يكن متبادلاً بين الرّجلين بل أُحاديّاً من جانب إبراهيم فقط وقد نزل في هذا عند رغبة أبي مالك الذي لم يَحْلِف أصلاً بل ذكَّرَه للمناسبة ب "المعروف" وبالأعطيات التي أغدقّها عليه وعلى سارة من أرضٍ وفضّةٍ وغير ذلك وطلب إليه لقاء ذلك أن يحلف فحلف
فنحن إذاً لو اعتمدنا النّصّ من غير تأويل الأحبار والشّروح اللاهوتيّة له لوجدنا أنّ الميثاق المزعوم عندهم لا يعدو كونه التزاماً أخلاقيّاً وسياسيّاً أُحاديّاً من قِبَلِ إبراهيم "المتغرّب" ("أنا أحلِف") استجابة منه لطلبٍ فوريّ من أبي مالك حاميه وراعيه ("والآن احْلِفْ لي ها هنا بإيلوهيم [...]") لا غير
بئر الماء والسّبع نعجات أمّا الجزئيّة الثّالثة في الرّواية فهي أنّ إبراهيم انتهز فرصة وجود أبي مالك وأثار معه نزاعه مع عبيد هذا الأخير على بئر ماء ونذكّر بما يقوله النّص لأهميّته "وعاتَبَ إبراهيم أبي مالك لسبب "بئر الماء" التي اغتصبها عبيد أبي مالك فقال أبو مالك لم أعْلَمْ من فعَلَ هذا أنت لم تُخبرني وأنا ما سمعتُ بهذا إلاّ اليوم فأخذَ غنَماً وبَقراً وأعطى أبا مالك فقطعا كلاهما ميثاقاً وكان إبراهيم أقامَ (וַיַּצֵּב) سبع نعاج من الغنم وحْدَها فقال أبو مالك لإبراهيم ما هي هذه النّعاج السّبع التي أقَمْتَها (וַיַּצֵּב) وحدّها؟ فقال عليك أن تأخذَ من يدي هذه السّبع نعاج لكي يكون هذا شهادة لي بأنيّ حفرتُ هذه البئر لذلك دّعا ذلك الموضع "بئر سبع" لأنّهما هناك حّلّفا كلاهما فقطعا ميثاقاً في بئر سبع ثمّ قامَ أبو مالك وفيكول قائد جيشه ورجعا إلى أرض الفلسطينيين [...] ودعا (أي إبراهيم) هناك باسم الرّبّ (יְהוָה = "يهوه") الإله السّرمدي [...]"
كانت شروح الأحبار لهذا النّصّ في مجملها لاهوتيّة دينيّة أو أخلاقيّة أو رمزيّة مرتبطة بالتّاريخ المقدّس للجماعة وقلّ ما التفتت إلى الجانب القانوني الماديّ أو السّياق التّاريخي لفهم ما جاء في هذه الرّواية على النّحو الصّحيح فرأى العديد من الأحبارُ فيها درساً في العدل وصنع السّلام دون التّنازل عن الحقوق وجعلوا من إبراهيم المثل الأعلى المُدافع عن هذه القِيَم وصاحب هذه السّياسة الرّشيدة التي تجمع بين الحزم والاعتدال بين الإيمان والسّياسة في آن فهو على زعمهم قد قَبِلَ أن يُبرمَ معاهدة سلام وصّداقة مع أبي مالك [وقد بيّنا أعلاه أنّ الأمر لم يكُنْ إلاّ التزاماً أخلاقيّاً وسياسيّاً أُحاديّاً من قِبَلِ إبراهيم "المُتَغَرّب" في جّرار ("أنا أحلِف") استجابة منه لطلبٍ فوريّ من أبي مالك شيخ قبائل النّقب ("والآن احْلِفْ لي")] ولكنّه مع ذلك لم يتجاهل قضيّة البئر وحقّه فيها بل أنّ بعضهم ذهب في شَطَطِه إلى أنّ إبراهيم كان بإمكانه أنْ يشنّ حرباً [لا ندري بأيّة قوّات لديه؟] على من أحسنَ إليه ومنحَه أرضاً أي على أبي مالك وجيشه أو أن ينتقمَ من عبيده ولكنّه فضّلَ السّلام وجنح إلى المفاوضات (!!) لا بل أنّ آخرون زادهم التّعصُّبُ لإبراهيم شطحاً فاتّهَمَوه أنّه في سعيه إلى السّلام قد قبِلَ بتنازلات سياسيّة [لا ندري بالضّبط كُنْهَها؟!] غير ضروريّة للحصول من أبي مالك على الاعتراف بحقوقه في البئر وأخذوا عليه ذلك (!) ومن اللافت أن بعض المفسرين رأى أن العبارة التي تُخْتَمُ بها الرّواية ("ودَعَا هناك باسم الرّبّ السّرمدي" יְהוָה" = اسم "يهوه" يعود إلى الظّهور هذه المرّة) تومئُ إلى الغاية الدّينيّة منها ألا وهي أنّ إبراهيم بعد أن استعاد حقّه وأقام السّلام أمكنهُ أن يعود إلى كَنَفِ الرّب ويتفرّغ لعبادته ونَشْرِ معرفته وهكذا تجاهل التّفسير اللاهوتي الإيديولوجي الواقع المادي الذي تعرضه الرّواية وجعل من إبراهيم رجل السّياسة ذلك الذي يمهّدُ ويبني لإبراهيم رجل الإيمان فالقصّة وِفق التّفسير اللاهوتي والدّينيّ ليست قصّة بئر فحسْب بل قصّة لها رمزيّة تكمن في أنّها درسٌ في كيفيّة الجمع بين الإيمان والعدل وبين السّلم والدّفاع عن الحقوق والحال أنّ البحث في هذه القصّة عن رمزيّةٌ دينيّة اقتضى هنا القفز على مُعطيات النّص الأوّليّة وتجاهلها وزاد بعضهم في أنّ حَزْمَ إبراهيم وحنكته السّياسيّة حملاهُ على أنْ لا يكتفي من أبي مالك بإقرار شفهيّ بحقّه في البئر بل أقام علامةً وشهوداً على ذلك عبر السّبع نعجات التي أعطاها لأبي مالك (وهذا ما سنعود إليه بعد قليل)
إنّ السّياق التّاريخي والجغرافي لهذه الرّواية يذهبُ بنا في فهمها مذهباً أكثر واقعيّة بعيداً عن الغُلُوِّ اللاهوتي والشّطط الديني فالنّزاع على مواضع الماء أمر متواتر في المناطق الجافّة وهو دليلٌ على أهميّة هذا العُنصر النّادر في الصّحراء وضرورة حيازته للاستمرار في الحياة للبشر وللحيوان فقامت الأعراف عند سكان الصّحاري لحمايته وأَرْسَتْ القواعدَ الصّارمة لذلك ويُصَوِّرُ مشهدٌ شهيرٌ من فيلم "لورنس العرب" هذه الحقيقة القاسية (العداوات القبليّة والصّراع على الآبار) في حياة الرّحل في البوادي ففي هذا المشهد يصل الضّابط البريطاني لورنس (المبعوث للاتّصال بالشّريف فيصل بن الحسين) ودليله في الصّحراء مُنْهكَيْن مع راحِلَتَيْهما إلى بئر والظّمأ ينهش الجميع فيَسْتَقيان منها ويسقيان الجملين وما أن يفرغا من ذلك وقد ارْتَوَيا حتّى تلوح في السّراب البعيد نقطة سوداء متحرّكة لا تلبث أن تتَضح معالمها شيئاً فشيئاً مع دُنُوِّها منهما إنّه رجُلٌ متّشِحٌ بالسّواد على ظهر ناقةٍ لونها أصفر يميل إلى السّواد أيضاً وما أن تبيّنَ الدّليلُ هويّة القادم إليه حتّى أدرك ما ينتظره فأسرع إلى مسدّسه ولكنّ الرّجل المتّشح بالسّواد كان أسرع منه فأرداه قتيلاً للتّو ولورنس قد صعقه ما يجري أمام ناظريه ولكنّه لا يفقه منه شيئا ثمّ قدّم الرّجل المجهول نفسه وهو ما زال على راحلته وقد صار على قاب قوسين من لورنس "أنا الشّريف علي بن الخارش (يقوم بهذا الدّور عُمر الشّريف) [ثمّ تابعَ ...] أنت إنكليزيٌّ قادم من مصر؟! أنا كنتُ في مصر درسْتُ هناك يعني أنا أكتب وأقرأ" وأشار إلى الدّليل جثّة هامدة على رمل الصّحراء الحارقة وقال مبرّراً فعلته "إنّه حازِمي من بني سالم [...] البير هو كلّ شيء الحازِميون لا يشربون منها وهو يعرِف ذلك" فيجيبه لورنس [في شيء من التّحدّي] "أنا شربتُ منها؟! [...] أنتَ أهلاً بك هنا")
المسألة إذاً تتعلّق بحقوق القبائل في الماء والآبار فالبئر في البيئة الصّحراويّة ليست مورداً مشاعاً بالضّرورة بل قد تكون مرتبطة بحقوق قبيلة محدّدة كما هو الحال في هذا المشهد السّينمائي وخرْقُ هذه الحقوق يستوجب حتماً القصاص وهذا ما كان هنا فصحيحٌ أنَّ المشهدَ هنا عملٌ سينمائيّ دراميّ ولكنّه يُقَرِّبُ إلى ذهن الإنسان الحديث المنطق الاجتماعيّ الذي يحكم أعراف البدو وتقاليدهم في الجزيرة العربيّة وبادية الشّام وصحراء النّقب جميعاً ويُساعِدُ على فهم الخلفيّة الاجتماعيّة والقانونيّة لقصص من مثل قصّة إبراهيم وبئر سبع وقد جرت ربّما (حسب الرّواية) منذ حوالي أربعة آلاف سنة أو أكثر ولكنّ العوائد والتّقاليد خصوصاً في المناطق المنعزلة والبعيدة عن التّلاقح الثّقافي قد تكون أعتى من الزّمان وتعيش آلاف السّنين (راجع مشهد احتفاء إبراهيم بضيوفه في "أيكون إبراهيم عربيّاً؟/الفصل الثّالث الضّيافة العربيّة) وتتمرّدُ في معْقِلِها على قوانين الحضَر وتسودُها فها هو الشّريف علي بن الخارش ابن البادية وقد تغرّب في مصر ودرس فيها وتعلّم القراءة والكتابة واحتَكَّ بالثقافات الغربيّة المختلفة ولكنّه مع ذلك لا يتوانى ولو للحظة عن إنزال العقوبة القصوى في أرضه بِبَدَوِيّ انتهك العُرف والتّرحيب بالضيف في آنٍ واحد!!
يُورِدُ جواد عليّ في "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام" نقلاً عن معاجم اللغة وغيرها من المصادر بعضاً من القواعد المُنّظِّمَة لملكيّة المياه في المجتمعات البدويّة ذي الطّبيعة الصّحراوية فالماء إذا كان عاماً لا يُمْتلك بل يكون مشاعاً للجميع فالنّاس شركاء في ماء الأرض كالعيون تخرج من الجبال أو الينابيع من الأرض وماء السّماء كالغدران والمستنقعات إذا كانت كلّها في أرضٍ عامّة (أي خارج ممتلكات القبيلة أو "الحِمى") فهذه المواضع لا يملكها أحدٌ من أهلِ الحيّ
أمّا الآبار في الصّحاري فهي على ضروب فمنها الآبار العاديّة وهي القديمة جدّاً فلا يُعلمُ لها ربٌّ ولا حافِر فنَسَبوها إلى قوم "عاد" لِقِدّمها وتكون في البراري وهي عامّة و آبارٌ تُحفَرُ للسابلة أي أبناء السّبيل على طُرُق القوافل خصوصاً فيكون ماؤها أيضاً مشتركاً كما الآبار العاديّة وهناك أبارٌ تُحفرُ للارتفاق بمائها كالرُّحّل إذا انتجعوا أرضاً (كما هو هنا حال إبراهيم مثلاً) وحفروا فيها بئراً لشربهم وشرب مواشيهم كانوا أحقّ بمائها ما أقاموا عليها في نجعهم فإذا ارتحلوا عنها صارت البئر سابلة أي مشاع وأخيراً آبارٌ مملوكة وتكون مُلْكاً لمالكها في أرضٍ له فلا ينازعه عليها منازع حتى ولو غاب عنها والقاعدة عينها تجري على من احتفر نهراً او بنى حوضاً في أرض مشاع فلا حقّ لغيره بالانتفاع منه إلاّ بإذنه والقاعدة عينها تقضي بأنّ من حفر بئراً أو أحيا بئراً قديمة أو استصلحها كان أحقّ بها وما زال هذا العُرف معمولاً به إلى زمنٍ قريب (حوالي منتصف القرن الماضي) عند البدو في "أرض مؤاب" على ما ينقله الأب أنطوان جوسان مع أمثلة واقعيّة في كتابه المترجم إلى العربيّة (Coutumes des Arabes au Pays de Moab, Paris, 1948) وفي هذا مثل آخر على أنّ العوائد والتّقاليد خصوصاً في المناطق المنعزلة والبعيدة عن التّلاقح الثّقافي قد تكون أعتى من الزّمان وتعيش آلاف السّنين
وقد تَخصّصَ أُناسٌ باختيار المواضع التي يُحتملُ وجود المياه العذبة بها وبحفر الآبار وإصلاحها فهذا هو "القٌناقِن" أي الذي يعرف موضع الماء تحت الأرض والبصيرُ بالوصول إلى المياه واستخراجها وكان يجري تبطين البئر وكساء جدرانها من الدّاخل بالأخشاب والحجارة وبالموادّ المقوية لمنعها من الانهيار فكانت صيانةُ الآبار ضروريّة لاستمرارها ولربّما حَمَوْها من الرّمال والرّياح بالحجارة أو غير ذلك أو طووها [أي أغلقوها لحين] وقد عثر المنقّبون على نصوص من بلاد الرافدين تُثبت الحقوق في الآبار أو الأراضي بواسطة شهود وعلامات ماديّة وعهود مُلزِمة كما عُثِرَ في جزيرة العرب على نصوص ما قبل إسلاميّة مدوّنة بالمسند تتعلّق بتملّك الآبار وبحفرها وبإصلاحها وغير ذلك ولا بُدّ أنّ الأعراف والتّقاليد البدويّة قد سبقتْ بقرون طويلة التّدوينَ والثّقافة الحَضَريّة
فالبئر إذاً في المجتمعات الرّعويّة والمناطق الجافة ليست مجرّد حُفرة أحْدَثَها الناس في الأرض لاستنباط الماء لشربهم وماشيتهم وأشاعوا استعمالها لكلّ من عَبَر بل هي دعامة اقتصاديّة للقبيلة وقد تكون السّيطرة عليها أهم من السّيطرة على مساحة واسعة من الأرض فهي التي تُحدّد في الصّحراء مناطقَ الرّعي ومسارات التّنقّل ف "البير هو كلّ شيء" كما جاء على لسان الشّريف عليّ في المشهد المذكور لذلك فإنّ الاعتداء عليها اعتداء على الجماعة نفسها فقامت الأعراف بحمايتها وقامت التّحالفات والنّزاعات حولها
ولو عُدنا إلى النّصّ التّوراتي لوجدنا إن محور شكوى إبراهيم ونزاعه مع عبيد أبي مالك ليست الأرض المقيم عليها وهذا فعليّاً غير ممكن فالأرض لمالكها أبي مالك ("هو ذا أرضي قدّامك اسكن في ما حّسُنَ في عينيك" تك 21/15) وقد منحها لإبراهيم منتجعاً ولأجَلٍ كما رأينا فالنّصُّ واضحُ في أنّ النّزاع لم يكن على الأرض بل على البئر الموجودة في هذه الأرض الممنوحة مؤقّتاً وحجّة إبراهيم الوحيدة أنّه هو الذي احتفرها وعليه وطبقاً للأعراف البدويّة كما رأينا فإنّ حقُّ الانتفاع بها أو حقّ الارتفاق بمائها يعودُ حصراً إليه وحده يُضافُ إلى هذا قاعدةٌ أخرى تقول كما رأينا آنفاً أنّ من انتجع أرضاً وحفر فيها بئراً للارتفاق بمائها كان أحقّ بها ما أقام عليها في نجعه ومع ذلك فإنّ عبيد أبي مالك انتزعوا البئر من إبراهيم من دون عِلم مولاهم فهل كانوا يا تُرى على جهلٍ بهذه الأعراف؟
هذا فَرَضٌ مستبعّدٌ جدّاً فهم أبناء البادية ولا بٌدّ أنّهم يصدرون في أفعالهم عن علمٍ بأعرافها وتقاليدها وإنْ كانوا عبيداً كما أنّه من المستبعد أيضاً أن يكونوا قد جازفوا بعملٍ عدائي مجّانيّ بمبادرة ذاتيّة وخرقوا القواعد المتّبعة من غير التّحسّب للنتائج الوخيمة ومن دون علم سيّدهم أو إذن منه ("فقال أبو مالك لم أعلمْ من فعلّ هذا الأمر أنتَ لم تُخبرني ولا أنا سمِعْتُ به سوى اليوم") وعليه فإنّ "اغتصابهم" للبئر التي احتفرها إبراهيم لا بدّ وأن يكون مردّه أمر آخر والرّاجحُ هنا أنّ منشأَ النّزاع بين الطّرفين يكمن في التّضارب الحاصل بين مبدأين عُرفيين الأوّل يدفعُ به إبراهيم في دعواه وهو أنّه مُنْتَجِعٌ أرضاً وقد احتفر فيها بئراً والبئر لمن احتفرها ففِعْلُ الحفر نفسه منشئ للحقّ وهذا لا خِلاف عليه عندهم ولكنّ المبدأ الثّاني الذي يتمسّك به عبيد أبي مالك يقولُ بأنّ هذه الأرض ليست مشاعاً فهي وإن كانت مُنتجعاً "مِنحةً" لإبراهيم فهي ما تزال ملكاً للمانح أي لسيّدهم أبي مالك ("هو ذا أرضي قدّامك اسكن في ما حّسُنَ في عينيك" تك 21/15) وعليه فإنّ البئر التي حُفرَتْ فيها وإن كان إبراهيم هو من احتفرها لا بُدَّ وأن تعود ملكيتها لصاحب الأرض الأصليّ فالآبارُ المملوكة كما مرّ معنا تكون ملكاً لمالكها في أرضه لا ينازعه عليها منازع وعليه فلهم كلّ الحقّ كما يرَوْن في أن يسْتَقُوا منها وأن يوردوها ماشيةَ سيّدهم وقد فضّ أبو مالك بحكمته المعهودة ورغبته في حسن الجوار هذا النّزاع بأن منح إبراهيم حقّ الارتفاق بماء البئر كما كان قبلاً قد منحه الأرضَ لِأَجَلٍ (راجع الجزء 4/1 من هذا الفصل) ولكنّ النّصّ لا يُعلنُ ذلك صراحةً ولا يقول مثلاً إنّ أبا مالك قد عبّرَ لفظيّاً عن نزوله عند رغبة إبراهيم بل يشير إلى هذه الموافقة ضِمناً عبر مبادرتين اثنتين قام بهما إبراهيم تتوافقان تماماً مع المعتقدات والتّقاليد المعمول بها عصر ذاك في مثل هذه المناسبات
الأوّل أنّه "أخذ غنماً وبقراً (مما لديه) وأعطاها لأبي مالك فقطعا كلاهما ميثاقاً" والثّاني أنّه قد أدّى إليه في تصرّفٍ تالٍ مستقلٍّ عن الأوّل ولكن داخل المشهد عينه الخّاص بالبئر "سبعَ نِعاج قد أقامها وحدها"
المبادرة الأولى "أخذ غنماً وبقراً (مما لديه) وأعطاها لأبي مالك فقطعا كلاهما ميثاقاً"
غنيٌّ عن القول أنّ ما أعطاه إبراهيم لأبي مالك في خطوته هذه من "الغنم والبقر" لا يمكن اعتباره بأيّ حال من الأحوال ثمناً للبئر المتنازعِ عليها فإبراهيم لم يَنِ يذكر أنّ البئر حقٌّ له بما جَرَتْ به الأعراف وذلك أنّه احتفرها ويطلب من أبي مالك أن يعترف له بهذا الحقّ ويبدو أنّ هذا ما حصل فقد أقرّه هذا الأخير على دعواه ومنحه حقّ الارتفاق بها فمن غير المعقول إذاً أن يدفع ثمناً بعد هذا الاعتراف فليس في الأمر هنا إذاً بيعٌ ولا شِراء ولا ثمنٌ يُدفع فمالَ عندها الكثير من الأحبار واللاهوتيين في تفسيرهم فِعلَ إبراهيم هذا إلى النّظر إلى هذه الحيوانات على أنّها هديّةُ مُصالَحَةٍ شخصيّة لأبي مالك يؤكّد بها إبراهيم من جهة قَسَمَه للتّو بأنْ يبادل معروف أبي مالك بمعروف مثله ويوَطِدَ السّلام بينهما ويشكره للمناسبة على اعترافه له بحقّه في البئر واسترسلوا في هذا السّبيل أيّما استرسال ولكنّ النّاظر إلى النّصّ بتمعّن يلوحُ له فيه ما لا يراه اللاهِثُ وراء تفسيرٍ دينيّ وعظيّ أو لاهوتيّ خَلاصِيّ يُثَبِّتُ به إيمانه(!) فهذا التّفسير اللاهوتي لا يستقيم هنا لقرائن عِدّة يُقدّمها النّصّ نفسه ّ
أوّلاً إنّ النّصّ لا يورِدُ لا تصريحاً ولا تلميحاَ شيئاّ ما يوحي بأنّ "الغنم والبقر" كانت هديّة من إبراهيم لأبي مالك ثانياً إنّ مشاهد تقديم الهدايا التي ترمي إلى فضّ نزاعٍ أو تجنّبه في التّوراة عموماً (مثلاً بين يعقوب وعيسو (تك 32 و33) أو داود وأرونة اليبوسي (صموئيل الثاني24/22 ـ 24)) غالباً ما يرافقها ذِكْرٌ لِردّ فعل المُهدَى إليه من قبول للهديّة أو رفض لها أو قبول بعد رفض أما هنا فالنّصّ لا يشير البتّة إلى أيّ موقفٍ كان من قِبَلِ أبي مالك في هذا الشّأن ثالثاً إنّ النّصّ ينتقل مباشرة من فعل "أعطى غنماً وبقراً" إلى فعل "فقطعا كلاهما عهداً" وكما ذكرنا آنفاً أنّ قطع العهود والمواثيق عند السّاميين القدماء مرتبط بوليمة العهد ("الخبز والملح" بمباركة الآلهة) ف"ذبيحة العهد" أو الوليمة ليست نافلةً بل هي في أُسِّ شعائر العهد أو الميثاق الّذي لا يستقيم في ثقافات السّاميين القدماء كما رأينا آنفاً إلّا بضمان المقدّس له ومنه يستمدّ شرعيّته والمقدّس هنا شهادة الآلهة التي يُقسَمُ بها والدّم الذي يُراق قرباناً على اسمها والوليمة المشتركة بين المتعاهدين
وإن عقدنا موازنة بين ثلاثة مواثيق تتحدّث عنها التّوراة عهد يعقوب مع خاله وحميّه في آن لابان وعهد إسحاق مع أبي مالك نفسه وعهد إبراهيم مع أبي مالك هنا يتبيّنُ أنّ الطرف الأضعف والمستفيد أساساً من "العهد" هو مَن يقدّم الذّبائح والوليمة المقدّستين فيعقوب المطاردُ من قِبَل خاله وحميّه لابان والمهدّدٌ بفقد أسرته وثروته قَبِلَ على التّو عرض لابان الذي كان يلاحقه وذبح ذبيحةً وأقام وليمة العهد وضمن بهذا الميثاق استقراره واحتفاظه بزوجاته وأولاده وثروته (تك 31/45 ـ 55) وكذلك إسحاق خرج مطروداً من أرض أبي مالك وهدّده رٌعاة جرار ونازعوه الآبار التي حفرها ولحِقَ به بعد ذلك أبو مالك نفسه ورئيس جيشه وعرض عليه عهد حسن جوار فوافق على الفور وقدّمَ ذبيحة وأقام وليمة (تك 26/28 ـ 32) وها نحن هنا الآن مع إبراهيم الذي يطلب إلى أبي مالك أن يرفع عنه أذى عبيده فيعيدوا إليه البئر التي احتفرها في نجعته وأن يعترفَ له بأنّه هو من احتفرها وما أن رأى إبراهيم جهل أبي مالك بما فعل رجالُه واستنكاره لما أقدموا عليه حتّى "أخذ غنماً وبقراً وأعطاها لأبي مالك فقطعا كلاهما ميثاقاً" إنّنا أمام تركيبة سرديّة واحدة ثابتة في الرّوايات الثّلاثة يُقدّم فيها الطّرف الأضعفُ والمستفيدُ المباشر من العهد الذّبيحة والوليمة المقدّستين
ثم إنّ توالي الأحداث على النحو الذي تورِدُه الرّواية ("أخذ إبراهيم غنماً وبقراً وأعطى أبا مالك فقطعا كلاهما ميثاقاً") يتطابق تماماً مع تسلسلِ الشّعائر القائمة في مناسبات "قطع" المواثيق والعهود المعروفة آنذاك وعليه فإنّه من المرجّح جدّاً أنّ هذه الحيوانات لم تكن إلاّ ذبائح العهد "المقطوع" بينهما ونحن نعلم أنّ عبارة "قطع ميثاقاً" نفسها التي يستعملها النّص تحمل في أصلها اللغوي البعيد ذكرى طقس يتضمن ذبح حيوان وتقطيعه في هكذا مناسبات ومشي المتعاهدين بين هذه القطع وهم يردّدون عبارات معينة تؤكّدُ احترامهم للعهد فالنّصّ إذاً على هذا النحو يتّفق تماماً مع الممارسات السّاميّة القديمة حَضَرُها وبَدْوُها وهكذا يكون إبراهيم وأبو مالك قد أقاما شعائر "قطع العهد" كاملة على ما توجبه التّقاليد المقدّسة آنذاك
وكما أنّ تقديم الأُضحية أمام الآلهة الشّاهدة على العهد شرفٌ عظيم وعملٌ يكاد يكون مقدّساً أو ربّما هو كذلك يقوم به عادة كبير القوم (الكاهن أو شيخ العشيرة أو القبيلة أو ربّ الأسرة أو ما شابه) فإنّ إكرام الضّيف قد لا يقتصر على تقديم الطّعام والشّراب له بل يكون أيضاً بمنحه هذا الشّرف المقدّس ليقوم به مباشرة أو يَندُبَ إليه أحدهم وعليه فمن المرجّح جدّاً أنّ إبراهيم وهو المضيف وتقديراً منه لمكانة أبي مالك (وهو ملك جَرار) وحكمته وفضله عليه وإحسانه إليه قد أعطاه الغنم والبقر ليقيم ذبيحة العهد بينهما أو يأمر بالذبح وعليه فإنّ "العطاء" هنا ليس البتّة "ثمناً" للبئر أو "هدية" ذات طابع اقتصاديّ شخصيّ كما قد يُتّوهّم بل تسليم شعائري لذبائح العهد إلى صاحب المقام الأعلى بين الحضور ليباشر وليمة العهد أو يأمر بما كان جزءاً لا يتجزّأ من طقوس "قطع الميثاق" بين النّاس
إنّ نزول أبي مالك عند رغبة إبراهيم ومَنْحِهِ إيّاه حقّ الارتفاق بالبئر دون الآخرين وإقراره له بأنّه هو من احتفرها لم يُوَثّق فقط بالعهد الذي "قُطِعَ" بينهما على ما يقول النّص وإنّما واكبه أيضاً مبادرة قد تبدو غريبة من جانب إبراهيم الذي أودع أبا مالك إثر "قطع العهد" "سبع نعاجٍ" على أن تكون هذه "شهادة" له بأنّه هو من احتفر البئر فماذا قصد إبراهيم بذلك؟ وهنا نعيد التّذكير بالنّص لأهميّته
"وكان إبراهيم أقامَ (וַיַּצֵּב) سبع نعاج من الغنم وحْدَها فقال أبو مالك لإبراهيم ما هي هذه النّعاج السّبع التي أقَمْتَها (הִצַּבְתָּ) وحدّها؟ فقال عليك أن تأخذَ من يدي هذه السّبع نعاج لكي يكون هذا شهادة لي بأنيّ حفرتُ هذه البئر" (تك 21/28 ـ 30)
أنّ الأسئلة التي يثيرها هذا النّصّ عديدة منها مثلاُ لماذا "أقام" إبراهيم نِعاجاً "وحدها" في عُزلةٍ عن باقي القطيع؟ وهل لهذا السلوك أي إفراد شاة أو غنمة عن باقي القطيع دلالة معيّنة؟ ثمّ لماذا اختار من الغنم "النّعاج" فقط أي الإناث تحديداً؟ وأخيراً لماذا "سبع" نعاجِ بالضبط لا أقلّ ولا أكثر؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه بالاستناد إلى السّياق الثّقافي لما يُفترضُ أنّه عصر إبراهيم
لا بُدّ في البداية من الإشارة إلى أنّ موضوع "إفْرَادُ" النّعاج السّبعة وعزلها عن القطيع لم يحظ بانتباه الكثير من الشّارحين اليهود التّقليديين وعنايتهم بل انصرف جُلُّ جهدِهم إلى العدد 7 وإلى الكيفيّة التي بها "شهِدّتْ" هذه النّعاج في حضور أبي مالك على أنّ إبراهيم هو من حفر البئر فقد زعم بعضهم أنّ ماء البئر كانت تصعد إلى السّطح إذا ما رأت أغنام إبراهيم قادمة إليها وتتراجع وتغور إلى القعر كلّما تقدّمتْ أغنام عَبيد أبي مالك (!!) وبهذا شَهِدت الأغنام نفسها على صِدْق مقولة إبراهيم وعليه أُسدِيَتْ إلى أبي مالك باعتبارها وثيقة ماديّة تشهدُ على صِدق دّعوى المدّعي إبراهيم وأمّا عن اختيار هذا الأخير للعدد 7 (שֶׁבַע) فذلك يعود على زعمهم إلى أنّ هذا العدد مقترنٌ لفظيّاً بفعل القسم (נִשְׁבְּעוּ) فيكون كما لو أنّ أبا مالك بقبوله النّعاج السّبعة من يد إبراهيم قد أقسم ضِمناً على أنّ البئر حقٌّ لهذا الأخير
ولكن بعيداً عن هذه التّأويلات المزاجيّة فإنّ السّياق التّاريخي للتقاليد السّاميّة القديمة وخصوصاً البدويّة منها التي استمرّ بعضها حَيّاً في مناطق واسعة من جزيرة العرب وبادية الشّام إلى عهدٍ قريب من الإسلام بل وجاوز ذلك في حالات عديدة قد يُرْشِدُنا إلى المعنى المقصود من هذه العبارات التي ربما بدت غامضة للحَضَرِ الذين دوّنوها بعد حوالي ألف سنة تقريباً من ظهورها في روايات تتناقلها الألسن وكذلك للحضَر الذين حاولوا شرح ما دُوِّنَ بعد تدوينه بمئات السّنين أيضاً فالنّصّ يذكر أنّ إبراهيم أقام/جعل/ نصب (יַּצֵּב) سبع كبشات/نعجات (כִּבְשֹׂת) على حِدَة/مفصولة عن القطيع/لوحدها (לְבַדְּהֶן) فما الغرضُ من فصلِ هذه النّعجات السّبع عن باقي القطيع وإقامتها "على حِدة" أو "لوحدها"؟ فهل يُحتملُ أنّ الأمر يتعلّقُ بمعتقداتٍ أو طقوس معروفة آنذاك أم أنّه محضُ تدبير عشوائي أو شخصيّ ارتآه إبراهيم في لحظةٍ معيّنة لإرضاء أبي مالك واحتفاءً به وبما قدّ تمّ التّراضي عليه والمعنى عندها بسيطٌ جداً لا يتعدّى الظّاهر من الكلام؟
ما تفيدنا به الرّواية مباشرةً أنّ "النّعجات السّبع" لم يخترها إبراهيم في الحال وعلى نحوٍ عفويٍّ وعشوائيّاً من بين الأغنام أمام ناظريّ أبي مالك ويدفع بها إليه تلقائيّاً بل يبدو أنّها كانت "مفصولة" أصلاً عن باقي الحيوانات وأنّ الفصل هذا لم يجرِ أمام عينيّ أبي مالك للتّو فالنّصّ من جهة لا يذكر أنّ فرز النّعاج وإعدادها تمّ بحضور أبي مالك ومن جهة أخرى إنّ سؤال هذا الأخير لإبراهيم "ما هي هذه النّعاج التي أقمتها وحدها" (אֲשֶׁר הִצַּבְתָּ לְבַדָּנָה) يشير إلى حدثٍ سابقٍ زمنيّاً على لحظة السّؤال لا إلى فعلٍ يحدث أثناء السّؤال عنه وإلاّ لكان من الطّبيعيّ أن يقول له عندئذٍ مثلاً "لماذا أنت تُقيم" (למה אתה שם בצד?) أو "تفصل" أو "تنصب" أو أيّ عبارة أخرى من هذا القبيل فسؤال أبي مالك إذاً ليس عن أمر في طور التّحقّق قدّامه بل عن حدثٍ مضى وتجسّدت آثاره أمام ناظريه فسؤاله يُحْمَلُ إذاً على نتائج الفعلِ لا على أوائله أو صيرورته الآنيّة فصيغة الفعل ("التي أقمتَها/نصَبْتَها") الوارد في السّؤال لا تحتمل إلاّ هذا التّفسير فالرّواية تُظهِرُ إذاً في هذا المشهد "النّعاج السّبعة" "مفصولة" عن باقي القطيع ومُعدّة مُسبقاً لأمرٍ ما وأبا مالك يسأل لِمَ هي كذلك وهو لا يعلمُ أنّها قد أُعِدَّتْ لِتؤدّى إليه
ولا بدّ من التّنويه هنا بأنّ أبا مالك في سؤاله يخاطِبُ إبراهيم مباشرةً وينسِبُ إليه فعل "إقامة النّعاج لوحدها" أو "نصبها" (הִצַּבְתָּ) على هذه الحال لأنّه على يقين بأنّ فعلٍ كهذا ليس عملاً عاديّاً يقوم به عبيد إبراهيم تلقائيّاً في شغلهم اليومي ف "نَصْبُ" هذه النّعاج لوحدها على هذا النّحو لابدَّ أنّه كان بقرارٍ مباشرٍ من إبراهيم والتّنفيذ قام به هو نفسه أو بإيعاز منه فمن الظّاهر إذاً تِبعاً لسؤال أبي مالك وسلوك إبراهيم أنّ هذه النّعاج السّبعة تتمتّعُ بوضع مميّز بالنسبة إلى باقي القطيع لا يمكن أن يقرّره إلاّ المسؤول الأوّل عن القطيع بل ويمكن الذّهاب إلى أبعد من ذلك بالقول بأنّ وضعٌ النّعاج هذا وضعٌ طقسيّ أو مقدّس وعلى ذلك قرائن 1 ـ التّأكيد على "نَصْبِها" مُفردَةً عن باقي القطيع (وُرُود لفظ "لوحدها" مرتين في النّصّ في السّؤال وفي الجواب يذهب باتجاه هذا التّأكيد) 2 ـ أنّ هذه الحيوانات التي "أُقيمَتْ لوحدها" كانت كلّها "إناث" فلا أكباش بينها 3 ـ كانت "سبع" فقط لا أقلّ ولا أكثر
فهذه العناصر الثّلاثة مجتمعة (وحدها/إناث/سبعة) تُشير بطبيعة الحال إلى أنّ هذه "النّعاج" وِفق مقاييس الثّقافات السّاميّة القديمة تتمتّعُ بطابعٍ طقسيٍّ وقدسيٍّ لا لُبس فيه ومما يؤكّد ذلك لجوءُ النّصِّ إلى فعل (וַיַּצֵּב/הִצַּבְתָּ = نَصَبَ) للإشارة إلى الوضعيّة المُمَيّزة أو المقدّسة لهذه النّعاج ولكن قبل أن نتناول هذه العناصر الثّلاثة بشيء من التّفصيل لنبحث أوّلاً دلالة الفعل المستعمل في الإشارة إلى الحدث بمجمله أي "إقامةِ"/"نَصْبِ" (וַיַּצֵּב/הִצַּבְתָּ) النّعجات السّبعة لوحدها"
"نَصْب/وضع عمودي" (וַיַּצֵּב/הִצַּבְתָּ) كلمتا (וַיַּצֵּב و ִצַּבְתָּ) الواردتان في سؤال أبي مالك وجواب إبراهيم مشتقّتان من الجذر ن/ص/ب/ (= נـצـב) وهو جذر قديم في اللغات السّاميّة ومعناه في الأصل أقام وأوقف شيئا أو أثْبَتَه في الأرض على نحو مميّز وخصوصاً على نحو عموديّ ولكنّ استعمالاته غالباً ما ارتبطت بالمقدّس ففي العربيّة مثلاً "نَصَبَ" منها النّصْبُ والنُّصُب والأنْصَاب المقدّسة وهي حجارة أو أعلام كان يُذْبَحُ للآلهة عندها وقد ورد ذكر الأنصاب في القرآن أيضاً بهذا المعنى في سورة المائدة الآيتين 3 "[...] وما ذُبِحَ على النُّصُب" و9 "إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ [...]" وسورة المعارج آية 43 "[...]كأنّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُون" (أي يُسرعون) ومنها أيضاً "نَصَبَ خيمته" فالخيمة (في العُرف الرّعوي القديم) ليست منطقة محايدة بل نَصْبُها ينشئ للتّو منطقة محميّة أي منطقة "حَرَم" لا تحِلُّ إلاَ لصاحبها وأهله ومن التجأ إلى "خيمة" فلان دخلَ في حَرَمِهِ أو حُرْمَته أو "جيرته" أي في حمايته وفي العهد القديم هناك "خيمة الموعد أو الاجتماع" وهي خيمة مقدّسة لها حُرْمة كانت مكان اللقاء بين موسى وربّه
وأمّا عن هذا الجذر في التَوراة فإنّ تواتُرَه في الأسفار المتعلّقة بالآباء شبه الرّحل (إبراهيم وإسحاق ويعقوب /تكوين الأسفار 12 ـ 35) يؤكّد ارتباطه بالمقدّس على نحو بَيِّن فقد ذُكِرَ في هذه الأسفار على ما يقرب من تسع مرّات منها اثنتان فقط في سياقٍ حياديّ واضح وسبع مرات في سياقات مرتبطة بالمقدّس من خلال العهود الطّقسيّة أو الرّؤى الدّينيّة أو الشعائر العباديّة أو الجنائزيّة ولنا في ما فعله يعقوب في طريقه إلى فدان آرام وعودته منها خير دليل فهو في المرّة الأولى "[...] أخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه ونَصَبَهُ (מַצֵּבָה) عموداً وصبّ زيتاً على رأسه" (تك 28/18) وفي المرّة الثّانية "نَصَبَ يعقوب عموداً (מַצֵּבָה) في المكان الذي فيه تكلّم [الرّبّ] عموداً من حجرٍ وسكب عليه سكيباً وصبّ عليه زيتاً" (تك 35/14) وقد رفض لاحقاً التّشريع الموسوي الذي ثبّته الأحبار هذه الطّقوس المقدّسة فقد جاء مثلا في سِفر التّثنيَة "ولا تُقِمْ لنفسك نصباً فهذا مما يُبْغِضُه يهوه إلهك (וְלֹאתָקִים לְךָ, מַצֵּבָה, אֲשֶׁר שָׂנֵא, יְהוָה אֱלֹהֶיךָ)"
إلى جانب الجذر "نصب" (נـצـב) ذي البعد الدّينيّ الجليّ هناك أفعال عبريّة أٌخرى تدور في الحقل الدّلالي نفسه أي بمعنى وقف وأوقف ووضع وثبّت شيئاً على نحو عمودي أو فرز وفصل وأخرج جزءاً صغيراً من المجموعة وما شابه ولكنّها ليست مشحونةً ببُعدٍ دينيّ كما "نصب" (נـצـב) من مثل هذه الأفعال "שׂים/שם" (وضع/جعل) أو "בדל/הבדיל" (فصل/ميّز/عزل) أو "פרד/הפריד" (فرّق/فصل) أو "הוציא" (أخرج) أو غير ذلك ولكنّ الواقع على ما جاءت به الرّواية التّوراتيّة أنّ أبا مالك لم يستعمل فعلاً حياديّاً من مثل هذه التي ذكرنا بل استعمل "הִצַּבְתָּ" (نصَبْتها/أقمتها) وقد كان بإمكانه أن يستعمل أفعالاً أخرى لا تحمل أي صبغة دينيّة ولكنه لم يفعل فاستعماله ل "הִצַּבְתָּ" إذاً لا يبدو بريئاً ولا حياديّاً بل مقصوداً لذاته والسّبب في ذلك على الأرجح أنّ أبا مالك حين رأى النّعاج السّبع "مُقامَة وحدها" ("منصوبة") لم يرْ فيها مجرّد /سبع /إناث من الغنم /قد وُضِعَت على حِدّة/ لغرضٍ ما بل أدرك فوراً هيئة طقسيّة متكاملة وعَرَفَ الغرض منها والرّمزيّة الدينيّة من ذلك فالعدد "سبعة" والجنس كلّها "إناث" وحالها "مفصولة عن باقي القطيع" لذلك سأل ما هذه أي ما معناها الطّقسي أي لمَ أو لمنْ هي مرصودة؟ لأي غرض "نصبتها/أقمتها"؟ فنَصَبَ لا يستعمل هنا بمعنى مُحايِد بل يدخل في حقلٍ طقسيٍّ واضح كالحجر المنصوب أو العمود النّصب المقدس
إنّ نصْب الحجر ونصْب الحيوان يشتركان في صورة طقسيّة واحدة وهي إخراج الشّيء من وضعه الطّبيعي وأقامته أو وقفه أو فرزه وحيداً بعيداً عن أقرانه ليصير علامةً أو شاهداً فالصورة العامة واحدة فالحجر يُنْصب ويُصّبُّ عليه السّكيب المقدّس فيصير نُصباً مقدّساً ويخرج من دائرة الأحجار العاديّة والحيوان يُفرز/يُقام/يُنْصبُ وحده بعيداً عن القطيع ويُرصّدُ للآلهة فيصير مقدّساً فالحجر والحيوان هنا كلاهما ينتقل من المجال الطّبيعيّ والعاديّ إلى المجال الدّينيّ والطّقسي فالشيء المنصوب لا يكون مجرد شيء موضوعٍ في مكان بل يصبح مَعْلَماً مقدّساً مرئيّاً ثابتاً ومشحوناً بدلالة قدسية فالحجر "المنصوب" ليس حجراً عاديّاً عند يعقوب والنّعجة/المُقامة/المنصوبة كذلك ليست حيواناً عاديّا عند إبراهيم وفي هذا المشهد ومن خلال سّؤال أبي مالك وجواب إبراهيم يرشحُ أنّ الرّجلين لهما المعتقدات والطّقوس عينها أو متماثلة (وهذا الجانب ما سنبحثه لاحقاً) فأبو مالك يرى ويفهم ما يجري ولكن يسأل لماذا؟ لمنْ؟ وإبراهيم لا يشرح لأنّه يعرفُ يقيناً أنّ أبا مالك على دراية بهذا الطّقس بل يجيبه عن سؤاله مباشرةً هي لك أنتَ إنْ تشهد لي بموجبها بأنّي أنا من حفر البئر ولنعد الآن إلى العناصر الثّلاثة (وحدها/إناث/سبعة) التي تجعل من نعجات إبراهيم حيوانات حُرُم أو مقدّسة
(لوحدها) لنبدأ بالميزة الأولى "لوحدها" والقصدُ من ذلك إخراج بعض الحيوانات الداجنة والمنتجة والمُدِرّة اقتصاديّاً بالنّسبة للإنسان كالنوق والبقر والغنم والمعزى والحمير من دائرة الاستثمار الاقتصادي العادي (البيع والشّراء والانتفاع باللّحم واللبن والشّعر والصّوف والنّاتج والرّكوب والفلاحة والاستخدام وغير ذلك) وإدخالها دائرة أُخرى هي دائرة الدِّين (النّذر والوقف والهبة وما شابه ذلك) وما يتّصل به من شعائر أو طقوس مقدّسة مُلْزِمة وهذا تقليدٌ قد مارسته المجتمعات السّاميّة القديمة بَدْوِها وحَضَرِها (لدينا نصوص أثريّة من بلاد الرّافدين ومن اليمن وأخرى آراميّة أو كنعانيّة وكذلك عادات العرب قبل الإسلام في السّائبة والبحيرة والوصيلة والحامي التي استمرّت إلى ظهور الإسلام ) لأغراضٍ عقائديّة أو إيمانيّة شتّى (شُكر الآلهة وحمدها أو التّقرّب منها والتّزلّف إليها لنيل بركتها أو الطّلب والنّذور وما إلى ذلك) ومتى دخلت هذه الحيوانات هذا الحيّز المقدّس لا يجوز استبدالها ولا بيعها ولا استخدامها في غير الغرض المقدّس التي نُدِبَتْ إليه ولا يجوز ذبحها إلاّ إذا كانت مرصودة لذلك في الأصل فتُتْرَكُ طليقةً تُشيعُ بما فيها من قداسة (لارتباطها على هذا النّحو بعهدٍ مقدّس بالآلهة) البركةَ والخيرَ في الانسان والحيوان والمرعى من حولها حتّى تموت فيكون لحمها المقدّس طعاماً للجميع أو وقفاً على الرّجال فقط دون النّساءِ مثلاً (الِحيضِ خصوصاً) على ما تقرّه بعض التّقاليد (قصد الامتناع عن الجمع بين المقدّس والنّجِس)
وقد سمّوا هذه الشّعيرة بحسب لغاتهم السّاميّة بمسمّيات مختلفة (حُرم أو قدْس أو سائبة أو غير ذلك) بالنّظر إلى الغرض المقدّس المرجُوِّ منها أو بالنّظر إلى الكيفيّة التي تقوم عليها عملية الوقف أو التّكريس هذه فبعض هذه الحيوانات كان يُحبس أو يُربطُ إلى المعبد أو على العكس من ذلك تُرْسّلُ من غير قيد تسرحُ حيث شاءت لا تُمنَعُ كلأ ولا ماءً أينما حلّتْ (لذلك سُمّيَتْ عند العرب مثلاً النّاقةُ المكرّسة على هذا النحو "سائبة ـ راجع بحث "صراعُ الألوان بين "حمراء" التّوراة و"صفراء" القرآن" 6/4) أو بالنّظر إلى المصير المحتوم لهذا الحيوان الذي كان يُذبح في بعض الحالات بَعْدَ أجلٍ معلوم قرباناً للمعبد أو للآلهة وفي حالات أُخرى يعود نفعه على المعبد أو يُترك ولا يُستخدم البتّة ويكون هذا في النذور خصوصاً وهكذا تَراهم قد اتفقوا على الشّعيرة أو الفعل الطّقسي بذاته أي إخراج الحيوان من دائرة التّداول الاقتصادي البشري العاديّ والملكيّة الخاصّة وقطعِ المنفعة المباشرة منه وجعله وقفاً على المقدّس وتكريساً له ودلّوا عليه بأسماء مختلفة على ما أمْلَت به عليهم لغاتهم وثقافاتهم
وقد ورد العديد من حالات هذا الفرز المقدّس وأحكامه في التّوراة مثلاً من ذلك قول الرّبّ لموسى في التّشريع "قَدّسْ لي كلَّ بِكْرٍ [...] من النّاس ومن البهائم إنّه لي" (سفر الخروج 13/1 ـ 13) فالبِكر من الحيوان مثلاً لا يُعامل معاملة القطيع بل يُفرز منذ ولادته لأنّه مُكرَس للرّبّ وكذلك مَثَلُ "البقرة الحمراء التي "لم يعلُ عليها نيرٌ = לֹאעָלָה עָלֶיהָ, עֹל" ( سفر العدد 19/2) أي أنّها لم تُدَنّس يوماً بخدمة الإنسان فلم تُستخدم قطُّ في عملٍ أو حرثٍ أو جرٍّ أو حملٍ أو ركوب فصارت بذاك مكرّسةً للإله ومقدّسةً وأهلاً لأنْ تكون قرباناً له ولدينا على نحو مماثل "عِجْلَة كفارة الدّم" فهي "عجلة من البقر لم يُحْرَث عليها ولم تُجَرَ بالنير" (تثنية 21/3) وقد جاء في سفر اللاويين بشأن شروط وقف هذه الحيوانات أو تكريسها للإله "[...] فكلّ ما يُعطى منه للربّ يكون قدْساً لا يُغيّره ولا يُبَدّله جيداً برديء أو رديئاً بجيّد وإن أبدلَ بهيمةً ببهيمة تكون هي وبديلها قُدْساً" (سفر اللاويين 27/9 ـ 11)
ومن المعلوم أنّ فصل الحيوان عن أقرانه وجعله مقدّساً أهلاً لأن يكون قرباناً للآلهة أو وقفاً عليها لا يحصل بين ليلة وضحاها إذ لا بدّ للأمر من أن يأخذ زمناً معلوماً قد يطول أو يقصر على ما تقتضيه الشّعيرة وهذا ما يُرَجِّحُ أنّ هذه النّعاج قد فُصِلَتْ قبل حضور أبي مالك بزمن لا نعرف مداه ومن هنا كانت صيغة سؤال هذا الأخير التي تومئ إلى حدثٍ قد فات وانقضى وعلى ذلك وبناءً على ما يفيدنا به النّصّ إذاً تصريحاً أو تضميناً معاً يمكن القول بأنّ إبراهيم كان ينتظرُ أو يَظُنُّ أو ربما كان يأمل أنْ يمرّ به أبو مالك يوماً وكان ينوي أنْ يثير معه ساعتئذٍ النّزاع حول البئر فاعدّ للأمر عُدّته قبل ذلك بزمنٍ قصيرٍ أو طويلٍ لا يُفصِحُ النّصُّ عنه ف"نَصَبَ" أو "أقام لوحدها" لهذا الغرض "سبع نعاج" على حِدّة بعيداً عن باقي البقر والغنم فأخرجها بذلك من الدّورة الاقتصاديّة العاديّة ووقفها على الآلهة لجعلها مقدّسة كما تقضي الشّعائر آنذاك وليؤديها عندما يحين الوقت المناسب إلى أبي مالك ف "نَصْبُ" إبراهيم هنا ل "سبع نعجات" يدخل تماماً في حيّز الفرز المقدّس للحيوان المرصود لوظيفة مقدسة ولو كان غرض إبراهيم لا يتجاوز هديّة عاديّة يقدّمها لأبي مالك في هذا السّياق لكان تخيّر أفضل النّعاج وأحسنها على مرأى من أبي مالك حينما مرّ به وأعطاه إيّاها في الحال ويتعزز هذا الاتجاه بكون هذه الحيوانات مقدّسة أنّها كلها "إناث (أمّا لماذا وجب أن تكون النّعاج هنا مقدّسة فهذا ما سنراه لاحقاً) وقد عرفَت التّوراة حادثة أخرى جرى فيها تكريس الحيوان للآلهة ففي 2 ملوك 23/11 ومن ضمن حركته الدّينيّة/الاصلاحيّة لإبطال الطّقوس والشّعائر غير "اليهويّة" (نسبة إلى يهوه ) قام ملك يهوذا (يوشيا/منتصف القرن السّابع قبل الميلاد أي حوالي ما يزيد عن ألف سنة بعد إبراهيم) وكهنتها "بإزالة الخيل التي كان ملوك يهوذا قد كرّسوها للشمس [اللإلهة] من مدخل بيت الرّبّ إلى [...] الحجرة الملكيّة وكامل الأروقة والملحقات الخارجيّة" مما يعني أنّ هذه المعتقدات والطّقوس كانت متجّذرة في هذا المجتمع منذ القديم وأنّ الحيوان كما الحجر يمكن أن يُرصّدَ للإله فيكون مقدّساً ويدخل في ملكية إلهيّة أو طقسيّة كما نرى مع نِعاج إبراهيم
(إناث) في المجتمعات السّاميّة القديمة كانت الحيوانات التي تُقدّمُ قرابين للآلهة أو تُوقفُ عليها (تُكرَس لها) ذكوراً أو إناثاً سواء بسَواء وفي حالاتٍ معيّنة لَزِمَ أن تكون فيها الأُضحية ذكرا أو أُنثى فأتى نصٌّ عندها بتحديد ذلك صراحةً أو جرى به تقليدٌ عرَفَه الجميع وإنْ اعتمدنا نصّ التّوراة هنا مثلاً لوجدنا فيه ما يشير إلى الأوضاع الثّلاثة المذكورة وهاكم بعض الأمثلة
"ذبيحة السّلامة" من البقر أو الغنم يمكن أن تكون ذكراً أو أنثى لا فرق فقد جاء ما نصّه "وإن كان قُربانه ذبيحة سلامة فإنْ قرّبَ من البقر ذكراً أو أُنثى فصحيحاً يُقرّبه أمام الرَب" (اللاويين ـ الأحبار 3/1) وكذلك جاء في الإصحاح عينه "وإن كان قُربانه من الغنم ذبيحة سلامة للرّب ذكراً أو أُنثى فصحيحاً يُقرّبه" (اللاويين ـ الأحبار 3/6)
والذّكور كانت في غالب الأحيان لازمةً في قرابين البكورة والمحرقة والقرابين ذات الطّابع الاحتفالي العامّ من ذلك "إن قرّبَ إنسانٌ منكم قرباناً للرّب [...]فإن كان قُربانه محرقة من البقر فذكراً تامّاً [...]" وجاء أيضاً "وإن كان قربانه من الغنم الضّأن أو المعِز محرقة فذكراً تامّاً يُقرّبه" (اللاويين ـ الأحبار 1/2 ـ 3 و1/10) وكذلك "كلّ بِكرٍ ذَكر يولد من بقرك ومن غنمك تُقدّسه للرّب إلهك لا تستخدم البكرَ من ثورك ولا تجُزَّ بِكرَ غنمك" (تثنية 15/19) فالبكر الذّكر يمثّل فاتحة الرّحم وافتتاح النّسل ولذلك "يُقَدَّس" (يُقدّم للآلهة) بوصفه الأوّل لا بوصفه الأكثر انتاجيّة والنّصّ هنا يشير كذلك إلى شعيرة رأيناها سابقاً وهي جعل الحيوان مقدّساً بتكريسه أو وقفه على الرّبّ أي إخراجه من دائرة التّبادل الاقتصادي والملكيّة الخاصّة قبل تقديمه قُرباناً والحيوان الُمشار إليه هنا "البِكْر" تحديداً
أمّا الإناث فكانت مرغوبة خصوصاً في قرابين الطّقوس المرتبطة بالخصب والإنتاج والولادة والموت والتّطهّر من النّجاسة ومحو الخطيئة ووفاء النّذور أكان ذلك في الفرد أو الجماعة فذبيحة الخطيئة للفرد العادي عنزة أنثى بلا عيب أو نعجة بلا عيب يقول النّصّ "وإنً أخطأ أحدٌ من عامّة الأرض سهواً بعمله مما نهى الرّبّ [...] يأتي بقربانه عنزاً من المعزى أنثى صحيحة عن خطيئته التي أخطأ [...]وإنْ أتى بقربانه من الضّأن ذبيحةَ خطيّةٍ يأتي بها أُنثى صحيحة" (اللاويين ـ الأحبار 4/27 ـ 28 و32) وأيضاً نقرأ "ويأتي إلى الرّبّ بذبيحة لإثمه عن خطيئته التي أخطأ بها أنثى من الأغنام نعجة أو عنزاً من المعز ذبيحة خطيّة فيكفّرُ عنه الكاهن من خطيئته" (اللاويين ـ الأحبار 5/6) وطبعاً من أمثلة إناث الحيوانات المرصودة والمُعّدّة للقربان أي التي فُصِلت عن القطيع ووُهِبَتْ للرّب نذكر "البقرة الحمراء" (العدد 19/2 ـ 9) ذبيحة الخطيّة والتّطهير من نجاسة الموت و"العِجْلَة" (التّثنية 21/1 ـ 9) التي يُدَقُّ عنقها تكفيراً عن قتيل مجهول وكلتاهما ينبغي أنْ تكونا كما يقول النّصّ صحيحتين لا عيبَ فيهما ولم تحرُثا ولم يعلُ عليهما نير أي قد أُخرجتا سابقاً من دائرة الاقتصاد العادي
ولدينا مثلٌ قد اجتمعت فيه العناصر الثّلاثة معاً مُبيّناُ العلاقة اللازمة ما بين نوع القربان وجنس الحيوان الضّحيّة ألا وهو "شريعة النّذير" أي قربان وفاء النّذر في سِفر العدد (العدد 6/13 ـ 14 وما بعد) جاء في النّصّ أنّه "[...] يوم تكتمل أيّام نذره يُؤتى به إلى باب خيمة الاجتماع فيُقرّب قربانه للرّب خروفاً واحداً حوليّاً صحيحاً محرقة ونعجة واحدة حوليّة صحيحة ذبيحة خطيّة وكبشاً واحداً صحيحاً ذبيحة سلامة [...]" فالحيوان الذّكر للمحرقة وللسلامة والحيوان الأنثى للخطيئة (ويمكن أنْ تكون أيضاً للسلامة كما رأينا في موضعٍ آخر) خلاصة القول هنا أنّه باستثناء قرابين البكورة والمحرقات والطّقوس العامة التي تغلب فيها الذكورة تظهر إناث الحيوانات بقوة في القرابين الفرديّة وطقوس الخطيئة والتّطهير والنّذر وغير ذلك والتّضحية بأنثى الحيوان (ناقة أو بقرة أو عجلة أو نعجة أو عنزة) خصوصاً في المجتمع الرّعوي (البدوي أو الحضري) ليست تضحية بالفائض أو بما هو أقلّ قيمة اقتصاديّاً بل على العكس تماماً إنّه تضحية بما هو أعلى قيمة وأغلى فالذّكر يمكن أن يلقح عدداً كبيراً من الإناث ولذلك لا يحتاج القطيع إلى ذكور كثيرة أمّا الأنثى الواحدة فهي مصدر الخصب والإنتاج والثروة إنّها وِحدة إنتاج متكاملة تلد وتدر اللبن وتعطي الشّعر وتزيد الثّروة فإخراجها من الاستعمال الاقتصادي اليومي يَمُسُّ مصدر التكاثر نفسه واستمرار القطيع فمَنْعُ الانتفاع العاديّ بها ليس إذاً من وُجهة نظرٍ اقتصاديَة بحتَة فعلاً محموداً بذاته ولكن لمّا كان القربان الإلهي مما ينبغي أن يكون ذا قيمة اقتصاديّة واجتماعيّة حقيقيّة وليس من الفائض المهمل كان تقديم الأنثى قرباناً في بعض الطّقوس أبلغ من تقديم الذّكر وأشدّ دلالة من النّاحية الاقتصاديّة والرّمزيّة لأنّها مصدر البقاء والاستمرار في الحياة للحيوان والإنسان معاً يُهدَى إلى الآلهة ولنا في رفض داود هديّة أرونة اليبوسي الذي عرض عليه بيدره وبَقَرَهُ من دون أيّ مقابل ليتمكّن من بناء مذبحٍ وإقامةِ محرقةٍ تأكيدٌ صريٌح لهذا المبدأ ألا وهو أنّ قرابين الرّب ينبغي أن لا تكون بخسة الأثمان بل مرتفعة القيمة إذ يقول داود على ما جاء في النّصّ "لا بل أشتري منك بثمن ولا اُصعِدُ إلى الرّبّ إلهي مُحْرَقات لا تكلفني شيئاً فاشترى داود البيدر والبقر بخمسين شاقلاً من الفضّة" (صموئيل الثّاني 24/24) ولم يرضَ أن يُقدّم لربّه قرابين مجّانيّة رغم أنّها بذاتها تحمل قيمة اقتصاديّةً معيّنة
وعليه فإنّ الحيوان الأُنثى في الاقتصاد الرّعوي أكثر قيمة من الذّكر وإخراجها من القطيع وجعلها مقدّسة لتقديمها قرباناً لائقاً بالآلهة أو رصدها لها تبرّكاً بها وتقرّبا منها يحملُ قيمة اقتصاديّة وشُحنة دينيّة أعلى مما يميّزها عن الحيوان الذّكر الذي غالباً ما يُقَدّمُ قُرباناً عندما تكون الرّمزيّة رمزيّة البداية والسّيادة والفحولة في حين تُقَدّم الأنثى عندما تكون الرّمزيّة رمزيّة الحياة والخصب واللبن والرّحم والصّورة عينها نجدها عند البدوي العربيّ ما قبل الإسلام فالقرآن يورِدُ أربع حالات من حيوانات مقدّسة عند البدويّ مرتبطة بشعائر وطقوس مقدّسة أبْطَلَها ثلاثةٌ منها تشير إلى حيوانٍ أُنثى وواحدٌ فقط إلى حيوانٌ ذكر فقد جاء في سورة المائدة (آية 103) "ما جعلَ الله من بَحِيرةٍ ولا سائبَةٍ ولا وصيلةٍ ولا حامٍ [...]"
وعلى ما أوردته المعاجم وكتب الآثار الحامي الفحلُ من الإبل يضرِب الضّراب المعدود وقيل عشرة أبطن فإذا بلغ ذلك قالوا هذا حامٍ أي حَمى ظهره فيحرّم ذبحه ويُتْرَكُ فلا يُجزُّ له وَبَر ولا يُنْتَفَعُ منه بشيء ولا يُمنَعُ من ماء ولا مرعى فهو الجملُ الأبّ الذي يُعمّرُ طويلاً ويعيش حتّى ولادة نسل جديد من أولاده
أمّا الوَصِيلَة فكانت في الشّاء خاصة وكانت الشّاة إذا ولدت أُنثى فهيَ لهم وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم فإذا ولدت ذكراً وأُنثى قالوا وَصَلَتْ أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم وقال آخرون الوَصِيلَة النّاقة التي وصلتْ بين عشرة أبْطُن وهي من الشّاء التي ولدت سبعة أبطُن عَناقَيْن عَناقَيْن فإن ولدتْ في السّابع عَناقاً قيلَ وَصَلَتْ أخاها فلا يَشْرَبُ لبن الأمّ إلاّ الرّجال دون النّساء وكان لحمها حراماً على النّساء وتجري مجرى السّائبة ووردت أقوالٌ أُخرى في هذا بتفاصيل متباينة ولكن أيّاُ يكن الأمر فالخلاصة واحدة وهي أنّ الوصيلة شاة أو نعجة أو ناقة كُرِّست للآلهة فصارت مقدّسة ينتفعُ الإنسان والحيوان ببركتها على مَن حولها لا بلحمها ولبنها وشعرها أو وبرها
والسّائبة وأصله من تسييب الدّواب أي إرسالها تذهب وتَجيء حيث شاءت وهي ناقة دُفِعَ بها بلاءٌ عن صاحبها فكُرّست للآلهة ونُذِرَت لها فكان "الرّجل في الجاهليّة إذا قَدِمَ من سفرٍ بعيدٍ أو بَرِيء من علّة أو نجّتهُ دابّة من مشقّة أو حرب قال ناقتي سائبة أي تُسيّبُ فلا يٌنتفعُ بظهرها ولا تُحَلَّأُ (=تُمنعُ) عن ماءٍ ولا تُمنعُ عن كلأٍ ولا تُركَبُ" (لسان العرب/ س.ي.ب) فتصير حراماً مُقدّسةً لا "يشربُ لبنها إلاّ ولدها أو الضّيف (وفي هذا دليل على قدسيّة الضّيافة عند العرب/ راجع مقالتنا أيكون إبراهيم عربيّاً/الضّيافة العربيّة) حتّى تموت فإذا ماتت أكلها الرّجال والنّساء جميعاً" ولكنّ بعضُ القبائل حرّمت على النّساء أيام الحيض أكل لحم هذه الناقة المقدّسة وقيل أيضاً في السّائبة هي النّاقة التي إذا وَلَدَتْ عشرة أَبْطُن كُلُّهُنَّ إناث سُيِّبَتْ فلم تُرْكَبْ ولم يَشْرَب لَبَنَها إلاّ وَلَدها أو الضّيف حتّى تموت فإذا ماتت أكلها الرّجال والنّساء جميعاً" وبُحِرَتْ أُذن ابنتها الأخيرة أي شُقّت بنصفين وقيل بنصفين طولاً ليكون التّبحير أو البحر علامة التّخلية فالبحيرة بنت السّائبة وهي بمنزلة أُمّها في أَنّها أيضاً سائبة مكرّسة للآلهة
فشعيرة إفراد حيوان عن باقي القطيع وجعله مقدّساً بوقفه على الآلهة وُجِدَتْ على الأرجح إذاً في كافّة العقائد والممارسات عند السّاميين القدماء وكانوا يميلون أكثر إلى الإناث منها فهي ذات قيمة مرتفعة كما رأينا خصوصاً في المجتمعات الرّعويّة مما يرفع من مكانتها في عين الرّبّ وفي زعمهم أنّ التّعرّض بالأذى لهذه الحيوانات المقدّسة خطيئة في حقّ الآلهة ومَنْ فَعَلْ لا بدّ وأن يصيبه بلاء أو عقوبة في الدّنيا ولنا على ذلك دليل بيّنٌ في ما ذكره القرآن عن "ناقة صالح" والعِقاب الذي نزل بقوم ثمود لِعقرهم "النّاقة"
تقدّم القصة القرآنيّة هنا مشهداً مكتمل الأركان تماماً لهذا الُمعْتَقَد السّامي القديم كما رأينا والطّقس المرتبط به لاسيّما عند البدو الرّحل منهم أو شبه الرُّحّل فالقصّة باختصار (راجع خصوصاً سورة الأعراف 73 ـ 79 وسورة هود 61 ـ 68 وسورة الشّعراء 141 ـ 159 وسورة النّمل 45 ـ 53 وسورة القمر 23 ـ 31) تَرْوي عن نبيّ (صالح) أنّه وَقَفَ بمبادرةٍ منه أو بإيحاءٍ من الله على الأرجح (حسب النّصّ) حيواناً أنثى لربّه بيّنَةً على صِدْق دعوته ("ناقةً الله لكُم آيةً") وسيّبها ترعى أنّى تريد ("فَذَرُوهَا تَأْكُلُ في أَرْضِ الله") وجَعَلَ "لها شِرْبٌ ولكم شِربُ يَوْمٍ معلوم") وحذّرَ قومَهُ من التّعرّض لها وإلاّ نزل بهم العقاب ("ولا تَمسُّوها بِسُوءٍ فيَأْخُذُكم عَذابٌ قَرِيبٌ") لكنّ قومه لم يصغوا إليه ("فَكَذَّبُوه فَعَقَرُوها فدَمْدَمَ عليهم رَبُّهُم بِذَنْبِهِم فسَوّاها") ولم تَكَدْ تمْضِ "ثلاثة أيّامٍ" على فِعْلَتهم حتّى أخذتْهم "الرّجْفة" أو "صيحةٌ واحدة" "فأَصْبَحُوا في دِيارِهِم جَاثِمين"
لقد سار أغلبُ المفسرين المسلمين في قرآنهم على خُطى سابقيهم من "أهل الكتاب" في نصوصهم فمالوا إلى الشّروح اللاهوتيّة والرّمزيّة وإدخال القَصَص العجائبيّ في شروحاتهم وزادوا هنا على الرّواية القرآنيّة ما ليس فيها وفَهِموا "آية" بمعنى مُعجزة أي حدث غير عادي خارق لقوانين الطّبيعة فجعلوا ولادةَ النّاقة من صخرةٍ صمّاء بل وأضافوا أنّ النّاقة وَلَدَتْ فصيلاً يُماثلها في الضّخامة وكمال الخِلقة فاستمدّت هذه النّاقة قدسيّتها أو حُرمَتها من وضعها الخاصّ الأُعْجوبيّ هذا وهكذا تراهم قد عَدَلُوا عن السّياق الثّقافي والتّاريخي لِفَهْمِ الرواية ففقدتْ هذه معناها الأصليّ ولا يرى القارئ للنصِّ اليومَ كيف يمكن للنّاقة السّائبة المكرّسة للرّبّ أن تكون "آية" على وجود الله وعلى صدق دعوى صالح نبيّه؟
تبيّن النَقوش الأثريّة أنّ بعض القبائل الثّموديّة بدأت بالاستقرار في شماليّ غربيّ جزيرة العرب منذ حوالي القرن الثّامن قبل الميلاد ولا بُدّ أنّها كانت رُحّلاً أو شبه رُحّل قبل ذلك بزمن ويجب أنْ نفرق من حيث المبدأ بين ثموديّي هذه النّقوش القديمة ذات التّاريخيّة المثبتة أيّاً كان مصدرها (من بلاد الرّافدين إلى جزيرة العرب) وثموديّي القرآن الّذين بُعِثَ صالح إليهم وهم من أهل المدر في سياقٍ بدوي عام ولكن أيّاً يكن الأمر فإنّ هؤلاء وأولئك كانوا وثنيين وكانت لهم آلهة ترعاهُم (كما كانوا يعتقدون) وتَذُبُّ عنهم وتفْتِكُ بمن ينْتَهِك الحُرُمَات و يتجّرّأ عليها وهنا بالضّبط يكمن المُرادُ بكلمة "آية" في قصّة ناقة صالح فهو على ما ورد في الرّواية القرآنيّة كان يدعو قومه إلى التّخلّي عن هذه الوثنيّة واتّباع إله واحد وفي سِياق محاولته إقناعَ خصومِهِ بقُدْرَة هذا الإله الجديد بالنّسبة إليهم وإظهارَ قوّتِه عَرَضَ (بمبادرة منه أو بإيحاء من الله) "النّاقةَ" هذه "آيّةً" أو "بيّنةً" على صِدق دعواه و "فتنةً" أي تحدٍّ لقومه في آنٍ معاَ فجعل من هذا الحيوان الأنثى (كما جرى به التّقليد على الأغلب) "ناقة الله" أي ناقة مُكرّسة لله بأن طلَبَ إلى قومه أن يسيّبوها تَرْعى أنّى شاءت وتشرب متى شاءت تقريباً (جاء في الآية الشّعراء ـ 155 "هذه ناقةٌ لها شِرْبٌ" بالمطلق من غير تعريفٍ أو وصفٍ مُقَيّد فالكلمة نكرة عامّة غير موصوفة) إلاّ يوماً معلوماً جُعِلَ لباقي الماشية (وورد في الموضع عينه "ولكم شِرْبُ يومٍ معلوم" فحدّد صالح شِربَ القوم بيوم معلوم وأطلق شِرب النّاقة وهو بذلك يكون قد ضيّقَ على قومه وعلى قطعانهم ولنتذكَّر أنّ "ثمود" من ثَمَدَ "والثَّمَدُ الماء القليل الذي لا مادّ له ـ أي لا رافد له ـ فماؤهم أصلاً شحيح) وحذّرَهُم من عذاب قريب إنْ هُم انتهكوا حُرْمَةَ الله فمسّوا بناقته لكنّهم لم يُقيموا وزناً لتحذيره واستخفّوا بعقابِ إلهه ف "انْبَعَثَ" (والكلمة تحملُ كثيراً من دلالات فقدان الصّبر والسّيطرة على النّفس مما لا مجال لبحثه هنا) أحدهم ("أَشْقَاهَا")وعقر تلك الناقه المكَرّسة لله فنزل بهم العقاب الموعود عقبَ "ثلاثة أيّام" من ذلك
إنّ النّهيَ عن التّدخّل في حركة النّاقة وتنقُّلها ينشئ حولها نوعاً من الحِمى والحُرمة الخّاصة فلا يكون الاعتداءُ عليها حينها اعتداءً على مالٍ عاديٍّ بل انتهاك لحُرمةٍ إلهيّة ولأمرٍ إلهيّ وفِعْل صالح هنا يتطابق كلّ التّطابق مع المعتقدات السّاميّة والطقوس المرتبطة بها في هذا المجال آنذاك كما رأينا ومن المرجّح جدّاً أنّ قومه قد مارسوا هذه الطّقوس بدورهم (مرّ معنا تقاليد الحيوانات المحرّمة عند عرب ما قبل الإسلام وهي السّائبة والبحيرة والوصيلة والحامي وقد أبطلها القرآن ـ سورة المائدة آية 103 ـ وهذه المعتقدات والتّقاليد ليست بنت ساعتها بل تتوارثها الأجيال على مدار العديد من القرون ولا تندثر بسهولة كما رأينا مراراً) وإلاّ لما كانوا فهموا قصده وردّوا على التّحدّي ("فتنة لهم" ـ القمر آية 27) بتحدٍّ مماثل وعقروا النّاقة ظنّاً منهم أنّها ليست حُرماً ولا ربّ لها يحميها وأنّ وعيد صالح هُراء وقد أرادوا بهذه الفِعْلَة أن يقدموا الدليل على بُطلان دعوى صالح وفساد آيته ولكنّ الدّائرة دارت عليهم كما تقول القصّة
وعليه فإنّ "ناقة الله" كانت "آية" (هود/64) و "بيّنَة" (الأعراف/73) ليس على زعم أنّها خرجت من صخرةٍ صمّاء وولدت صَقَباً ضخماً كامل الخِلقة (والنّصُّ لا يذكر شيئاً من هذا قطّ) بل لأنّها كانت "فتنة" (القمر/27) تحدّى بها صالح قومه إذ وقفها على الله حيواناً مقدّساً وحرّمَ المساس بها لتُتْرَك شهادةً حيّةً ("آيةً" والآية في العربيّة العلامة الواضحة أو البيّنة) على صدق الدّعوة وهو قد جعلها حيواناً ذا حُرمة بإفراده إيّاها عن باقي القطيع والإفرادُ هنا لم يكن بحبسها أو عزلها عن القطيع بل بتمييزها عنه بمعاملة خاصّة وهي لم تُسّيّب هنا لتكون هّدْياً أو ضحيّة تُنحر للرّبّ يل لتكون "آية" متنقّلة و شاهداً حيّاً يَحْرُمُ قتله على وجود الله الذي يدعو إليه النّبيّ صالح
(سَبْعُ) وفي مثل هذا السّياق الثّقافي والتاريخي يُمكن إذاً فهم سلوك إبراهيم "بنصبه" مُفْرَدَةً "سبع نعجات" بعيداً عن باقي القطيع لجعلها مقدّسةً لأمرٍ ما سيتّضحُ لنا في ما بعد ولا بًدّ من الإشارة هنا إلى أنّ التّخلّي عن "سبع نعجات" يعني التّنازل عن ثروة لا بأس بها دفعة واحدة فما كان الدّاعي إلى أنْ يتحمّل إبراهيم هذه الكُلفة العالية و"ينصب" سبعاً من النّعاج بالضبط لا أزيد من ذلك ولا أنقص؟
الجواب عن هذا السّؤال يسير فالرّقم 7 رقمٌ مقدّسٌ ربّما في كافّة الثّقافات السّاميّة القديمة ونجد الصّوتين "س" و "ب" حاضرين بقوّة في لفظ هذا الرّقم في جميع هذه اللغات مع ظهورٍ لصوت ال "ع" في بعض اللغات (سبع في العربيّة مثلاً) أو خفوتٍ في أخرى مما يدل على أن اسم هذا الرّقم يعود إلى الرّصيد اللغوي المشترك لهذه الثّقافات في مرحلة مبكّرة جدّاً من تاريخها وهو يدلّ على اكتمال دورة وتمامها وقد اجتاح مناحي الحياة جميعاً المقدّس منها وغير المقدّس فدخل في تنظيم الزّمن والمجتمع والكثير من المعتقدات والشّعائر في العديد من هذه الثّقافات فمثلاً في طقوس التّطهّر أو التّكفير عن خطيئة أو دفع السّحر والأذى تُردّدُ بعض الأفعال أو العبارات المقدّسة سبع مرات فهذا التّكرار يُعلن أنّ عمليّة التّطهّر قد اكتملت والرّبُّ أكمل خلق الكون في ستّة أيّام واستراح في اليوم السابع والسّموات سبع والأرضين كذلك والأسرار المقدّسة في اللاهوت الكنسي عددها سبعة والطّواف حول الكعبة سبع مرات والسّعي بين الصّفا والمروة سبعةُ أشواطٍ كاملة أمّا تكرار الرّقم 7 في العهد القديم فيكاد يكون لا يُحصى ونذكر على سبيل المثال فتى موسى يوشع بن نون وقد دار برجالة وهم ينفخون في الأبواق سبع مرات حول مدينة أريحا فتداعت أسوارها فدخلها وأعمل فيها السّيف والنّار فأباد ساكنيها مع حيواناتهم عن بِكرة أبيهم وكان لاعبوا الميسر (القِمار) في ما قبل الاسلام سبعة ولا يُفتتح اللعب إلاّ باكتمال العدد واللبنانيون إلى اليوم يقولون في لهجتهم إذا ما أرادوا الإشارة إلى شخصٍ حاذقٍ ماكرٍ داهيَة "مسبّع الكارات (المقصود الصّناعات غير الحميدة)" أي أنّه كامل المعرفة بالألاعيب والحيَل غير الحميدة وكأنّ هذه لا تزيد عن سبعة وجاء في أمثال العرب القديمة "واحدَةٌ جاءتْ من السَّبْعِ المِعَرِ" يُضرَبُ لمن حُذِّرَ من داهيَةٍ فلم يَحْذرْ ثمّ نُكِبَ بما خِيفَ عليه منه فالموصوف المحذوف في المثل الدّواهي العِظام وقد جعلوها "سبع" فاكتملت و"الأسبوع" يكتمل في اليوم السّابع ولفْظُهُ فيه أحرف الرّقم سبعة ويُنْصّحُ إلى من أصابته نوبة من الفُواق (الحازوقة) بتناول سبع جرعات صغيرة من الماء فينقطعُ ما به والكثير الكثير من ذلك فالرقم 7 في الثّقافات السّاميّة قَديمها وحاضرها جاوز الدّينيّ إلى المدنيّ واخترق فيها ما هو مقدّس وما هو مدنّس
وقد امتزج في العبريّة اسم هذا الرّقم مع فعل القَسَمِ ورأى بعض المستشرقين وأظنّه على حقّ أنّهما من جذر واحد وربما كان هذا الرّقم يشير أساساً إلى الآلهة/النجوم السّبعة التي تسبحُ في السّماء وهي الشّاهدة على فعلِ الإنسان تُراقبه أنّى اتّجه (وعلى الأرجح أنّ إنسان الشّرق الأدنى القديم لم يلحظ بالعين المجرّدة غيرها فنظَرَ إلى العدد 7 بعين الكمال) وعلى مبدأ الانزلاق الدّلالي للألفاظ صارت الكلمة التي تشير إلى الآلهة/النّجوم السّبعة الشّاهدة تدلّ على فعل القَسَمُ ذاته وصار الفعلٌ فعلاً مقدّساً مرتبطاً بالآلهة واستدعاء الآلهة للشهادة يجعل انتهاك العهد ليس مجرّد خيانة فرديّة أو اجتماعيّة فحسب بل اعتداء ممن أخلّ بالعهد على النظام المقدّس بذاته ونُذَكّر هنا بما أورده هيرودوت (484 ق.م ـ 425 ق.م) في كتابه "التّاريخ" يقول عن العرب البدو "فإذا أراد رجلان أن يوثّقا عهداً بينهما فأنّهما يقفان على جانبي رجل ثالث يحمل حجراّ حاداً يستخدمه لجرح راحتي يديهما بالقرب من أسفل الإبهام (المشهد يعود إلى العصر الحجري الحديث إذ كانت فيه الآلات والأدوات من الأحجار) ثمّ يأخذ بعض خيوط الصّوف من ثيابهما ويغمسها في الدّم ويلطّخ بها سبعة أحجار مركومة بينهما وهو يردّد اسم كلٍّ من ديونيس وأورانيا [...] والعرب يعبدون إلهين فقط هما ديونيسوس [...] وهو في لغتهم أوروتال أمّا أورانيا فهي اللات" (نص مستلّ من الترجمة العربيّة للكتاب وفي هذا الوصف شيء ما من طقوس حلف "لَعَقَة الدّم" على ما يرويه الاخباريون العرب) فوثيقة هيرودوت هذه تربط مباشرة في هذا العهد بين ثلاثة عناصر مقدّسة والآلهة تشهد على ذلك الدّم والحجارة المقدّسة والرقم 7 عدد الحجارة بين المتعاهِدَيْن
أنّ الموازنة بين رواية الأعرابيين لهيرودوت والرّواية التّوراتيّة عن إبراهيم لهي في غاية الأهميّة إذْ تُظهرُ تطابقاً يكاد يكون تامّاً بين مشهدين مقدّسين بين رجلين في كلّ منهما تشهد عليهما الآلهة بواسطة سبعة أحجار مقدّسة من جهة وسبع نعاج مقدّسة من جهةٍ أُخرى فكما كانت الأحجار المقدّسة السّبعة "شهادة" على العهد بين الأعرابيين كان قبول النّعاج السّبع المقدّسة من طَرَف أبي مالك "شهادة" موثّقة على أنّ إبراهيم هو من حفر البئر فهذا ما قصد إليه إبراهيم بقوله لأبي مالك "إنّكَ سبع نعاج تأخذ من يدي لكي تكون لي شهادة بأنّي حفرتُ هذه البئر" و "تأخذ من يدي" تدلّ على التسلّم والتّسليم لا على الذّبح فالنّعاج السّبعة المُحرّمة أو المقدّسة (إذ جرى فرزها عن القطيع وكُرِّست للآلهة صارت محرّمة أو مقدّسة) رُصِدَتْ إذاً لتكون آيةً أو "شهادة" حيّة مقدّسة من أبي مالك لإبراهيم كما كانت "ناقة الله" آيةً وشهادة حيّة من صالح لقومه فناقة صالح ونعاج إبراهيم إناث حيوانات مميزة من باقي القطيع ومرصودة لأن تكون "علامةً" أو "بيّنة" أو "آية" أو "شهادة" فتعيش بين القوم محرّمة تنشر البركة والقداسة حولها لا أن تُقدّمَ قرباناً على المذبح فكان العدد 7 وهو مقدّس بامتيازٍ كما رأينا ويعني الكمال وتمام الشّيء العدد الأمثل لكي يُعبّرَ إبراهيم عن مراده من البئر أمام أبي مالك أمّا لماذا سعى إلى أن تكون نعاجه مُحرَّمة أو مقدّسة وقد كان بإمكانه أن يقدّم سبع نعجات عاديّة؟ هذا ما سنراه للتّو
(لماذا مقدّسة؟) إنّ الجواب عن هذا السّؤال مرتبط بمحلّ "الشّهادة" وموضوعها هنا أي البئر عينها فالماء ربّما كان العنصر الأهمّ للحياة في المجتمعات الزّراعيّة كما في المناطق الجّافّة والصّحاري فأحلّه إنسان الشّرق الأدنى القديم المكان الأرفع في معتقداته وشعائره وطقوسه المقدّسة وجعل الماء على نوعين في مصادرها ماء المطر أو الغيث كما يسميه سكّان البادية وهي محصورة في خزّان عظيم في السّماء ولها آلهة وأنواء تديرها والمياه الجوفيّة المستقرّة في باطن الأرض ولها أيضاً آلهتها وكائناتها الغيبيّة التي تسهر على حراستها فكان الماء عزيزاً بل مقدّساً أحياناً أَهَبَطَ من السّماء أم انبَعَثَ من الأرض
وكانت المياه المقدّسة في العالم السّفلي محبوسة في بحيرة كبيرة تخرُجُ إلى سطح الأرض مياهً عذبةً في الأغلب عبر ينابيع وعيون طبيعيّة وآبار حفرها الإنسان فغدت هذه المواضع المرتبط بها مقدّسة بدَوْرِها واعتُبِرَت مخارج العالم السّفلي وقد حفظت لنا النقوش والكتابات الحثيّة والرّافديّة والأوغاريتيّة مشاهد لطقوس دينيّة عامّة خصوصاً فيها صلوات وأقسام أو أيمان وشعائر ونُذُر وقرابين عند بعض منابع الماء والعيون والآبار وربّما كان لكلّ عينٍ شعيرة خاصّة كما يقول نقش حثّيّ
وقد اتخذت الآلهة بعض هذه المواضع محلّ إقامتها فها هو كبير الآلهة "إيل" قد ضرب خيمته عند "منابع الأنهار ومجرى الغمرين أو النّهرين" وأقام هناك فتأتيه الرُّسُل والآلهة الأخرى وينْحَنون بين يديه ويسجدون وقد وثّقت نقوشٌ أخرى شلمنصر الثّالث (حوالي 900 ق.م) وقبله تغلث فلاسر الأوّل (1110 ق.م) يقومان بطقوسٍ فعليّة عند نبع يخرج من مغارة (منبع دجلة) منها تقديم قرابين للآلهة وتطهير السّلاح الملكي بالماء المقدّس للنبع وغير ذلك ويبدو أنّ المكان قد أضحى مع توالي الأجيال محلاًّ للزيارات الملكيّة الطّقسيّة المتكرّرة وقبل هؤلاء وأولئك سمّى السّومريون "الأبسو خزّان المياه العذبة الجوفيّة الذي يتفجّرُ عيوناً وينابيع وآباراً وأنهاراً تجري على وجه الأرض وجعلوا إنكي يبني معبده هناك ونظراً لقدسيّة الماء الخارج من جوف الأرض عرف الكثير من الثّقافات السّاميّة في نظامها القضائي الاحتكام إلى المياه المقدّسة وسيلة لكشف الحقيقة ومعاقبة المذنب ومارسوا ما يُسَمّى "محنة النّهر" إذ يُلقى المتّهم في النّهر ويُترك الحكم لما يُقرّره "النّهر الإلهي" فالماء هنا ليس مجرّد عنصرٍ ماديّ بل واسطة يّظهر فيها الحُكم الإلهي
أمّا الصّحاري والمناطق الجافّة وقد غابَتْ عنها الأنهار والسّواقي الطّبيعيّة وانعدمت فيها الأمطار أو كادت فإنّ الماء فيها كان عَزِيزاً ومقدّساً عند البدو وكانت مواضع الماء من آبار وعيون لا تقلّ قدسيّة عن تلك التي في المناطق المزروعة فالآلهة والقوى الغيبيّة الأخرى ذات القوّة والتّأثير في مجرى الأحداث (مثل الجان والأرواح وغيرها)كانت تختارها لتَظَهَر للبشر أو لتلقي عليهم بأحكامها أو تُبَلّغهم رسائلها أو لتسكن فيها وتحرسها باعتبارها جزءاً من عالمها أي العالم السّفلي فهذه المواضع كانت مخارجه إلى وجه الأرض وذات حُرمةٍ خاصّة مرتبطة بقدسيتها أو بالخوف منها ويكاد الأمران يلتقيان
فها هي هاجر حامل وقد هربت من جور سيّدتها سارة "فوجدها ملاك الرّب [ويُقال الرّبُ نفسه] على عين الماء (עֵין הַמַּיִם) في البرّية على العين (הָעַיִן) التي في طريق شور وقال لها [...] ها أنت حُبلى تلدين ابناً وتسمِّينه إسماعيل [أي "إيل سمعَ لك"] لأنّ الرّبّ قد سَمِعَ لِمَذَلّتك [...] فدعت اسم الرّبّ الذي تكلّم معها "أنتَ إيل الرّائي" [...] لذلك دُعِيّتْ البِئر (לַבְּאֵר) "بئر الحيّ الرّائي (בְּאֵר לַחַי רֹאִי)" وهي بين قادش وبارد"(تك 16/7 ـ 14)[نلاحظ هنا تناوب اللفظين عين وبئر على الشّيء الواحد نفسه]
أمّا قادش (קָדֵשׁ) ذاتها هنا فهي عبارة عن واحة فيها عدّة عيون وقد جاء في سفر التّكوين (14/7) أنّ اسمها القديم قبل أن يتحوّل إلى "قادش برنيع" (وترجّمَتُها المتداولة ولكنها غير يقينيّة "قادش صحراء التِّيه" أي الموضع المقدّس في صحراء التّيه) مع قصّة "الخروج من مصر" ووصول جماعة موسى إليها كان "عين مِشْفاط" (עֵין מִשְׁפָּט) ولا ندري ما إذا كان هذا الاسم أصليّاً أم أنّه التّرجمة العبريّة لاسم محلّيٍ أقدم من ذلك وأيّاً يكن الأمر فإنّ كلمة "مِشْفاط" العبريّة تعني الحُكم القضائي أو القضاء أو المحاكمة أو الفصل في المنازعات وقد انقسم الباحثون في تفسيرهم لأصل الاسم القديم ("عين مِشْفاط") فمنهم من يرى أنّ الاسم كان يشيرُ إلى المكان المقدّس الذي كانت تُعقَدُ فيه الجلسات القضائيّة لفضّ الخصومات وإصدار الأحكام وآخرون يَرَوْنَ أنّ ماء العين باعتباره ماءً مقدّساً ربّما كان يُستخدم في محاكمات مائيّة تبيّن البريء من المذنب على غِرار ما رأيناه من تقليد "محنة النّهر" في بلاد الرّافدين فالقضاء في الثّقافات السّاميّة القديمة لم يكن قضاءً مدنيّاً خالصاً بل كان قضاءً مرتبطاً على نحوٍ وثيق بالآلهة (ألواح الشّرائع التي يُحْكَمُ بموجبها مصدرها دائماً الآلهة) ويقوم أساساً على الأقسام (جمع قَسَم) وضُرُوبُها كثيرة (الأيمان على اختلافها والملاعنة أو المباهلة وغيرها) أو العرافة أو اللجوء إلى حُكم الآلهة (كمحنة النّهر مثلاً) وعليه فإنّ انعقاد جلسات المحاكمات في حَرَمِ العيون القديمة والآبار تجري منها المياه رَمْزاً للحضور الإلهي قد يُفهمُ لسببين أحدهما مقدّس مرتبطٌ بمكان تواجد الآلهة في الجوار والآخر عملي يتعلّق بالإجراءات وأصول المحاكمات إذ ربّما اقتضى الأمر اللجوء إلى الماء أو الآلهة لإثبات حقٍّ أو درئ تُهمة وأيّاً يكن الأمر فإنّ المكان يبدو مقدّساً قبل وصول جماعة موسى إليه لكونه مكاناً يُحقّقُ فيه العدل الإلهي ولوجود عين الماء فيه والماء مقدّس يتدَفّقُ من لَدُنِ الآلهة فأضفى هذا الواقع على الجوار حُرمةً وقداسة حفظتها الأجيال المتعاقبة باعتمادها اسم "قادش" أي "الموضع المقدّس" للمكان نفسه
أمّا قبائل العرب في الصّحارى والبوادي فهم في غياب السّلطة المركزيّة العليا والإله الأعلى الموحِّد قد آمنوا (إلى جانب آلهتهم العديدة ومقدّساتهم الأخرى) بوجود كائنات غيبيّة مختلفة (الجانّ على أنواعها والأرواح) تسكُنُ في جوف الآبار والعيون أو على مخارجها تسهر على حمايتها والانتقام ممن قد يحاول تخريبها أو إفسادها ماءها فكان بعض الجنّ سيّد الموضع يخشاه الناس ويقدّمون له الذّبائح والقرابين والهدايا
وتظهر هذه الكائنات الغيبيّة قُرب الماء للبشر بأشكال شتّى وبصور حيوانات وأخصّها الحيّة فهذه في زعمهم من الجن أو إنّها جنٌ في صورة أفعى وبادلوا بين هذا وذاك فاشتركت بعض الأسماء بين الطّرفين ومنها الجانُّ والحبابُ والشّيطانُ والسّفيف والأرقَمُ وغير ذلك لدّلالة على الجنسين ومن معتقداتهم أيضاً أنّهم إذا قتلوا ثعباناً أخذ الجنّ بثأره ومن ذلك أنّ حرب بن أميّة قتلته الجنّ ثأراً لحيّة وقد ربطوا في حالات كثيرة بين مرضهم ومسّ الجنّ أو الحيّة واتّخذوا حِيّلاً لدرء هذا الخطر وفي هذا أشعار وأمثال لا يسعنا ذكرها الآن
فكما القفار الموحشة والأحراج الموغلة والبقع المكتظّة بالنبات كانت مواضع المياه أيضاً مسكونة بالأرواح والجن فالحيّة باعتبارها جانّاً وُجِدَتْ حيث وجد الماء فهي حارسة الينابيع والعيون (وقد جاء في الأخبار أنّ الجُبُّ الذي في جوف الكعبة كانت تحرسه أفعى) وهناك أماكن كثيرة تحمل أسماء من مثل "عين الجن" و"بئر الجن" و"وادي الجن" وغير ذلك وقادهم هذا الاعتقاد إلى تقديس مواطن الماء خصوصاً القديمة منها فذبحوا القرابين لها وأقاموا بعضاً من أنصابهم عندها فكان إساف ونائلة في بعض الرّوايات على موضع ماء زمزم ونُصِبَ هُبَل على جُبٍ في جوف الكعبة يتقبل القرابين والنّذور ومن العرب من عَبَدَ الجنّ كرهط "بنو مليح من خزاعة" ومنهم من تَسَمَّى بأسمائها مثل عمرو بن عبد الجن بن عائذ وعمرو بن عبد الجن التّنوخي
وكان في اعتقادهم أنّ مياه العالم السفلي والتّجاويف غير المرئيّة فيه يتّصلُ بعضها بالبعض لذلك كانوا إذا غمّ أمرُ الغائب جاؤا إلى بئر قديمة بعيدة الغور ونادوا يا فلان أو يا أبا فلان ثلاث مرات فإن كان ميتاً لم يسمعوا في اعتقادهم صوتاً أو صدى
وقد أثبتت دراسات حديثة استمرارَ بعضٍ من هذه المعتقدات إلى الأمس القريب في بعض المجتمعات العربيّة فها هو المستشرق البريطاني إدوار وليم لين (Edouard William Lane) يسجّل في دراسته للمجتمع العربي/المصري في بدايات القرن التّاسع عشر اعتقاد المصريين بأنّ الجن قد يتخذون من الحمامات (والمقصود الحمامات العموميّة خصوصاً) والآبار والبيوت الخربة والأسواق ومفارق الطرق والبحر والأنهار أماكن للإقامة أو الظّهور للبشر كما يذكر صيغة الاستئذان التي من الضّروري التّلفّظ بها عند سكب الماء على الأرض أو إنزال الدّلو في البئر وفي أوائل القرن الماضي أعدّ توفيق كنعان بحثاً عن مواضع المياه المسكونة أو المرتبطة بالأرواح في فلسطين وبعد سنوات قام ناثان ويت (Nathan Witt) بتثبيت هذه المواقع على الخرائط المتاحة لديه فأثبت 125 موضعاً مائيّاً مسكوناً أو مرتبطاً بالأرواح وِفق المعتقدات الشّعبيّة التي ترى أيضاً أنّ هناك شبكة مائيّة جوفيّة تسكنها الجنّ على نحوٍ يمكن معه للأشياء التي تسقط في عينٍ أو بئرٍ أن تظهر لاحقاً في مصدرِ ماءٍ بعيد وفي رواية من قرية زواتا الفلسطينيّة (محافظة نابلس) في العصر الحديث أنّ رجلاً أدخل التّبن والقشّ في "عين زواتا" لإثبات اتّصالها ببئر متنازعٍ عليه فقيل إنّ جنيّ البئر عاقبه لأنّه لوّث الماء وما هذا كما نرى إلاّ استمرار للمعتقد القديم جدّا الذي يرى أنّ الجنّ التي تسكُنُ في جوف الآبار والعيون أو على مخارجها تسهر على حمايتها والانتقام ممن قد يحاول تخريبها أو إفساد ماءها
كما رأينا أجمعت الثّقافات السّاميّة القديمة بَدْوِها وحَضَرِها ومن النّقوش المسماريّة إلى التّوراة على اعتبار آبار الماء والعيون أماكن مقدّسة أو ذات حُرْمَةٌ خاصة تقْرُبُ من القداسة وجعلها بعضُهم محلّ سكن الآلهة أو الكائنات الغيبيّة الأخرى على اختلافها فكانت هذه الأماكن مقدّسة تُذْبَحُ عندها الذّبائح وتُقدّم القرابين وربّما حجّ المؤمنون بها إليها وتبرّكوا بمائها وبساكنيها وعليه فإنّ البئر التي احتفرها إبراهيم إذا نظرنا إلى السّياق الثّقافي والتّاريخي للرواية لا بدّ وأن تدخل في بوتقةِ المعتقدات عينها فتكون لها هذه الحُرمة أو هذا النّوع من القدسيّة ومما يؤكّد هذه الفرضيّة أنّ هذه البئر غدَتْ محجّة للمؤمنين بها على مدى قرونٍ طويلة يسعّونَ إليها ليس فقط من اليهوديّة (مملكة يهوذا) وإنّما من السّامرة (القسم الشمالي لمملكة إسرائيل) أيضاً فها هو عاموس النّبي (نهاية القرن التّاسع وبداية القرن الثامن قبل الميلاد) يدعو في تنبؤاته وتحذيراته من غضبِ الرّب أبناءَ دينه إلى الانقطاع عن الآلهة المزيّفة والانصراف إلى يهوه فقط إله إسرائيل إذ يقول (سفر عاموس 5/5) "ولا تطلبوا بيت إيل وإلى الجِلجال لا تذهبوا وإلى بئر سبع لا تَعْبُرُوا" ويُعيدُ تحذيره مرّةً ثانيَةَ (سفر عاموس 8/14) "إنّ الذين يُقْسِمون بإله السّامرة ويقولون حَيٌّ إلهك يا دان حَيٌّ روح/إله/طريق/ بئر سبع سيسقطون ولن تقوم لهم قائمةٌ ثانيّةً"
إنّ "بيت إيل" و "الجِلجال" و "دان" و "بئر سبع" كلّها أماكن مقدّسة وعلامات فارقة في تاريخ بني إسرائيل على ما تذكره التّوراة وقديمة جدّاً في المخيال الجمعي لذلك اعتبرها النّاس مزارات دينيّة يحجّون إليها ويتبرّكون بحجارتها وبالآلهة أو الكائنات الغيبيّة الساكنة فيها وهذا بالضبط ما يراه عاموس النّبيّ مخالفاً لشرائع يهوه ويحذّر منه وتظهرُ في هذه القائمة "بئر سبع" من بين المزارات المقدّسة المنهيّ عنها على رأي عاموس وقد تساءل البعض عن المقصود تحديداً بعبارة عاموس أيقصد البئر أم القرية برمّتها؟ ولعلّ الاشكاليّة التي يثيرها النّص الأصلي العبري والتّرجمات اللاحقة للعبارة الواردة في (8/14) قد تقدّم جزءاً من الإجابة
فقد وردت هذه العبارة في الكثير من التّرجمات على النحو التالي "حَيٌّ طريق بئر سبع" والمقصود بالطبع "طريق الحجّ" إلى المكان المقدّس "بئر سبع" وهذا ترجمة حرفيّة لما ورد في النّص الماسوري لكننا في الترجمة السّبعبنيّة القديمة نقرأ "حَيٌّ إلهك يا بئر سبع" وبعد الكثير من المداولات ذات الطّابع اللغوي والتّاريخي مالَ عدَدٌ من التّرجمات الحديثة إلى الأخذ باتجاه النّص السّبعيني أي "حيّ إلهك/روحك/قوتك (أو ما شابه) يا بئر سبع" وعليه فإن اعْتُمِدَ النّص السّبعيني فهذا يعني أنّ للبئر ربّاً أو كائناً غيبيّاً آخر يحميها ويكون الأمر مطابقاً للمعتقدات السّاميّة القديمة كما رأينا ومن المحتمل جدّاً أنّ هذا الإله أو الرّوح المقدّس المرتبط بالبئر ينشر حمايته على مجمل القرية أمّا إن اعْتُمِدَ النّصُّ الماسوري ف "طريقُ الحجّ" يُضفي على البئر وعلى القرية معاً قُدسيّة لا يمكن إنكارها وسواء اعْتُمِدَ هذا النّصّ أم ذاك فكلاهما يدلّ دلالة لا لُبسَ فيها على أنّ بئر إبراهيم الحقيقيّة أو المتخيّلة كانت مقدّسةً ومحجّة للمؤمنين وفيها إله أو روح مقدّسة تشمل المؤمنين بعطفها وهي التي تضفي على المنطقة حُرمتها وهذا ما أراد عاموس صرف نظر المؤمنين عنه
بالطّبع إنّ الفارق الزّمني بين عصر إبراهيم وعصر عاموس على ما يراه علماء التّوراة قد يصل إلى ما يقرب من تسع مئة سنة وعاموس لا يشير في تنبؤاته إلى الزّمن الذي بدأت فيه مواسم الحجّ إلى بئر سبع ومن نافل القول أن تشكّل المعتقدات وتجسّدها في شعائر وطقوس قد يخترق أجيالاً كاملة على مدى مئات من السّنين (وهذا ما رأيناه غير مرّة) ولكن ولاعتباراتٍ كثيرة ليس هنا مجال التّوسع فيها يبدو أنّه من غير المحتمل أن يكون الحجّ إلى هذه البئر أو المنطقة قد بدأ في زمن إبراهيم أو إسحاق ولكن ما يمكن الجزم به أنّ هذا التّقليد المقدّس الذي شهد به عاموس قد بدأ في فترة لاحقة انطلاقا من قدسية المكان الأصليّة الحقيقيّة أو المفترضة من حيث هو بئر ماء احتفره الجدّ الأوّل إبراهيم فطقس الحجّ هذا إذاً قد وَجَدَ دعامته الأولى وعِلَّة وجوده في مكان مقدّس مسبقاً والصورة عينها تقريباً رأيناها في العلاقة ما بين "عين مشفاط" و "قادش" من حيث تراكم طبقات المقدّس على مرّ الأجيال
نخلُصُ إذاً إلى القول إنّ السّياق الثّقافي والتّاريخي للرواية ونبوءة عاموس تشهدان بقوّة على أنّ بئر سبع لم تكن بئرَ ماءٍ عاديّة كما ننظر إلى الآبار اليوم بل كانت مكاناً يتمتّع بحُرْمةٍ أو قداسةٍ خاصّة بدايةً على ما تسمح به معتقدات وتصوّرات ذلك الزّمان مما سوَّغَ في ما بعد تحويلها مِحَجَّةً ومزاراً مقدّساً له قوة غيبيّة أو إله مرتبط به يُحْلف بحياته أو بقداسته كما أخبرنا عاموس وعليه فإنّ بئر الماء التي احتفرها إبراهيم والتي تتصل مياهها بخزان مياه العالم السّفلي عامة عبر تجاويف مجهولة كانت كما باقي الآبار والعيون آنذاك ذا حُرمةٍ أو قدسيّة معيّنة لذلك وجب أنْ يكون ما يُقدّمه إبراهيم لأبي مالك للحصول على اعترافه له بحقّ الارتفاق بماء البئر (وليس ثمنا لها فليس في الأمر هنا بيع أو شراء) ذا حُرمةٍ أو قدسيّة موازية فكانت عندها "النّعاج السّبعة" (وليس قطيعاً كاملاً أو عدّة نعجات كيفما اتّفق) ذات الحُرْمَة أو القدسيّة الخاصّة فذاك هو المقابل الكفوء والشهادة الحيّة دائماً (فهذه النّعاج كما ناقة صالح آياتٌ مرصودة لأن تحيا لتُشِعَّ قداسة وبركة في من حولها لا لأن تُذبح) على أنّ إبراهيم هو من احتفر البئر فهو أحقُّ بمائها
ومع انتهاء الرّجلين من قطع العهد وتبادل المقدسات (بئر الماء/النّعاج السّبعة) "[...] قام أبو مالك وفيكول رئيس جيشه ورجعا إلى أرض الفلسطينيين (!!) وغرس إبراهيم أَثْلاً في بئر سبع ودعا هناك باسم الرّبّ السّرمدي" (تك 21/32 ـ 33) وهذا ما سنراه في البحث القادم
كمال محمود الطّيارة ـ ليون ـ فرنسا ـ 16/09/2026
#كمال_محمود_الطيارة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (6) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من
...
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (6/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (5/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (4/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (3/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (2/6)
-
صراع الألوان بين -حمراء-التّوراة و-صفراء- القرآن 1/6
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربياً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
-شاهد ما شفش حاجة- أو شرُّ البليّة ما يُضحِكُ (موتُ النّخْوَ
...
-
من إسلام الضّرورة ‘لى إسلام البزنس (تدنيس المقدّسفي المخيال
...
المزيد.....
-
لماذا يشارك عدد قليل التلاميذ المسلمين في دروس التربية الإسل
...
-
دراسة: مشاركة محدودة للتلاميذ المسلمين في دروس التربية الإسل
...
-
ترمب ومعاداة السامية.. حين يتم تسييس حماية اليهود
-
السويد تطرد موظفا في سفارة إيران وتتهمها بتهديد مصالح يهودية
...
-
توجيه اتهامات بجرائم كراهية لشاب في لندن استهدف منشآت إسلامي
...
-
-العلياه-.. لماذا يهاجر يهود فرنسا إلى إسرائيل؟
-
البابا ليو الرابع عشر: صراعات الشرق الأوسط تضع الحوار المسيح
...
-
إدانات عربية وإسلامية لمحاولة استهداف مكة المكرمة
-
البابا: صراعات الشرق الأوسط تضع اليهود والمسيحيين تحت ضغط
-
إسرائيل تغلق الحرم الإبراهيمي يومين أمام المسلمين بحجة تأمين
...
المزيد.....
-
في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
المزيد.....
|