|
|
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (2/6)
كمال محمود الطيارة
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 20:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
صراعُ الألوان بين "حمراء" التّوراة و"صفراء" القرآن (2/6)
ب ـ في تشكّل الألوان وتعاقبها عند العرب
لم يتوصّل العرب في وصفهم للألوان إلى الألوان المجرّدة النّقيّة كما نراها اليوم في ألوان "الطّيف المرئي" فهم قلّ ما عرفوا الخالص من الألوان فهذه عندهم لم تكن أبداً خالصة بل غالباً مَشُوبَة بألوان أخرى فالوردي هو الأحمر الممزوج بالأبيض والعنابي هو الأحمر الممزوج بالأسود والشُّعْلي (ألوان لهب النار) هو الأحمر الممزوج بالأصفر وهكذا (وما زال النّاس في الشّرق إلى اليوم يلجؤون إلى مثل هذه الألفاظ للدّلالة على بعض الألوان فيقولون عنّابي وفُستقي ووردي وحشيشي وكموني وذهبي وفضّي وفيروزي وناري وغير ذلك) فكان أساس نظام الألوان عندهم الملموس والمرئي بالعين المجرّدة في البيئة الصّحراويّة الرّمليّة أو الصّخرية وانعكاسات الضّوء عليها ونجد هذه الباقةِ من الألوان معروضة في معاجمهم ومنها خصوصاً تلك التي جُمِعَت بداية القرن الثامن الميلادي قبل أن تظهر لاحقاً في اللغة العربيّة عناصر من أثر الدين الجديد ومن الثّقافات الطّارئة على المجتمع الإسلامي الجديد
ويرى الصّادق الميساوي في مقالته القيّمة "إنّ المتأمّل في أنظومة الألوان العربيّة [ما قبل الإسلام] ليجد أنّها دائريّة ما بين الأسود والأبيض تتّصل فيها الألوان اتّصالاً فتجري العين من اللّون إلى اللّون دون توقّف يشيعُ البياض حتّى يتّصل بالحُمرة وتتّسع الحُمرة حتّى تتّصل بالصُّفرة وتنداحُ الصُّفرة حتّى تصير سواداً ويفْشُو السّواد حتّى يغدو خُضرَة وتذيعُ الخُضْرة حتّى تُصبح زُرقة وتنتشِر الزُّرقة حتّى تُدْرِك البياض [...] فكيفما قلّبت اللّون وجدّته يدل على ذاته ويدلّ في الأنظومة على ما جاوره فكل لونين يتصلان فلا يفترقان ولا يتمايزان إلاّ أن يبلُغا الطّرفين ويُدركا الحدّين فأنظومة الألوان العربيّة اتّصاليّة لا يرى العربيّ فيها ما بين الألوان المتجاورة من تفاريق (nuances) حتّى يميزها فرؤيته للألوان رؤية مجاليّة إنّ اللون في العربيّة مجال لوني يمْتدّ من طرف إلى طرف وينداح من حدٍّ إلى حدّ" فكل الألوان تقع ما بين الأبيض والأسود فيها خُلطة تميل بها إلى هذا اللون أو ذاك ولم يَرَوا في محيطهم من الألوان الخالصة إلاّ القليل وهذا ما سنراه لاحقاً
فالمعاجم العربيّة القديمة تُفيد إذاً أنّ الألوان الخالصة قليلة وأنّ ألفاظ الألوان تَصِفُ قي الأغلب الأعمَّ الظّاهر في المادّة لا المجرّد عنها كما هو الحال في الحُمرة والصُّفرة والسّواد والألفاظ المستعملة تدلّ على شدة اللون أو خفوته لا على نقاوته وخلصته فألفاظهم تصف غلبة لونٍ ما في المادة مع مخالطته غيره وعليه فالحُمرُ من الأبل ليست حمراء خالصة بل هي بين الحُمْرَةِ والشُّقرة والصّفر منها قد تكون صافية وهذا نادر أو قد يكون فيها كُدرة أو مخالطة للسواد وهو الأكثر شيوعاً فالمخالطة في سُلّمِ ألوانهم هي الأصل والنّقاء قي الألوان استثناء
ج ـ لمحة تاريخيّة عن الألوان في المعاجم الأولى
أستقى العربُ إذاً الألوان التي عرفوها من حياتهم في الطّبيعة والأشياء المحيطة بهم والحيوانات المرافقة لهم ثمّ جاء اللغويون العرب الأوائل فجمعوا ألفاظ الألوان هذه مع معانيها من أفواه الأعراب على مختلف لغاتهم ومناطقهم في البادية وأوْدَعُوها معاجم على هيئة كتب حصريّة لمواضيع محدّدة يتناول كلّ منها مجمل الحقل الدّلالي للموضوع المطروق فمن هؤلاء مثلاً أبي زيد سعيد الأنصاري (122 ـ 215 هجريّة) الذي وضع كتاب "المطر والسّحاب" يذكر فيه كلّ ما له علاقة بالمطر الشديد منه والخفيف وتشكُّل الأودية والغدران والسُّحُب وألوانها والنّدى وما إلى غير ذلك حتّى يستوفي المؤلّف غرضه من موضوعه وكان من بين ما وضعوه في هذا النّوع من المعاجم مؤلفات عن الخيل والإبل وهما رفيقا البدوي بامتياز فوضع الأصمعي (123 ـ 216 هجريّة) مثلاً "كتاب الإبل" و "كتاب الخيل" وكان سبقه في هذا المضمار أبو عُبيدة معمر بن المثنّى التّيمي (ت 209 هجريّة) فوضع "كتاب الخيل" وهو من أقدم ما وصل إلينا في هذا المجال أتى فيه على أوصافها وخِصالها وأنواعِها وأنسابها وأخبارها وأشعار العرب فيها ما قبل الإسلام وأفرد في هذا الكتاب باباً قيّماً لألوانها عرض فيه لما يزيد عن ثمانين لوناً أصولاً وفروعا وقد أفرد اللغويون في هذه المعاجم (على غرار أبي عُبيدّة) أبواباً عن الألوان التي عرفوها لهذين الحيوانيين المميزين عند عرب الصّحراء وأثبتوا قوائم بهذه الألوان ورَأَوا أنّ منها ما هو أصليّ وفرّعوا عن الأصليّ فروعاً (كأن نقول مثلاً بلغة اليوم أحمر فاتح وأحمر غامق وأحمر يميل إلى البرتقالي وأحمر كذا ... وهكذا) وكان لكلّ درجة من درجات الأحمر هذه عندهم اسم مختلف فكان مثلاً الأرجواني والقرمزي والقاني والكميت وما إلى ذلك وكلّها ألفاظ تحاكي البيئة المحيطة بهم وتشيرُ مباشرةً إلى درجات من الأحمر (الذي قلّ ما عرفوه خالصاً مجرّداً) وتتفاوت شدّةً أو خفوتا ولكنّها ترجِعُ إلى أصل مشترك لا وجود فعليّا له في الطّبيعة المحيطة بهم
ثمّ انطلقوا من "القاعدة اللونية" هذه (إذا جاز التّعبير) في الخيل والإبل وهما الحيوانان المفضّلان لديهم إلى باقي الحيوانات فكانوا كأنّهم وحّدوا أصول الألوان وردوّها إلى ما في الخيل والإبل ولطالما ربطوا بين هذه الألوان وصفات الحيوان البدنيّة وغير البدنيّة من مثل السّرعة والقوّة والصبر والنّدرة والسّلالة والنّسب والمرعى وما إلى ذلك ولكن ليس عن علم دقيق وصلَ إليهم بل عن معرفة تجريبيّةٍ حياتيّة ودراية عامّة وأهميّة ذلك ترجع إلى أنّ الخيل والإبل خصوصاً كادت أن تكون رأس مالهم الوحيد فقيمتها مرتفعة جدّا عندهم ويفحصونها بعناية فائقة عند البيع والشّراء ودفع المهور والدّيات وما إلى ذلك كما لو كانت ذهبا فكان من الضّروري إذاً العلم بدقائقها وربّما ربطوا ذلك بألوانها إذا ما لاحظوا في الأمر شيوعاً وتواتراً
وقد قسّم اللغويون العربِ في معاجمهم هذه الإبلَ من حيث ألوانها إلى مجموعات أشهرها البلقاء (ما اجتمع فيه أكثر من لونين) والحمراء (الأحمر على درجات) والدّكناء (الأسود الشّديد السّواد) والسّمراء (ما بين الدّكنة والسّواد) والشّقحاء (الأبيض المائل إلى الصّفرة) والشّهباء (الأبيض الرّمادي أو الموشّح بالأسود الخفيف) والشّهراء (صُفرة فيها بياض) والصّفراء (صُفْرَة مائلة إلى حُمرَة كَلَوْنِ رمال الصّحراء) والعُفراء (الأبيض الذي فيه غُبْرة) والورْداء (الأحمر الخفيف) وغير ذلك وما يشغلنا هنا بالضّبط اللونان الأحمر والأصفر فكيف عَرّفَهما عرب ما قبل الإسلام؟
د ـ في مفهوم اللون الأحمر
قلّ ما استعمل العرب القدماء اللفظ العام "أحمر" بمفرده للدلالة على اللون كما نعرفه اليوم مجرّداً لوصف الإنسان والحيوان والأشياء وانّما كانوا أكثر دِقّة في اختيارهم لألفاظهم فأرفقوه غالباً إمّا بصفةِ تدلّ على درجة الاحمرار في الموصوف أو أنّهم لجأوا إلى ألفاظ تُبَيّنُ درجة الحُمرة وماهيتها في ما يصفونه من الفاتحِ إلى القاني فانتقلوا من الأرجواني والقرمزيّ (وهما شديدا الاحمرار ومن الألوان الفاخرة والصّبغات الغالية عندهم) إلى المورّد أي الأحمر الخفيف فها هو الأعشى مثلاً يصف غانية في مجالس الشّراب تسقي الندامى خمراً أرجوانيّاً يقول
وغانيّةٍ تسقيكَ منها بكفّها كُؤوساً كأنفاس الرَّياحين أُرْجُوانا
فسمّى الخمرة بلونها الأرجواني ولم يذكر لفظ أحمر وهاكم عنترة أيضاً يذكر درجة الأحمر وهو ليس الأحمر بالذّات في وصفه لأشداق السّباع تلعق دم عدوه وتنهش ولحمه وهو مجندل على الأرض
فتركتُهُ جَزَرَ السّباعِ يَنُشْنَهُ ما بين مُلتَطِمٍ من القاني ومجَرّح
وهنا أيضاً كنّى عن الدّم الأحمر بالقاني وهو الحمرة الشّديدة المائلة إلى السّواد والقاني والأرجواني درجتان من الحُمرة لا الأحمر الخالص والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى في الشّعر والأمثال القديمة وكلّها تبيّن أنّ البدّويّ لم يرَ في الأحمر لوناً خالصاً من ألوان الطّيف الذي ما عرفه أصلاً بل درجةً من الحُمرة قد تشتدّ أو تخفت ملتصقة بمادة ما تقع تحت حِسِّه وبصره عرفها وميّز دقائقها بقوّة الملاحظة
وقد يحدث ألاّ يكون اللون الأحمر مساوياً لنفسه في جميع الحالات بل يتعلّق ذلك بالمادة التي يقع عليها فالأحمرُ قد يعني في بعض الأحيان الأبيض فعندهم الأحمرُ من الناس الأبيضُ (لنا عودة إلى هذا بعد قليل) والأحمرُ من الإبل ما خالطتْ حُمرته صُفرة فلا وجود إذا عند العربي لحُمرة مُطلقة عامة خالصةٍ بذاتها ومجرّدة عن موضوعها بل تتشكّلُ بحسب المادة اللاصقة بها
أمّا في ما تعلّقَ باللون الأحمر في الحيوان وتحديداّ الإبل فتراهم عرفوا الإبل الأحمريّة وهي التي يميل وَبْرُها إلى الحُمرة وهي عندهم تمتاز بالأصالة وجودة السّلالة وصفاء النّسب وعُرِفتْ عندهم ب "حُمْر النِّعم" أو "حمراء النّعم" وهي من أَنْفَسِ أنواع الإبل وأشرفها عندهم ولكنّ هذه التّسمية لا تعني بالضّرورة (كما يمكن أن يُظَنُّ لأوّل وهلة) أنّها إبلٌ حمراء خالصة الحُمرة بل جاءت هذه التّسمية طِبقاً للّون الغالب فيها وهو الأشقرُ المائل إلى الحّمرة أو الصُّفرة الحمراء لا الأحمر الخالص إنّه أحمر أقرب ما يكون إلى العسليّ الزّاهي ويقول الأصمعي في "كتاب الإبل" "يُقال بعير أحمر وناقة حمراء وإذا بولِغَ في نعْتِ حُمرَته قيل كأنّه عِرقُ أرطَأة [وهو شجيرة تنبت في الرّمل في الصّحراء زهرها طيّب الرّائحة وثمرها كالعنّاب يُستعمل في الدّباغ] ويُقالُ أجْلَدُ الإبلِ وأصبرها الحُمر فإذا خلطَ الحُمْرَةَ قنوء فهو كمَيْت فإذا خلط الحُمرة صُفرة قيل أحمر مُدمَى فإذا اشتدت الكتمة حتّى يدخلها سواد فهي الرّمكة [...]" ويورِدُ على هذا النّحو سبع درجات للأحمر على حساب خلطه بألوان أخرى
فالحّمرةُ في نظر البدويّ لا تعني اللون الأحمر الشّديد كما نفهمه اليوم بل هو لون أصفر أو أشقر أو أبيض أو أسود أو غير ذلك خالطته حُمرة أو غلبت عليه كما لون الرّمل في الصّحراء المائل إلى الحُمرة تحت أشعّة الشّمس أو الصّخور السّوداء في الجبال التي فيها بعض احمرار (لوجود عنصر الحديد فيها فيتأكسد فيظهر الصخر بلون أحمر مائل إلى السواد) يقول ابن منظور في "لسان العرب" والحُمر من الإبل ما كان لونه أحمر إلى الشُّقرة وليس كالأحمر الخالص وقال أبو عبيد : الحُمْرُ من الأبل أشقرُ يضربُ إلى الحُمرة فالأحمر البدوي ليس خالصاً بل فيه شعرات بيض أو شقراء أو سود فليس هناك من أحمر خالص أبداً في الإبل فالأحمر يتلون دائماً بغيره
ومن درجات الأحمر الأُدْمَة وهي حُمرة مائلة إلى السّواد أو هي السُّمرة أي لون يميل إلى الحُمرة الدّاكنة جاء في "لسان العرب" الأُدْمة الخُلطة أمّا الأديم فهو الجلد أيّاً كان وقيل هو الجلدُ الأحمر وقيل هو المدبوغ (وعندما يُدبغ يميل إلى الحُمرة)
فالأحمرُ إذاً ليس ذلك اللون الخالص النّقيّ بل هو إمّا لونٌ شابَتْهُ حُمرةٌ وإمّا حُمرةٌ مُشْرَبَةٌ بلونٍ آخر ويكون ذلك على درجات على قدر الخُلطة وقد يغدو الأحمر مرادفاً للأصفر أحياناً فقالوا أهلك النَاسَ "الأحمران" وعنَوْا بذلك الذّهب والزّعفران وقال أخرون بل هما "الأصفران" فعند بعض العرب "الأحمران" هما هذان وعند البعض الآخر هما "أصفران" وقالوا "الأحمر" هو الذّهب وقالوا عن الذّهب أنّه "أصفر" وكأنّه مرادف ل"للأحمر" فكانوا إذا قالوا أهلك النّاسَ "الأصفران" أو "الأحمران" عَنَوا الشّيء ذاته أي الذّهب والزّعفران إذ يُنْظّرُ إلى الأمر الواحد من زاويتين مختلفتين (وما زال النّاس مثلاً في بعض المناطق الجبليّة في لبنان يقولون عن الزّيتون الأخضر أزرق فهو أخضر إذا خرجت الثّمرة ويميل إلى الزّرقة لمّا تبدأ الثّمرة بالاسوداد) وكما يُعَلّقُ الصّادق الميساوي في بحثه على هذه الظّاهرة قائلاً "وتتّصلُ الحُمرةُ بالصُّفرةِ فإذا هما كالمترادفين"
ويذهب بنا الأمر إلى أبعد من ذلك بكثير ف"الأحمر" قد يشير أيضاً وفي أحيانٍ كثيرة إلى لونٍ أخر ألا وهو الأبيض فلفظ أحمر في العربيّة القديمة كان يُقصّدُ به الأبيض المشوب بشُقرة أو حُمرةٍ خفيفة (نرى من ذلك أثراً أيضاً عند عيصو وداود كما ورد في التّوراة نرى هذا لاحقاً) فها هو أمرؤ القيس يصف أسنان حسناءه قائلاً
تَضَوّعَ مِسْكاً بُرْدُها وحَديثُها إذا ابتسَمَتْ عن أحمرٍ في اللّثاتِ
فنَعَتَ الأسنان البيضاء باللون الأحمر لأنّ بياضها ليس خالصاً بل مشوب بحُمرة اللّثة أو تعكس حُمرة ما في الفم أو الشّفتين فأسنان النّساء لم يتغيّر لونها بين عصر أمرئ القيس وعصرنا اليوم ولكن ما تغيّر هو اللفظ المستعمل لوصف بياضها والعرب تقول امرأةٌ حمراء أي بيضاء [...] ورجُلٌ أحمر ولا تقول امرأة بيضاء أو رجلٌ أبيض من بياض اللون إنّما الأبيض عندهم في الإنسان دالٌّ على النّقاء من العيوب والكرم في الأخلاق لا لون الخلقة فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا أحمر [...] لذلك قالوا "أتاني كلُّ أسود منهم وأحمر" ولا يُقالُ أتاني كلُّ أسود منهم وأبيض ويعنون بذلك العرب والعجم فالغالب على ألوان العرب السُّمرة والأُدمة وعلى ألوان العجم البياض والحُمرة فإذا قالوا فلانٌ أحمر وفلانة حمراء عَنَوا بياض اللون وعليه دُعِيَتْ عائشة ب "يا حُميراء" أي "يا بيضاء" (انظر لسان العرب/ب ي ض) فالعرب في العادة ذو بشرة داكنة أو سمراء تقرب من السّواد وعلى النّقيض من ذلك قالوا عن أصحاب البشرة البيضاء أو الفاتحة المُشْربة بحُمرة طبيعيّة بسبب الدّماء تجري في العروق في الجِلد وتحته "حُمر البشرة" ولم يجدوا الأبيض النّاصع أو الخالص أي الحقيقي في نظرهم إلاّ في المادة الجامدة من مثل الجبال والصّخور والجصّ والثّلج وما إلى ذلك وقالوا عمّا هو شديد البياض تحديداً "أبيض يَقَقٌ" وقالوا كذلك "ناصع" وعمّا هو شديد الاحمرار "أحمرُ قان"
وذهب آخرون إلى تفسير الأحمر في شِعر أمرئ القيس هنا بالذّهب حيث تغلّف البدويات خصوصاً المقتدرات منهنّ أسنانهن بالذهب (وما زالت هذه العادة قائمة إلى اليوم في بعض المجتمعات الشّرقيّة وهي عند البعض وسيلة أكيدة لحفظ المدّخرات) وهذا من مظاهر الثّراء ومعالم الزّينة والأنوثة البدويّة في تلك المجتمعات وأيّاً كان التفسير المعتمد فلفظ الأحمر هنا لم يعد مساوياً لنفسه بل خرج عن حدوده ليدلّ على ألوانٍ أُخر هي إمّا الأبيض وإمّا الأصفر الذّهبي
أّما رمزية اللون الأحمر عند العرب القدماء (لسان العرب/ ح.م.ر) فهي على الأغلب سلبيّة فباستثناء خدّ الحسناء المتورّد والهودج الأحمر الذي يحمل الحرائر والخمرة غالية الثمن والثياب والأكسية القرمزية أو الأرجوانية أو المصبوغة بالإضريج رمز السّلطة واقتناء النادر من الأشياء فإنّ الأحمر يثير في المخيال الجمعي الجانب السلبي في العيش من النار التي تحرق وتجلب الموت والشّدة والعناء والدّم المسفوك لذلك قالوا "الموت الأحمر" وهو موت القتل (ومن أمثالهم "القتل الأحمر والجوع الأغبر" للإشارة إلى الشّقاء والعناء) وقالوا احمرّت السّماء إذا أجدبت وسنةٌ حمراء أي قلّ مطرها فأضرّ ذلك بالإنسان والحيوان على السّواء ومن أقوالهم حمراء الظّهيرة شدّتُها وحمارّة القيظ شِدّة حرّه ومن هذا كثير وربما لذلك سَمّوا الحمار حمارا كناية عمّا يقاسيه من كدّ ومكابدة في أحماله وأسفاره (وقد زعم بعضهم أنّ الحمار سُمّي كذلك للونه الأحمر/البنّي وفات هذا البعضُ أنّ الحُمُرَ ألوان عديدة وبعضها أبيض!) وهم في قصصهم وأساطيرهم (قبل القرآن) جعلوا من أحمر عاد أو ثمود رمزاً للتّشاؤم والأمثلة على ذلك كثيرة في شعر ما قبل الإسلام
(يتبع)
كمال محمود الطّيارة ـ ليون ـ فرنسا ـ 12/2/2026
#كمال_محمود_الطيارة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (2/6)
-
صراع الألوان بين -حمراء-التّوراة و-صفراء- القرآن 1/6
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربياً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
-شاهد ما شفش حاجة- أو شرُّ البليّة ما يُضحِكُ (موتُ النّخْوَ
...
-
من إسلام الضّرورة ‘لى إسلام البزنس (تدنيس المقدّسفي المخيال
...
المزيد.....
-
تحذيرات من حملة انتخابية إسرائيلية -وحشية- تعيد شبح الصراعات
...
-
أردوغان: ربط شبكات النقل في الدول الإسلامية يعزز التجارة وال
...
-
قائد الثورة الإسلامية يثني على الحضور الواسع للشعب الايراني
...
-
إيران تُحيي الذكرى الـ47 للثورة الإسلامية: هل مازال النظام ا
...
-
قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف منزلين في حي الكنيسة وحي المقبرة
...
-
مستقبل الدراسات الإسلامية بين مطرقة التاريخانية وسندان الوحي
...
-
مصر.. شيخ الأزهر يوجه رسالة للحكومة الجديدة والوزراء السابقي
...
-
ضاحي خلفان يقارن الإخوان بجفري إبستين ويرد على من يهاجم الإم
...
-
تصريحات مفوضة أمريكية تفجّر جدلا بشأن إبادة غزة وعبارة -اليه
...
-
إرث -بطل إسرائيل-.. هل كان ماكسويل الأب الروحي لشبكة إبستين؟
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|