أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال محمود الطيارة - أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء 1/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب















المزيد.....



أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء 1/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب


كمال محمود الطيارة

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أيكون إبراهيم عربيّاً؟!
(5)
(في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة)
الفصل الرابع (جزء 1/4)
أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب


"[...] ثمّ ارتحلَ (أبرام) ارتحالاً متوالياً نحو النّقب "
(تك 12/ 6 ـ 9)
"وانتقلَ إبراهيم من هناك إلى أرض النّقب وسَكنَ بين قادش وشُورَ وتَغرَّبَ في جّرَارَ"
(تك 1/20)


حفلت المرويّات التّوراتيّة عن فترات إقامة إبراهيم في جنوبي فِلسطين في حماية أبي مالك شيخ القبائل العربيّة هناك بالمشاهد والحكايا (ولا أقول الأحداث لانعدام الأدلّة الماديّة على وقوعها الفعلي) التي تحمل قرائن قوية على الانتماء الثقافي لإبراهيم المُفترض وربما كان الأمر أبعد من ذلك و مرّة أخرى نُكَرّرُ أنّه في ظلّ انعدام الأدلّة الماديّة وبعيدا عن التّأويلات اللاهوتيّة الفارغة علميّاً ليس بين أيدينا إلاّ النصوص نستَنْطِقُها ونضرب بعضها بالبعض الآخر ونعيد قراءتها على ضوء ما نعرفه من السياق التّاريخي الذي أنتجها من دون أن نتخذ منها موقفاً أدبيّاً أو أن نُصْدِرَ حيالها حكماً أخلاقيّا "فلكلّ زمان دولة ورجال" أي لكل مجتمعٍ في زمن معيّن قِيَمُه وعاداته وأعرافه التي تحكمه وتُنظّم العيش فيه وقد وزّعنا الفصل هنا إلى ثلاثة محاور
1) المنحة/الأرض ومَهْرُ أختي/زوجتي
2) القَسَمُ والنّعاجُ السّائبة
3) تأثيلُ البئر

ولقد ارتأيتُ ان أكتب "أبيمالك" (אֲבִימֶלֶךְ) برسم اسم عربي مركب من مضاف ومضاف إليه (أب + مالك) لقناعة عندي بأنّ هذا الرّجل القابع بين الأسطورة المعلومة والتّاريخ المجهول ينتمي إلى القبائل العربيّة القديمة التي قدِمَت منذ عشرات آلاف السّنين من وسط جزيرة العرب أو جنوبها واستقرّت في شمالها وفي جنوبي فلسطين ما بين مصر القديمة وأرض كنعان وبلاد الرّافدين (أنظر مثلاًR. DUSSAUD, La Pénétration des Arabes en Syrie avant l’Islam) وقد كانت الكناية "أبو فلان" دائماً من إمارات التّعظيم والإجلال في القبائل وبين العشائر آنذاك ولا زالت في المجتمعات العربيّة إلى اليوم


أ ـ المنْحَة/الأرض

ما أن استقرّ بأبرام المقام في أرض كنعان في "الجبل شرقيّ بيت إيل ونصب خيمته وله بيت إيل من الغرب وعاي من المشرق [...]"(تك 12/8) واتّخذ لنفسه وعشيرته حِمىً في المرتفعات المشاع هناك حَدَّهُ بالحجارة والأنصاب كما رأينا (راجع أيكون إبراهيم عربيّاً؟! الفصل الأوّل (جزء 2/2) الحِمى والأنصاب والمذبح: ثقافة الأحجار المقدّسة) حتّى شدّ الرّحال مجدّداً مُيَمِّماً هذه المرّة "شطر النّقب" (הַנֶּגְבָּה) كما يقول النّصّ ("ثمّ ارتحلَ ارتحالاَ متوالياَ نحو النّقب " ـ تك 12/9) و" النّقب" في العبريّة (נֶּגְבָּ) تعني القفر الخالي والأرض الجافة وعلى عُهدةِ جُغرافيي التّوراة القائلين بأن مسرح الرّواية فلسطين الحاليّة يكون النّقب إذاً تلك المنطقة الصّحراويّة الواقعة جنوبي أرض كنعان ما بين صحراء سيناء غرباً وجنوبي الأردن شرقاً وقصبتها "بئر سبع" أو "بئر السّبع" (سنرى لاحقا أصل التّسمية) وقد مرّ أبرام في هذه المنطقة غير مرّة ويبدو أنّها راقَتْهُ لتكون نُجْعَةَ ماشيته و" النُّجعةُ عند العرب المذهبُ في طلبِ الكلاء في موضعه [...] وهم لا يزالون في النُّجعِ إلى أنْ يهيج العُشبُ من عامٍ قابل وتَنِشُّ الغُدران فيرجعون إلى محاضِرهم على أعدادِ المياه" (لسان العرب/ن.ج.ع) وهكذا كان أبرام يتنقّل بعشيرته وقطعانه على نحو متواتر ومنتظم بين حِماه أي الأرض المشاع التي اقتطعها لنفسه وعشيرته في مرتفعات حبرون من جهة وبئر سبع (بين قادش وشور) في صحراء النّقب من جهة أخرى تبعاً لتوالي الفصول وتساقط الغيث والمسافة بين هذه وتلك كما قلنا سابقاً قد لا تزيد عن 60 كلم في طُرق ملتوية يمكن قطعها سيرا على الأقدام مع القطعان في يومين أو ثلاثة وهذا ما يُسَمّى عند البدو بالانتجاع (أمّا اليوم في العربيّة الحديثة فالانتجاع صار للبشر بعدما كان للحيوان والبقر فيقولون "منتجع سياحي"!!)

وهنا لا بد من الإشارة إلى مغالطةٍ وَرَدَتْ في السّيرة التّوراتيّة لإبراهيم في ما خصّ إقامة هذا الأخير في الجنوب فهي تنصُّ حرفيّاً على أنّ " إبراهيم قد تغرّبَ في أرض الفلسطينيين أيّاماً كثيرة" (تك 21/ 34) أي في النّقب وتجعلُ بالتالي من أبي مالك الذي آوى إبراهيم وحماه هناك ملكاً فِلسطينيّاً في هذه الأصقاع لهؤلاء الفلسطينيين والحال أنّ عصر أبرام على ذمّة التّوراتيين جُعِل حوالي 1800 ق.م. أو قبل ذلك بنحو قرن في حين أنّ شعوب البحر والفلسطينيون منهم قد وصلوا إلى جنوب فلسطين وشمالي سيناء على ما تُبيّنه آثارهم حوالي 1200ق. م. أي بعد عصر إبراهيم بحوالي 600 سنة فلا بدّ والحال هذه أنّ أبرام "في ارتحاله المتوالي إلى الجنوب" لم يكن ليقع على الفلسطينيين بل على شيخ من شيوخ القبائل العربية المنتشرة هناك منذ عصور مغرقة في القدم بين مثلث شمالي جزيرة العرب/ جنوبي فلسطين والأردن/ شمالي سيناء والرّاجح عندي أنّ اسم أبي مالك المذكور هنا تُراه أقرب إلى العربيّة منه إلى لغة شعوب البحر وهذا الارتباك في السّيرة التّوراتيّة مردّه إلى أنّ كاتب النّص ـ أو مجموعة الكتبة للتوراة ـ كان يجهل التّاريخ السحيق لهذه المنطقة وصادف أنّه لمّا جمع ما كان مُتَناقَلاً شفاهةً آنذاك منذ زمن بعيد عن ترحال إبراهيم في تلك الأصقاع ليُثْبِتُهُ كتابةً (وكان ذلك بدءاً من حوالي القرن 800 ق.م.) كان الفلسطينيون في عصره هم أسياد المناطق المشار إليها فذهب به الظّنّ إلى أنّهم حيث هم منذ الأزل وأنّ أبرام كان ولا بُدَّ يوماً نزيلهم

وربّما كان أبرام على ما تقول سيرته قد اجتاز لأول مرة هذه الأصقاع في جنوب فلسطين في طريقه إلى مصر "ليتغرّبَ فيها إثر الجوع الذي حدث في الأرض" (تك 12/10) وفي مصر أوصى أبرام زوجه ساراي قائلاً "إنّي قد علمتُ أنّك امرأةٌ حسنة المنظر فيكون إذا رآكِ المصريون أنّهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويسْتَبْقُونَك قولي إنّكِ أُختي ليكون لي خَيْرٌ بسَبَبكِ وتحيا نفسي من أجلك" (تك 12/12 ـ 13) وحدثَ ما توقّعه أبرام فاستقدَمَ فرعونُ سارةَ لمّا بلغهُ مدى حُسنها وجمالها "وصَنعَ إلى أبرام خيراً بسببها وصار له غنمٌ وبقرٌ وحميرٌ وعبيدٌ وإماءٌ وأُتْنٌ وجِمالٌ" (تك 12/16) ولكنّ الرّبَّ تدخّلَ في اللحظة الحاسمة ومنعه من مَسِّها ثمّ كان أنْ عاتبَ فرعون أبرام على ما فعل وأمر "رجالاً فشيّعوه وامرأته وكل ما كان معه" (تك 12/20) إلى خارج البلاد وفي طريق عودته إلى حِماه "إلى المكان الذي كانت خيمته فيه في البداءة بين بيت إيل وعاي في أرض كنعان مرّ أيضاً ب "النّقب" ولما انفصل عنه ابن أخيه لوط وقلّ عديده انتقل إلى غابة "بلوّطات ممرا التي في حبرون (الخليل اليوم) وجاور العمّوريين (أو الأموريين) ودخَلَ في حِلفٍ معهم وبعدما استقرَّ أبرامُ جاراً للعموريين وحليفاً لهم واستبدل الرّبّ اسمه بإبراهيم وبدّلَ اسم ساراي إلى سارة قرّرَ الانتجاع مع قطعانه في النّقب فانتقل بعشيرته وماشيته إلى مناطق سيطرة أبي مالك هناك وأوصى امرأته مجدّداً بما كان لقّنها إيّاه في مصر ولمّا سُئلَ إبراهيم عنها وقد أُخِذَ أبو مالك بجمالها (وسِنّها قد ناف عن التّسعين !) قال "هي أُختي" (تك 20/2) وقبل أن يقترب شيخ شيوخ القبائل منها (والتّوراة تُغدق عليه لقب مَلِك) جاءه الرّبُّ (אֱלֹהִים = إيلوهيم) في الحُلُم مهدّداً متوعّدا إنْ مسّ سارةَ فذُعِرَ أبو مالك وقال في دفاعه عن نفسه كيف يكون ذلك؟ "ألم يقُلْ هو لي إنّها أُختي وهي أيضاً نفسُها قالت هو أَخي؟ بسلامة قلبي ونقاوة يديّ فعلتُ هذا" (تك 20/5) وما عَتّمَ أنْ جمعَ أبو مالك في صباح اليوم التّالي رجاله وحاشيته وأبلغ الجّمْعَ ما جاءته به الرّؤيا ثمّ استدعى إبراهيم وامرأته فعاتبهما وأمرهما بتوضيح ما حصل فقال إبراهيم "بالحقيقة أيضاً هي أختي ابنة أبي غير أنّها ليست ابنة أمّي فصارت لي زوجة وحدث لمّا أتاهني الرب [خروجه إلى حياة الحل والتّرحال] من بيت أبي أنّي قلت لها هذا معروفك الذي تصنعين إليّ في كلّ مكانٍ نأتي إليه قولي عنّي هو أخي فأخذ أبو مالك غنماً وبقراً وعبيداً وإماءً وأعطاها لإبراهيم وردّ إليه سارة امرأته وقال لإبراهيم هوذا أرضي قدّامك اسكنْ في ما حَسُنَ في عينيك وقال لسارة إنّي قد أعطيتُ أخاكِ ألفاً من الفضّة ها هو لك غطاءُ عين من جهة كلّ ما عندكِ وعندَ كلّ واحدٍ فأُنْصِفْتِ" (تك 20/12 ـ 16)

تكاد هذه الرّواية تتطابق في الهيئة الخارجية أي التركيبة القصصية تطابقاً تامّاً مع سابقتها التي زُعِمَ أنّها جرت في أرض الكنانة ففي النّسختين المصريّة منهما والفِلسطينيّة يَهيمُ حاكمٌ قويٌّ (فرعون مصر وملك جَرار) بعجوزٍ حسناء قد شارفت على التّسعين(!) أي سارة امرأة إبراهيم فيقدّمها هذا لهما على أنّها "أخته" على طبقٍ من فضّة ويكسبُ من ذلك ذهباً كثيرا ولكنّ الآلهة تنزلُ من عليائها في اللحظة الحاسمة وتعيدُ الأمورَ إلى نصابها ويخرجُ إبراهيمُ من ورطته سالماً غانماً وكما جرت العادة انصرف الأحبار والمفسرون إلى شرحٍ لاهوتي للنّص فقالوا إنّ الرّواية بنسختيها وهي على زعمهم لا ريب في أنّها حدثت لم تكُن إلاّ لإظهار العدل الإلهي وطهارة سارة ونقاء نسل إبراهيم وكان شاغلهم الشّاغل في شروحاتهم شرفُ سارة وبيان أنّها لم تُمَسّْ قطّ من قِبَلِ هذين الرّجلين فهي كانت ضحيّة سوء فهم(!) أبي مالك وقبله فرعون لواقع الحال وما التّدخّل المباشر من "إيلوهيم" لحمايتها من الدّنسِ إلاّ إحقاقٌ للحق ونُصرة للمظلوم (ذهب بعضهم في شطحه إلى أنّها أطلقت صرخة استغاثة!!) وإنفاذٌ للعهد الإلهي بحفظٌ نسل إبراهيم ورأوا في ما أغدقه أبو مالك من العطاء على سارة بعدما منعه "إيلوهيم" من مسّها اقراراً منه على الملأ بطهارتها ونقاء سُمعتها وإعلاناً لبراءتها وقد أغفل الكثير منهم الجانب الأخلاقي في سلوك إبراهيم ونظروا إلى فرعون وأبي مالك بمنظارين مختلفين فصورة الأوّل تُطابِق ما نعرفه عن "فرعون التّوراتيّ" مع موسى أو غيره فهو ذلك الظّالم المتكبّر وكان ملاك الرّبّ يضربه كلّما حاول الاقتراب من سارة وأصابت الضّربات بيت فرعون بالكامل فكان عقابه عقاباً مباشراً (تستدعي هذه المشاهد هنا ما سيُرْوَى لاحقاً أنّه حصل بين موسى وفرعون قُبَيل "الخروج" الكبير من مصر) في حين يظهر الثّاني مَلِكاً صالحاً متّقياً الربّ الذي اكتفى لذلك فقط بإنذاره في الحُلُم ومَنَحَهُ فرصةً لتدارك خطأ لم تكن له فيه لا ناقة ولا جمل

وتبدو النّسخة الفلسطينيّة من هذه الرّواية أكثر إحكاماً وأشدُّ غِنىً في عناصرها من أختها السّابقة عليها وما يميزها عنها أمور ثلاثة لم تكن موجودة في النّسخة المصريّة أوّلها أنّ إبراهيم يُميطُ اللثام عن مقصوده ب "أختي/زوجتي" وثانيها أنّ أبا مالك يمنح إبراهيم أرضاً /منتجعاً لماشيته وثالثها أنّه يهبُ سارة مهراً (!)

أوّلاً إبراهيم يُميطُ اللثام عن مقصوده ب "أختي/زوجتي"
كما رأينا قدّمَ إبراهيم امرأته سارة لفرعون أوّلاً ثمّ لأبي مالك في مرّة لاحقة على أنّها "أخته" ولمّا اتّضح في ما بعد أنّها زوجُه وسُئلَ عن ذلك قال مُبرّراً "بالحقيقة أيضاً هي أختي ابنة أبي غير أنّها ليست ابنة أمّي فصارت لي زوجة" ولو حَمَلْنَا القولَ على ظاهره لَقُلْنا إنّ زواج الأخ بأخته (غير الشّقيقة) كان من أعراف القوم وعاداتهم آنذاك ولو قلّبناه على أوجهه المختلفة لربّما بدى للأمر مخرجٌ آخر وهذا ما سنراه في الفصل القادم وهو الفصل الخامس والأخير بعنوان "القَسَمُ وزواج القُربى"


ثانياً أبو مالك يمنح إبراهيم أرضاً /منتجعاً لماشيته
بدى أبو مالك في الرّواية التّوراتيّة هذه رجلاً صالحاً يرعى العدل ويتّقي "إيلوهيم" فهو قد طلب سارة من إبراهيم حسب الأصول والأعراف ظنّاً منه أنّها أخته ولكنّه ما أن علمَ بالحقيقة حتى أخذه وخزُ الضّمير والخشية من "إيلوهيم" فسارع إلى التّكفير عن إثمٍ وإنْ لم يكن هو شخصيّاً المسؤول عنه فعلاً ولا يدَ له فيه البتّة فأغدق الأُعطيات لِتَوّه على السّواء على إبراهيم (وعلى زوجِه وسنرى هذا لاحقاً) فمنحه أرضاً قائلاً "هوذا أرضي قدّامك اسكنْ (= שֵׁב) في ما حَسُنَ في عينيك" (تك20/15) والنّصّ هنا واضح تماماً إذ لا يذكُر أنّ حِلفاً قد عُقِدَ حينها بين أبي مالك وإبراهيم وكان بموجبه أنْ حصل هذا الأخير على أرضٍ ما أو أنَّ إبراهيم مثلاً قام بمبادرة ذاتيّة منه فتخيّرَ أرضاً واقتطعها وجعلها حِمىً لعشيرته وماشيته كما كان من عادته أنْ يفعل في المرتفعات المشاع في أرض كنعان فالأرضُ التي سكنها إبراهيم في النّقب لم تكنْ إذاً على ما ورد في النّصّ إلاّ تنازلاً طوعيّاً من أبي مالك (على سبيل التّكفير عن ذَنْبٍ كاد يقترفه وهو الرّجل الصّالح) لإبراهيم وهذا التّنازل الطّوعي من دون مقابل عن بعض الممتلكات المنقولة أو غير المنقولة أي هذا الضّرب من الأُعْطِيات كان مألوفاً في تقاليد البدو وأعرافهم ويُسمى "المِنْحَة" وأصله في الشّاة أو النّاقة ثمّ امتدّ إلى سائر الممتلكات وما قد ينتفع به الإنسان وهو عطاء مؤقّت غير دائم مردود على مالكه الأصلي بعد حين

يقول ابن منظور في معجمه "مَنَحَهُ الشّاةَ والنّاقةَ [...] أعارَه إيّاها [...] وقال اللحياني مَنَحَهُ النّاقةَ جعلَ له وَبَرَها ووَلَدها ولبَنَها وهي المِنْحَة والمنيحَة [...] والمِنْحَةُ منفَعتُه إيّاه بما يمْنَحُه [...] قال أبو عبيد المنحة عند العرب على معنيين أحدهما أن يُعطي الرّجلُ صاحبَه المالَ [= الإبل] هبةً أو صِلَةً فيكون له وأمّا المنحة الأخرى فأن يمنحَ الرّجلُ أخاهُ ناقة أو شاةً يحْلُبها زمناً وأيّاماً ثمّ يردّها [...] والمنحةُ أيضاً تكون في الأرض [...] والأصلُ في المنيحة أن يجعل الرّجُلُ لبن شاته أو ناقته لآخر السّنة ثمّ جُعِلّت كلّ عطيّة منيحة [...]"(مادة م.ن.ح) فالمنحة جزء من نظام الاقتصاد الرّعويّ القبليّ القائم على عُرف التّكافل الاجتماعي داخل القبيلة أو بين القبائل الذي من مظاهره الأخرى كما رأينا الِحلف والجِوار والقِرى (=الضّيافة راجع أيكون إبراهيم عربيّاً؟! الفصل الثّالث الضّيافة العربيّة) والفداء أو حمل الدّيات والنّجدة وغير ذلك وعليه فالمنحة في هذا السّياق لم تكن مجرّد صدقة عابرة جاد بها أبو مالك بل سلوك يندرجُ في نظامٍ اجتماعي واقتصاديّ مُتكاملٍ يهدفُ إلى تدعيم القبيلة وتماسكها وضبط توازنها الضّروريين لها في بيئة صحراوية قاسية

وليست "المنحة" الشّكل الوحيد للعطاء على مبدأ التّكافل الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع القبلي بل كانت هناك ضروب أخرى من ذلك ما يُجمله أبو عُبيدة حسب ما جاء في لسان العرب على النّحو التالي "قال أبو عبيدة للعرب أربعة أسماء تضعها مواضع العارية المنيحة والعَريّة والإفقار والإخْبال [...]"(مادة م.ن.ح) وزاد بعضهم الإكْفاء وتذكُرُ معاجمُ اللغويين الفروق الدّقيقة في ما بين هذه الضّروب المختلفة من أُعْطيات المقتدرين المحتاجين مما لو ذكرناه كلّه لخرجنا عن النطاق المرسوم لبحثنا ولسوف نكتفي هنا بما يخصّ "المنحة" ويُميّزُها

أصلُ المنحةِ أن يمنح الغنيُّ الفقيرَ أيّامَ القحطِ والجفافِ خصوصاً شاةً أو ناقةً حلوباً وهي أساس الاقتصاد البدوي الرّعويّ يشرب لبنها ويُطعم أهله (وزاد بعضهم إلى لبن الحلوب وَبْرَها وولدها) وإذا جفّتْ أو انتفت الحاجة أو مات أحد الرّجلين رُدّتْ إلى أصحابها ثمّ تُوُسِّعَ في الأمر مع الأيام فصارت المنحةُ أن تُعطي رجلاً شيئاً ذا غلّة أو نماء كالنّاقة أو الشّاة أو النّخلة أو الأرض لا على سبيل التمليك الكامل بل لينتفع بغلّته إلى حين ثم يردّها حسب شروط وأعراف معلومة فالمانح هنا يمنح غيره حقّ الانتفاع بالعين دون تملّكها وأقربُ ضروب العطاء إلى المنحة "العارية" وهي إباحة الانتفاع بالشيء مباشرة وليس بثمرته وتكون في الدّابة وفي الثياب وفي الأدوات وفي السّلاح وفي كلّ ما يُنتفع به مع بقاء عينه التي تُرَدُّ كما أُخِذَتْ دون الإفادة من غلتها أو نماءها ففي الحالين يد المنتفع يدُ أمانةٍ وانتفاع مؤقّت بشيء واجبٌ ردُّه لا يد تملّك دائم وفي حالة "المنحة" يكون الانتفاع بالثمرة وفي حالة "العارية" يكون الانتفاع بالاستخدام والسّخرة وكلتيهما لا ترقيان إلى مرتبة الهِبَة المطلقة إذْ ليس فيهما نقل ملكيّة ولا تخرجُ العينُ فيهما عن مُلْكِ صاحبها

وكانت "المنحة" أو "المنيحة" (والجمع منح ومنائح) تذهب إلى الفقير والمحتاج من أبناء القبيلة وهو الأصل والأكثر شيوعاُ أو على سبيل الصّلح وتجنّب العداوات أو إلى كسب حليف أو على سبيل الكرم والجود لِيُعْرَفَ قَدْرُ الرّجل ومكانته بين النّاس فهو لا يُعرفُ بما يملك بل بما يُعطي (وفي هذا أشعار جاهليّة كثيرة) أو تذهب إلى الجار والجِوار عند العرب له حرمة تكاد تعادل حرمة النّسب وكان المُجاوِرُ يحق له ما يحق لابن القبيلة في كثير من الحقوق بما فيها المنحة ومن أعرافهم المُبَيّنة لمكانة الجار عندهم النّازل بين ظهرانيهم "الجار أحقُّ بِصَقْبِه" أي بما يليه من المكان وما يقع حواليه أو تذهب كذلك إلى الغريب الوافد إنْ أقام فصار له الحقّ بالمنحة (وجاء في الأخبار أنّ حاتم الطّائي مثلاً وهو المشهور بكرمه عند العرب كان يمنحُ الغريب منحة كاملة دون انتظار إقامته) وعلى الجُملة كانت المنحة تذهب إلى المحتاجين والضّعفاء في المجتمع القبلي وهي وإنْ لم تكن تشكّل عنصراً طقسيّاً في دينهم ألاّ أنهم اعتقدوا أنّ الجود والبرّ بهؤلاء يجلب البركة ورضى الآلهة ويحمي من النّوائب مما يشكّل القاعدة الإيمانيّة للأعراف القبليّة والعادات الاجتماعيّة في بيئة طبيعيّة معادية

وغالباً ما كانت تُنْتَهَزُ المناسبات العامة للإعلان على الملأ عن المنحة التي يجود بها صاحب العشيرة أو شيخ القبيلة فيعْلَمُ الجَمْعُ ويشيعُ الخبرُ ويوثّقُ في الذّاكرة (وهذا بالضبط ما فعله أبو مالك أمام رجاله وحاشيته حينما أعلن عن منحه إبراهيم أرضاً وترك له القرار في اختيار ما يحلو له) ولم تكن المنحة محدّدة بفترةٍ زمنيّة لكنّ توقّفها له شروط معلومة من الجميع ومتعارفٌ عليها فهي تصل إلى نهايتها إذا ما جفّ ضرع النّاقة أو الشّاة مثلاً وانقطع لبنهما أو إذا انتفت الحاجة إليها أيّاً كانت واستغنى المنتفع بها عنها فردّها طواعيةً إلى صاحبها وكان هذا يُحسبُ له فضلاً ومَكْرُمة أو إذا طلب المانِحُ ردّها إليه أمّا إذا مات هذا فلورثته الحقّ في استردادها والمنحة لا تُباع ولا تُورّث من قِبل المنتفع بها فإن هَلَكَ عادت إلى المانح صاحبها تلقائيّاً

ولقد عرفت الثّقافات الحضريّة المجاورة (مصر القديمة وبلاد الرّافدين) وهي مجتمعات زراعيّة في مجملها ضروباً من العقود الاقتصاديّة الخاصّة مشابهة للمنحة البدويّة مع فارق جوهري من حيث الشكل ومن حيث الغاية المنشودة فمن حيث الشكل كانت هذه العقود مثبتة كتابةً وتتضمّن تفاصيل تعاقديّة محدّدة من مِثْلِ مدة صلاحية العقد ونوع الغلّة وحصّص المتعاقدين وحقوق وواجبات كلٍّ منهم وما إلى ذلك من البنود القانونيّة ثم يُعهد بهذه الألواح أو البردِيّات إلى الآلهة في المعابد أو إلى الإدارات الرّسمية للحفظ أمّا من حيث الغاية المنشودة فالقصد من هذه العقود كما هو ظاهرٌ اقتصاديّ بحت يرمي إلى استثمار عنصرٍ ما (حيوان أو أرض أو بئر أو بناء أو أيّ شيء آخر) بين طرفين أو أكثر وتقاسم العوائد على نحوٍ ما فهي أشبه بما نسميه اليوم بالمغارسة أو المزارعة مثلاً في حين أنّ المنحة البدوية كما رأينا تتم مشافهةً حسب العرف القبلي ولا يكون الهدف منها الرّبح المباشر بل الإحسان والمعروف (كما الضّيافة أو الجوار أو ما شابه من التّقاليد البدويّة) على أمل أن يُبادَلَ المعروفُ يوماً بمثله وفي النّصّ التّوراتي ما يدل صراحة على أنّ أبا مالك لم يكن يرمي من الأرض التي منحها لإبراهيم تقاسم غلّتها معه بل صُنْع المعروفِ مع غريبٍ وتكفيراً عن ذنب كاد يقع فيه فها هو وقد جاء يتفقد إبراهيم يوماً في الأرض التي منحه إيّاها يخاطبه قائلاً "الآن احلف لي بإيلوهيم (בֵאלֹהִים) ههنا أنّكَ لا تغْدُر بي ولا بنسلي وذُرّيتي ومثل المعروف (כַּחֶסֶד) الذي صنعتُ إليك تصنعُ إليّ وإلى الأرض التي تغرّبتَ فيها فقال إبراهيم أنا أحلِف" (تك 21/22 ـ 24)

وخلاصة الأمر أنّ أنظمة إعارة الأرض أو أيّ شيء آخر في الثّقافات الحضريّة المجاورة التي كان يُمنح بموجبها الفلاحون أو العمّال ما يستثمرونه دون امتلاكه غالباً ما كانت ذات أهداف تجارية الطابع وليست تكافليّة اجتماعيّة كما هو حال "المنحة" في التّقليد البدوي فيظهرُ إذاً بما لا لُبْسَ فيه أنّ الأرض التي "سَكَنَها" إبراهيم "بين قادش وشور" لم تكن هبةً له دائمةً أو على سبيل المشاركة في العوائد بل أُعطية مؤقّته أو منحةً حسب تقاليد البدو المعمول بها لديهم أو معروفاً كما يقول النّصّ التّوراتي نفسُه صنعه معه أبو مالك في سياق طَلَبِ المغفرة من إيلوهيم كما يأمر به الإيمان ونجْدَةً للغريب المحتاج كما تأمر به الأعراف والقرائن على ذلك في السّيرة التّوراتيّة لإبراهيم عديدة

أولى هذه القرائن نجده في خطاب أبي مالك نفسه لإبراهيم إذ يقول له "هوذا أرضي (= הִנֵּה אַרְצִי) قدّامك فاختر ما حَسُنَ في عينيك واسكنْ (= שֵׁב) " (تك20/15) فعبارة "אַרְצִי" مُرَكّبة من مضاف (أرض = אַרְצִ) ومضاف إليه ("ي" ضمير المتكلّم = י) فالأرض التي دُعِيَ إبراهيم لأنْ يختار منها ما يروقه تعود ملكيتها الحصريّة لأبي مالك الذي أَرْدَفَ قائلاً "واسكنْ (= שֵׁב)"ولم يورِد النّصُّ هنا أيّ لفظٍ يدلُّ على "الهبة" أو التّمليك أو الشّراء أو العطاء المطلق وبذلك يكون أبو مالك قد سمح لإبراهيم بالسكن والإقامة المؤقّتة على سبيل الانتفاع وليس على سبيل التّملك وهذا ما يتطابق تماماً مع تقليد المنحة البدوي كما شرحناه آنفاً (وبالمناسبة فإنّ فعل "שֵׁב" العبري بمعنى "اسكن" أو "اجلس" يقترب كثيرا لفظاً ومعنىً على ما ذكر اللغويون العرب من لفظ "ثب" في اليمنيّة القديمة وذلك على نقيض معناه في العربيّة الشّماليّة أي "اقفز")

وثاني هذه القرائن غياب الأعلامِ والأنصاب عن هذه الأرض الممنوحة من أبي مالك فالسّيرة التّوراتيّة لا تني تؤكّد أنّ إبراهيم قد "ارتحلَ ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب" وأنّه قد "تغرّبَ أيّاماً كثيرة في أرض الفلسطينيين(!)" ومع ذلك لا تورِدُ هنا ولو لمرّة واحدة تلك العبارة التي نصادفها في كلّ مرة كان يقْتَطِع فيها حمىً لعشيرته وماشيته في مرتفعات أرض كنعان "وبنى مذبحاً للربّ الذي ظهر له هناك" ولقد أثبتنا في ما سبق (راجع "أيكون إبراهيم عربيّاً؟! الفصل الأوّل الحِمى والأنصاب والمذبح: ثقافة الأحجار المقدّسة") أنّ "المذابح" المشار إليها ما هي إلاّ حجارة ضخمة (ما زال كثير منها مغروس إلى الآن في البوادي الممتدّة من الشّام إلى جزيرة العرب) أي أعلامٌ لبيان حدود الحمى وأنصابٌ لإهراق دم الأضاحي بغيَةَ كسبِ وِدِّ أسياد (الكائنات الغيبيّة) هذه الأراضي المُشاع قبل أن يقتطع البدويُّ منها حمىً له ويستقرّ فيه والحال إنَّ حاجة إبراهيم إلى أعلامٍ وأنصابٍ هنا معدومة تماماً فمالِكُ الأرض الممنوحة شيخ شيوخ القبائل في الجنوب وكلّ من في تلك الأنحاء يعلم حدود أراضي أبي مالك أمّا "ساكنوها" (من الكائنات الغيبيّة) فهم قد هجروها منذ زمن أي منذ أنْ استقرّ عليها البشرُ أي أبو مالك وأجداده وأقرانه

أمّا ثالث هذه القرائن فهو رواية "بئر الماء التي اغتصبها عَبيدُ أبي مالك" (تك 21/25) وكان إبراهيم قد احْتَفَرَهَا في الأرض الممنوحة له فعاتَبَ إبراهيمُ أبا مالك إذ مرّ به يوماً على فِعلِ خَدَمِه وانتزاعهم البئر منه فما كان من هذا الأخير إلاّ أن أظهر عدم علمه بما حدث بين الطّرفين وطيّب خاطر إبراهيم وأقرّه على هذه البئر ومصدر النّزاع الذي نشب هنا بين عبيد إبراهيم و"عبيد أبي مالك" التّباينُ في تفسير أحد الأعراف المُنّظِّمَة للملكيّة في الطّبيعة الصّحراوية فالتقليد البدوي يعترفُ لمن احتفر بئر ماء في أرض ما بملكيته الحصريّة لها لكن "عبيد أبي مالك" يرَوْنَ أنّ البئر التي احتفرها إبراهيم لم تكن في أرض مشاع وإن هذه الأرض وإنْ كانت أرضاً ممنوحة لإبراهيم إلاّ أنّها لاتزال ملكاً لسيّدهم أبي مالك وعليه فلهم كلّ الحقّ في أن يستقوا منها وأن يوردوها ماشيتهم ولكن أبا مالك الرّجل الصّالح بحكمته المعهودة ورغبته في حسن الجوار وعطفاً على ما كان من أواصر بينه وبين وإبراهيم منحه البئر كما كان قبلاً قد منحه الأرض

أمّا القرينة الرّابعة التي يقدّمها لنا النّص نفسه فهو استرداد أبي مالك من إسحاق وريث إبراهيم الأرضَ التي كان في ما مضى قد مَنَحَها لأبيه إبراهيم وذلك بعد موت هذا الأخير حسب ما تقتضيه الأعراف والتّقاليد البدويّة على ما رأينا إذ بُعيدَ موت إبراهيم "طمرَ الفلسطينيون الآبار التي حفرها عبيدُ أبيه إبراهيم وملأُوها تراباً وقال أبي مالك لإسحاق اذهب من عندنا (من بيننا = מֵעִמָּנוּ) لأنّكَ صِرت أقوى منّا جدّاً فمضى إسحاق من هناك ونزلَ في وادي جَرارَ وأقامَ هناك" (تك 26/15 ـ 17) وقولُ أبي مالك لإسحاق "اخرج من بين ظهرانينا" (מֵעִמָּנוּ) يعني أنّه هو مالك الأرض ومازال وهذا يستدعي إلى الذّاكرة ما كان قاله يوماً في بداية الرّواية لأبي إسحاق إبراهيم "هوذا أرضي (= הִנֵּה אַרְצִי) فاختر [...] واسكنْ (= שֵׁב) " وهكذا يكون أبو مالك قد استردّ من الابن الوارث ما كان قد منحه يوماً للأبّ المتوفّي وما انصياع إسحق لطلب المانح أبي مالك إلاّ إقرار ظاهر منه لا لُبس فيه بحقّ هذا الأخير في مُلْكِه وإذعانٌ للعرف السّائد

من الجليّ إذاً أنّ إسحاق بعدما طُرِدَ من أرض أبي مالك صارَ يبحث عن أرض يقيم فيها مع عشيرته وماشيته فنزلَ كما تقولُ الرّوايةُ "وادي جَرارَ" سعياً للاستقرار فباءت محاولته الأولى بالفشل ثمّ الثّانية كذلك بسبب تصدّي "رُعاة جَرار" له ومنعه من اقتطاع حمى له ولقطعانه في أراضٍ كانوا قد سبقوه إليها منذ زمن بعيد ثمّ أثمرت محاولته الثالثة "فبنى هناك مذبحاً" ونحن نعلم الآن أن "مذبحاً" التّوراتيّة في ما خصّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب على أقلّ تقدير لا تعني "مذبحاً" بالمفهوم الدّيني والطَّقسيّ كما نعرفه اليوم وإنّما ذاك الحجر الضّخم الذي يُغرسُ في الأرضِ(وما زال الكثير منها ظاهرٌ إلى الآن في بوادي الشّام وجزيرة العرب وبعضها يحمل نقوشاً وكتابات) عَلَماً لِحَدِّ الحمى أو نَصْباً يُراقُ عنده دم الضّحيّة تقرّباً من أسياد (الكائنات الغيبيّة) هذه الأراضي المُشاع قبل أن يقتطع البدويُّ منها حمىً له ويستقرّ فيه أو الاثنين معاً(راجع "أيكون إبراهيم عربيّاً؟! الفصل الأوّل الحِمى والأنصاب والمذبح: ثقافة الأحجار المقدّسة") ومن المُلاحظ أنّ التّوراة لا تذكر البتّة في أيّ موضِعٍ كان أنّ إسحاق قد "بنى مذبحاً ودعا باسم الرّب" طوال إقامته في الجنوب التي امتدّت لسنواتٍ إلاّ بعدما تمكّنَ من الاستحواذ على "حمى" له في أرض مشاع في "وادي جَرار"

ولكنّ كَتَبَةٌ التّوراة (حوالي 800 ق.م.) وهم من جهة ذَوُو ثقافة حَضَرِيَّة متجذّرة فيهم ويعيشون في سياق تاريخي حَضَريّ في كَنَفِ إمبراطوريات بلاد الرّافدين وبلاد فارس ومن جهة ثانية جاؤوا بعد أكثر من ألف سنة من العصر الذي تُنسّبُ إليه هذه المرويات النّاشئة في بيئة بدوية (عصر إبراهيم حوالي 1800 ق.م.!!) كانوا بعيدين كلّ البُعد عن تلك التّقاليد والأعراف التي لم يعرفوها قطّ فجعلوا سبب استرداد أبي مالك لأرضه حَسَدَهُ لإسحاق وغيرته منه (!!) يقول النّص "فتعاظَمَ الرّجُلُ [أي إسحاق] وكان يتزايد في التّعاظم حتّى صار عظيماً [...] فحسدهُ الفلسطينيون وجميع الآبار التي حفرها عبيد أبيه في أيّام إبراهيم أبيه طمّها الفلسطينيون وملأُوها تراباً وقال أبو مالك لإسحاق اذهب من عندنا لأنّكَ صِرتَ أقوى منّا جدّاً فمضى إسحاق من هناك ونزلَ في وادي جَرارَ وأقامَ هناك [...]" ولكنّ حظّ إسحاق السّيّء لم يقف عند هذا الحدّ فهو ما أن استقرّ في وادي جَرار وحفرَ عبيده بئراً ووجدوا ماءً حتّى خاصمهم عليها رُعاة جَرارَ قائلين "الماء لنا [...] ثم حفروا بئراً أخرى وتخاصموا عليها أيضاً [...] ثمّ حفروا ثالثةً ولم يتخاصموا عليها [...] فصعدَ عندها من هناك إلى بئر سبع فظهر له "يهوه" (יְהוָה) في تلك الليلة [...] فبنى هناك مذبحاً ودعا باسم "يهوه" (יְהוָה) ونصبَ هناك خيمته وحفرَ هناك عبيدُ إسحاقَ بئراً" (تك26/13 ـ 25) وبعبارة أخرى أكثر واقعيّة (بعيداً عن الغيرة والحسد) نَفْهَمُ أنّ إسحاق لم يعمد إلى بيان حدود "حِماه" أي إقامة النّصب التّقليديّ (المذبح) إلاّ بعدما تأكّدَ له أنّ "رعاة جَرار" لن يلحقوا به إلى بئره هذه ولن ينازعوه "حماه" الجديد

ولو نظرنا إلى ما يقدّمه النصّ التّوراتي من حُجَجٍ لطلب أبي مالك إلى إسحاق الرّحيل عن الأرض التي كانت مُنِحّت لأبيه لوجدنا أنّها لا تستقيم حتّى مع السّرديّة ذاتها فمن جهة أُولى أيَعْقِلُ أنْ يحسُدَ "ملكٌ" من مثل أبي مالك يملكُ الفِضّة (أعطى سارة "ألفاً من الفِضّة") والعبيد والإماء والقطعان على اختلافها (وقد أعطى منها الكثير لإبراهيم) والقُرى والأراضي والآبار يمنح منها ما يشاء لمن يشاء وقت ما يشاء أن يحسُدَ راعٍ كإسحاق على ما لديه من قليل نسبي ويطرده لذلك؟ ومن جهة ثانية نتساءلُ بما صار إسحاق "أقوى جدّاً" (على ما جاء في النّص) من أبي مالك وشكّلَ تهديداً له ولهذا حاشيةٌ ورجالٌ وجيشٌ وقائد لهذا الجيش (اسمه "فِيكُول" تك 21/22) يتبعه في كلِّ خطواته؟ بما صار "أقوى جدّاً" من أبي مالك وقد أعجزه حتّى الذّودُ عن حياضه أمام "رُعاة جرارَ"؟

إنّ كَتَبَةَ التّوراة أهل الحَضَر قد جَهِلوا كلّ شيءٍ عن أهل الوَبَر وفَاتَهُم أنّ "المنحة" عند البدو تموت بموت المنتفع بها ... ثمّ أنّهم كانوا يكتبون "التّاريخ" من وجهة نظرهم لأبناء جِلْدّتِهم في سياق سنوات السّبي فكان من المناسب والحال هذه أن "يتزايد إسحاق في التّعاظُمِ حتّى صار عظيماً" وموضعَ حَسَدِ أبي مالك وخشيته(!!)

يتبع

كمال محمود الطّيارة ـ ليون ـ فرنسا ـ 12/04/2026



#كمال_محمود_الطيارة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من ...
- صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (6/6)
- صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (5/6)
- صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (4/6)
- صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (3/6)
- صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (2/6)
- صراع الألوان بين -حمراء-التّوراة و-صفراء- القرآن 1/6
- أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير ...
- أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير ...
- أيكون إبراهيم عربياً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة ...
- أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير ...
- أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير ...
- أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير ...
- -شاهد ما شفش حاجة- أو شرُّ البليّة ما يُضحِكُ (موتُ النّخْوَ ...
- من إسلام الضّرورة ‘لى إسلام البزنس (تدنيس المقدّسفي المخيال ...


المزيد.....




- خلال 24 ساعة.. المقاومة الاسلامية في لبنان تنفذ 43 عملية ضد ...
- هندسة التدين.. كيف توظف الأنظمة العربية المدارس الدينية لمصا ...
- هروب مدمرة أمريكية من شرق مضيق هرمز بعد تحذير حرس الثورة الا ...
- حرس الثورة الاسلامية يحذر من اقتراب القطع الحربية من مضيق هر ...
- محافظة القدس: قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل 3 مقدسيات اليوم ...
- قوات الاحتلال تعتقل سيدتين من داخل المسجد الأقصى
- مساعد قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: نحن المنتصرون في المي ...
- بابا الفاتيكان: حماية المدنيين في لبنان من الحرب واجب أخلاقي ...
- حماس: الاقتحام المتكرر للصهيوني بن غفير لباحات المسجد الأقصى ...
- حماس: يُعدّ هذا الاقتحام الإجرامي وتدنيس المسجد الأقصى استفز ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال محمود الطيارة - أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (5) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء 1/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب