كمال محمود الطيارة
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 13:33
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
"أحمرُ قانٍ" أم "أصفر فاقع"؟
لم يعرف العربيّ إذاً في ثقافته القديمة الألوان مستقلّةً متمايزةً كما نراها اليوم في التّصنيف الحديث (راجع أعلاه "في تشكّل الألوان وتعاقبها عند العرب") بل نظر إليها في البيئة المحيطة به أطيافاً متداخلة في ما بينها تنداح كلّها ما بين الأبيض والأسود متى غَلُظَ طيفٌ فيها رَقَّ آخر إلى أن يتلاشى تماما وفي ذلك خُلصَةُ اللون ونقاؤه ولا يكون ذلك إلاّ في ما ندَر (في بياض الجصّ مثلاً أو في صُفْرة الذّهب أو في حُلْكَةِ اللّيل) واشتدّ التّداخل بين الألوان أحياناً وتشابه الأمر على القوم فيها فتولّدت عن ذلك المرادفات الدّالة عليها في بعض الأشياء وصار الشّيء الواحد يُنْعَتُ بألفاظٍ لونيّةٍ متباينة في الظّاهر فتَمَاهَتْ الصّفرة مع الحُمرة في الوقوع على النحاس والذّهب والورْس والإبل والخمر والشّمس والأديم وغيرها كما رأينا من الأجسام المشرِقَة والنيّرة التي تعكس نور الشمس ولا كُدرةَ فيها وتداخَلَ الطّيفان فكانت صُفرة تميل إلى الحُمرة وكانت حُمرة ذّهبيّة تنداحُ إلى صُفْرة ولم يكن الانتقال من الأصفر إلى الأحمر والحال هذه انتقالاً بين لونين متمايزين فعلاً بل عُرُوجٌ في الحُمرة عبر عدّة درجاتٍ من الصّفرة العاديّة الباهتة إلى صفراء زاهية كأنّها ذهب لامِعٌ إلى صُفرة فيها حُمرة وصولاً إلى لون الناقة الحمراء الذّهبيّة المصقولة كرمال الصّحراء (الحُمرة المائلة إلى الصُّفرة) فالأصفر في نظر البدوي ليس إلاّ درجة من درجات الأحمر الممتدة من الأحمر القاني/الأسود إلى الأحمر الوردي/الأبيض (لنتذكّر لون بشرة داوود راجع "في مفهوم اللون الأحمر") وميزةُ الصُّفرة هذه وهي طيف من الأحمر أنّها تعكِسُ إشعاعاً لا نجده في سائر منازِل الحُمرة التي فيها خُلطة مع ألوانٍ أو أطيافٍ أخرى أو كُدرة
وبالتّقادم وتطوّر التّجربة الإنسانيّة اكتسبت الألوان والألفاظ الدّالة عليها عند العربيّ القديم رمزيّةً وقيمةً معرفيّةً لم تكن لها في الأصل فقُرِنَ اللونُ بالمجاورة او بالتّضمن (بلغة أهل المنطِق) ببعض الظّواهر الطّبيعيّة أو الاجتماعيّة السّلبيّة منها والإيجابيّة وصار لها دور وظيفي معرفيّ وكانت بعض الألوان ومنها الأصفر والأحمر مزدوجة الدّلالات في هذا المجال وكانت للصُفرةِ سلبيات قليلة ولكنّها كانت ذات إيجابيات عالية جداً في المخيال الجمعي (راجع "في مفهوم اللون الأصفر") فهي تعني الجمال والبهجة والثّراء والرّفاه وتومئ إلى كلّ ما هو نفيس وعزيز وعلى النقيض من ذلك (كما رأينا) كانت الحُمرة ضئيلة الإيجابيات كثيرة السّلبيات فباستثناء الخمر وثوب الأرجوان وخدود الحِسان كان في الحُمرة معاني الدم والنار والحرب والدّمار والجراح فقالوا "اليوم الأحمر" و "الموت الأحمر" و" السّيف الأحمر" وقالوا كذلك "أشْأمَ من أحمر عاد" كناية عن الرجل "الأحمر" المشؤوم الذي جَرّ الخراب إلى قومه وهو المعروف في مرويّاتهم قبل أن يأتيَ القرآن على ذِكرِ عاقر النّاقة في ثمود (بالمناسبة لم يُشر القرآن في روايته هذه إلى شخصٍ معيّن أو إلى لونه) فها هو أبو خراش الهذلي الشّاعر المخضرم يقول
فمن كان يرجو الصّلح منهم فإنّه كأحمر عادٍ أو كُليب لوائلِ
أي أنّ من يأملُ صُلحاً مع هؤلاء مآله التّلف والفساد وسيجلب الخُسران لنفسه ولأهله كما جلب "أحمر عاد" الشّرّ العظيم والتّهلكة لقومه و "كُلَيْب بن وائل" الحربَ الضّروس لقبيلته (يشير بذلك إلى حرب البسوس بين بكر وتغلب التي امتدت لسنوات طويلة على ما جاء في الأخبار وخلّفت الكثير من الخراب والهلاك في القبيلتين)
وقَبْلَه قال الشّاعر الجاهلي زهير بن أبي سُلمى
فتُنْتِجُ لكم غلمان أشأمُ كلّهم كأحمر عادٍ ثم ترضعُ فتُفطمُ
أي أنّ الحروب والفتن لا تلِدُ إلاّ رجالاً قد رضِعوا الأهوال والثّارات فكانوا على قومهم في قابل الأيام أشأمَ من أحمر عاد على قومه
وهكذا تضافرت العناصر الثلاثة التداخل اللوني والترادف اللفظي والدور الوظيفي المعرفيّ لتفرض على بقرة موسى وهرون لونها القرآني الذي لا يُخالف إلاّ لفظيّاً لونها التّوراتي فهي بقرة قد بلغت من التّمام والكمال في النّصين المقدّسين شأواً ممّا لا بدّ معه وأن يكون لونها في نقائه وخُلْصَتِه مُصاقِباً لكمالها الجسدي (الذي أوْجَزَهُ القرآن ب "عوان"/ "لا ذلول"/ "مُسَلّمة"/ "لا شِيَة فيها") وكان من المُحال أن تُنعت والحال هذه ب "حمراء" لسببين الأوّل إنّ الأحمر ليس ذلك اللون الخالص النّقيّ إذ لا وجود عند العربي لحُمرة مُطلقةٍ خالصةٍ بذاتها فالأحمر البدوي ليس خالصاً بل فيه شعيرات بيض أو صفر أو سود أو غير ذلك فليس من أحمر خالص أبداً في الإبل كما قال أبو عُبيدة بن مَعْمَر بن المثنّى "الأحمر يتلون دائماً بغيره" والحال أنّ البقرة/القربان لكمالها "لا شِيَة فيها" أي لا لون فيها سوى لونها السّائد والثّاني لما يحمله لفظ "أحمر" من قيمة دلالية سلبية عالية عند العربي كما رأينا والعربُ إِذا ذَكَرَتْ شيْئاً بالمشَقَّةِ والشدَّة وصَفَتْهُ بالحُمْرَةِ. وَمِنْه قيل سنَةٌ حَمْرَاءُ للجَدْبَةِ المُهدِّدّة بالموت والفناء للإنسان والحيوان والنّبات فسُمِّيَتْ البقرة المقدّسة عندها بلفظٍ مرادفٍ للأحمر لا يستدعي القِيَم السّلبية لهذا اللون ويدلُّ على الجانب المُشرق فيه وهو الطيف الذّهبي من أطياف الأحمر الأكثر مواءمةً للمناسبة أي الأصفر فجاء أنّها "بقرةٌ صفراءُ فاقعٌ لوْنُها تسُرُّ النّاظرين " ولنفحص عن كثب مجمل هذه النّعوت
"صفراء"/ صَرْفِيّاً اللفظ صفة مشبهة تُفيد ثبات الصفة بالموصوف وشدة لصوقها به و "لا شِيَة فيها" القرآنيّة تعني لا خُلطة فيها البتّة فاللون المنشود يجب أن يكون إذاً صافياً خالصاً وإنْ تعذّرَ هذا الشّرط في الأحمر لخُلطةٍ طبيعيّة فيه فهو موجودٌ في الذّهب المصقول ذي الصفرة الطّبيعيّة المضيئة المشرقة لذا كانت الصّفرة عند العرب أقرب الألوان إلى الخُلْصة والصّفاء وكما مرّ معنا الصُّفرةُ طيفٌ من الأحمر فالاختلاف إذاً ليس في الذّات بل في الصّفاء والإشراق وشدة الضوء
من جهة أخرى فإنّ "الصُّفرةَ" في المخيال الجمعي كانت الرّمزُ الفعلي للثّراء والجمال وكلّ ما هو غالٍ وعزيز يملكه الإنسان فاختيار اللون الأصفر يعني في الآن نفسه اختيار أعزّ ما يملكه الإنسان ليقدّمه قرباناُ للإله إنّها بقرة "ذهبية" حقيقةً ومجازاً وهذا بالضبط موضوع الجدل الذي شَجَرَ بين موسى وبني إسرائيل حول ميزات البقرة المُقدّر لها أن تكون هَدْياً للرّب أي حول القيمة الفعليّة (الاقتصاديّة والاجتماعيّة) لهذا القربان وهذا ما أظهره أيضاً الأحبار والحاخامات في شروحاتهم اللاحقة وإنْ كانوا أسرفوا في ذلك وأتَوا بما لم يذكره النّص
"فاقع"/ وزاد النّصّ القرآنيّ "فاقع" للدلالة على خُلْصَة الأصفر في البقرة الموعودة وإشراقه فيها وهذا يأتي إلى جانب "لا شِيَة فيها" مما يعني أنّ القرآن لجأ إلى تعبيرين اثنين للتأكيد على خُلصة اللون ونقائه مما يشي بالأهميّة القصوى التي يوليها النّصُّ لهذا الشّرط ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ استعمال لفظ "فاقع" هنا فيه بعض الغرابة ووجه الغرابة أنّه استعمالٌ ينقل المعنى الأصلي (= انفجر/انبثق/تفتّق مُحْدِثا صوتاً شديداً أو خفيفاًّ) من الإحساس السّمعي إلى الإحساس البصري (!!) فنواصِعُ الألوان كما في المعاجم يَقَقٌ للأبيض وحالكٌ للأسود وقانٍ للأحمرُ وناضرٌ للأخضر وغيرها تنتمي جميعُها في جذورها ومشتقّاتها إلى حقل الإحساس البصري على نقيض جذر "فاقع" ومشتقّاته الذي يرجع في أصله إلى حقل الإحساس السّمعي ونكاد لا نجد له شواهد موثّقة في هذا المعنى في أدب ما قبل الإسلام (الشّعر والأمثال) وقد نُقِلَ عن الفراء (ت 207هجرية) قوله" لا يُقال فاقع إلا في الصُّفْرة" فهل كان استعمال "فاقع" هنا تجديداً قرآنيّاً ونَحْتاً لغويّاً بإضافة معنى جديداً إلى لفظ قديم يقع في مجالٍ دلاليّ مختلف؟ إنّ الأمر في رأينا يستحقّ النّظر من المعجميّين والباحثين في الألوان في القرآن وأيّاً يكن الأمر فإنّ القرآن في تشديده على أنّ صُفرة البقرة ليست باهتة أو عاديّة بل مشرقة كأنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها يؤكّدُ على نقائها من كلِّ شائبة وأنّه "لا شِيَة فيها" البتّة
"تسُرُّ الناظرين"/ لم يفتِ القرآن في بيانه لأهلية الأُضحية المنشودة أنّ القيمة المعرفيّة للون الأصفر عند العرب مزدوجة فأكّد على أنّ المُراد بالصُّفرة هنا ليست صُفرة الذّبول والمرض والموت بل صُفرة الثّروة والجمال والعزّة التي "تسُرُّ الناظرين" أي صُفرة مليئة بالإشراق والجودة والحُسن مما يجعل هذه البقرة ببهائها وقيمتها الاقتصاديّة المرتفعة جديرة بأن تكون قرباناً للإله ولائقة بهذه المناسبة
نخلُص من كلّ ما تقدّم إلى أنّ "صفراء القرآن" في ثقافةٍ ترادَفَ فيها لفظيُّ الأصفر والأحمر بل وكانت فيها الصُّفرةُ طيفاً من الحُمرةِ ورمزاً لخُلصَةِ اللون ونقائه وحُسن الجَمَلِ وبهائه وعلامة لكلِّ غالٍ ونفيس مَلَكَهُ العربيُّ آنذاك على نحو ما رأينا ليست مغايرة البتّة ل "حمراء التّوراة" لا بل أنّها تبزّها قُدْرةً في الّرَفع من شأن القربان المكرّس للإله ولربّما كان سَعْدِيا غاؤون (ت 330 في بغداد حَبْرٌ وفيلسوف يهودي مصري ترجم التّوراة وشرحها) على حقٍّ في تغليبه نقاء اللون وخُلْصَته على اللون نفسه والآن إذ أدركنا لماذا أتى القرآن ب "بقرةٌ صفراءُ فاقعٌ لوْنُها تسُرُّ النّاظرين" أليس من المناسب يا تُرى أن نسْبُرَ بعيداً عن ترّهات اللاهوت وسرديّات الأحبار ورجال الدّين السّبب أو الأسباب الموضوعيّة المحتملة التي أَوْجَبتْ أن يكون لون تلك البقرة في التّوراة "حمراء/صهباء(!؟)" من دون الألوان الأخرى ("פָרָה אֲדֻמָּה תְּמִימָה אֲשֶׁר אֵין בָּהּ מוּם") ؟
انتهى
كمال محمود الطّيارة ـ ليون ـ فرنسا ـ 13/03/2026
#كمال_محمود_الطيارة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟