|
|
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (6) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء 2/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب
كمال محمود الطّيّارة
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 02:54
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (6) (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة إبراهيم التّوراتيّة) الفصل الرابع (جزء2/4) أبرام عند أبي مالك مَلِكِ جَرار في النّقب
ثالثاً أبو مالك يهبُ سارة مهراً جاء في النّصّ التّوراتيّ "وقال إبراهيم عن سارة هي أُختي فأرسلَ أبو مالك مَلِكُ جَرارَ وأخذَ (וַיִּקַּח) سارة فجاءَ "إيلوهيم" (אֱלֹהִים) إلى أبي مالك في حُلم الليل وقال له ها أنتَ ميّتٌ من أجل المرأة التي أخذتها فإنّها متزوّجة ببعل ولكن لم يكن أبا مالك قد اقترب منها فأجاب أبو مالك يا سيّد [...] ألم يقُلْ هو لي إنّها أُختي وهي أيضاً نفسها قالت هو أخي بسلامة قلبي ونقاوة يدي فعلتُ هذا فقال له "إيلوهيم" في الحلم أنا أيضاً علِمتُ أنّكَ بسلامة قلبك فعلتَ ذلك لذا أمسكتُكَ عن أن تخطئ إليّ ولم أدعْكَ تمُسَّها (לֹאנְתַתִּיךָ לִנְגֹּעַ אֵלֶיהָ.) فالآن رُدَّ امرأة الرّجل فإنّه نبيّ (נָבִיא) فيُصَلّي لأجلكَ فتحيا [...]" (تك 20/ 2 ـ7)
وكما رأينا ما أنْ عَلِمَ أبو مالك بدرجة القرابة التي تربط إبراهيم بِسارة حتّى "أخذ غنماً وبقراً وعبيداً وإماءً وأعطاها لإبراهيم وردّ إليه سارة [...] وقال لسارة إنّي قد أعطيتُ أخاكِ ألفاً من الفضّة ها هو لك غطاءُ عين (כְּסוּת עֵינַיִם) من جهة كلّ ما عندكِ وعندَ كلّ واحدٍ فأُنْصِفْتِ (וְנֹכָחַת)" (تك 20/ ـ12 ـ 16)
أحرَجَ هذا المشهدُ مشهدُ اختلاء أبي مالك بسارة كَتَبَةَ التّوراة ومفسّريها قبل المؤمنين بها فجعل بعضهم "إيلوهيم" يظهرُ في كابوسٍ لأبي مالك (من جُملة الأسئلة التي تظهر هنا السّؤال عن هويّة "إيلوهيم" الذي تجلّى لأبي مالك في الحُلم أهو إلهه أم إله إبراهيم أم أنّ للرجلين إله واحد؟) ليحولَ بينه وبين سارة ويمنعَ المحظورَ منْ أنْ يقع وقال آخرون لا بل أنّ ملائكة "إيلوهيم" هي مَن فَعَلَ بأمر منه ولكنّ الجميع متّفقٌ على أنّ أبا مالك لم يّمُسَّ سارةَ إطلاقاً وأنّها قد حُمِيَتْ بمعجزة إلهيّة (كما حصل سابقاً مع فرعون) ثمّ أنّهم استفرغَوا جُهدهم في تبرير ما قالته الرّواية وتأويله فذهبَ البعض خَلَلَ تفسير لاهوتيّ إلى أنّ ما حصل كان اختباراً إلهيّاً لبيانِ أنّ إرادة الرّبّ وغايته فوق إرادة البشر وتدبيرهم وأنّ حمايته لسارة تعكس إرادتهُ في صَوْنِ العهد الذي قطعّهُ لإبراهيم بدوام نسله ونقائه واعتبر آخرون أنّ الأمر ما هوَ إلاّ إحقاقٌ لمبدأ العدل الإلهي ونُصرة المظلوم فسارة على زعمهم كانت ضحية سوء فهم أبي مالك لكن الرّبّ حفظها وصانها إذْ صرخت مستغيثة "يا ربّ العالمين (!!)" فأرسل ملاكاً يحميها ويُقيلُها من عَثْرَتِها أمّا في مجال الشّطحات الرّمزيّة فالبعض استشرفَ في هذا المشهد ما سيصيب نسل إبراهيم في قابل الأيّام من كوارث يليها الخلاص الموعود على يد "يهوه" وأكّدَ الشّارحون جميعاً بلا استثناء أنّ سارة لم تُمسّ قطّ وهي طاهرة نقية وقد حفِظ "إيلوهيم" جسدها وصان سُمعتها أمام النّاس فأوحى إلى أبي مالك بأن يهَبَها ما وهَبها أمام الملاْ وعلى رؤوس الأشهاد فهذه الأعطيات ليست إذاً كرماً محضاً منه لها وإحساناً بل جزاءٌ من الرّبّ لسارة على بِرِّها وطاعتها وإبراءٌ لها أمام النّاس وعلامةٌ على عِفَّتها وطهارتها
ولكن بعيداً عن هذه التّأويلات اللاهوتية أو الرمزيّة التي تنتمي إلى ثقافات حَضَرِيّة بعيدة كلّ البعد عن السّياق التّاريخي الذي أنتج هذه الرّواية فإنّ النّقد العلميّ لها يذهبُ بمعنى الرّواية إلى منحى مختلفٍ تماماً قد يكون على نقيض ما قيل إلى الآن بشأن سلامة سارة ونقائها ويتساوق تماماً مع تقاليد البدو وأعرافهم عصر ذاك
بادئ ذي بدء نُعيد إلى الذّاكرة ثلاث نقاط مفصليّة في ما خصّ العلاقة بين إبراهيم وسارة منذ خروجهما من حاران كما وَرَدَتْ في ثلاثة مواقع من سفر التّكوين
1) "وحدث لمّا أتاهني "إيلوهيم" من بيت أبي [أي لمّا انتقل إلى حياة التّرحال والأخطار أو عاد إليها ربّما] أنّي قلتُ لها [أي لسارة] هذا معروفك (חַסְדֵּךְ) الذي تصنعين إليّ في كلّ مكانٍ نأتي إليه قولي عنّي هو أخي (אָחִי) (تك 20/13)"
وهذا يعني أنّ انتحال الشّخصيات وتغيير الهويات عند إبراهيم وسارة (أو أبرام وساراي) لم يكن عملاً وليد الصّدفة أو تدبيراً لحظيّاً أوجبته الظّروف الطّارئة على الزّوجين في تغرّبهما بل ترتيبٌ اعتُمِدَ واتُّفِقَ عليه مُسبقاً بينهما قبل خوض المغامرة لوضعه موضع التّنفيذ "في كلّ مكانٍ نأتي إليه" إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك والغرض منه درء الخطر عن إبراهيم ونجاة نفسه من القتل المحتمل إذا ما وَقَعا يوماً على مَن رغِبَ في سارة لجمالها وسعى للتّفرّد بها إلى التخلّص منه لو علم حينها بأنّ إبراهيم بعلها وسمّى إبراهيم فِعْلَ زوجته إن قَبِلَتْ بما طلبه منها "معروفا" (חַסְדֵּךְ) والمعروف ليس عهداً تعاقديّاً أو تقليداً واجباً في أعراف البدو ولكنّه فعلُ إحسانٍ اختياري يُنشئ التزاماً ودَيْناً أخلاقيّاً بين الطّرفين وعليه فإنّ ما قبلت به سارة لم يكن لزاماً عليها عُرفاً من حيث هي زوجة وإنّما قَبِلَتْ به وفعلته مِنَّةً منها و "معروفاً" لإنقاذ زوجها في حالة ما إذا عَرَضَ له ما يخشاه(!)
2) "وحدث جوع في الأرض فانحدر أبرام إلى مصرَ ليتغرّبَ هناك [...] وحدث لمّا قَرُبَ أن يدخل مصر أنّه قال لساراي امرأته إنّي قد علمتُ أنّك امرأة حسنة المظهر فيكون إذا رآكِ المصريّون أنّهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونكِ قولي إنّكِ أُختي ليكون لي خيرٌ بسبَبِكِ وتحيا نفسي من أجلكِ فحَدَثَ لمّا دخلَ إلى مصرَ أنّ المصريين رأَوا المرأة أنّها حسنةٌ جدّاً ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأُخِذَتْ المرأة إلى بيت فرعون فصَنَعَ إلى أبرامَ خيراً بسببها (...) وصار له غنمٌ وبقرٌ وحميرٌ وعبيدٌ وإماءٌ وأُتْنٌ وجمالٌ فضَرَبَ "يهوه" (יְהוָה) فرعونَ وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام فدعا فرعون أبرام وقال ما هذا الذي صنعتَ بي؟ لماذا لم تُخبرني أنّها امرأتُكَ؟ لماذا قلتَ هي أختي حتّى أخذتُها لي لتكون زوجتي(וָאֶקַּח)؟ والآن هوذا امرأتُك خذها واذهب فأوصى عليه فرعون رجالاً فشيّعوه وامرأته وكلّ ما كان معه" (تك 12/10 ـ 20)
تقول الرّواية إذاً أنّ فرعون أخذ ساراي إلى بيته وصنع لأبرام مقابل ذلك "خيراً بسببها" كما كان هذا الأخير قد توقّعَ تماماً ورغم أنّ النّصَّ لا يستعمل ظاهراً لفظ "مهر" (ربّما تجنّباً للإحراج) إلاّ أنّ الأمر في حقيقته لا يمكن إلاّ أن يكون كذلك ف"الخير" الذي "صنعه" فرعون لأبرام ب"سبب" ساراي (أعطاه غنماً وبقراً وحميراً وعبيداً وإماءً وأُتْناً وجمالاً) ليس إلاّ مقابلاً لها وليجعلها امرأته وهكذا يكون فرعون قد استقدم ساراي إلى قصره ودفع "مهراً" لأبرام أخيها ووليّها في آن كما كانت تقتضيه شرائع ذلك العصر وتقاليده ويؤكّد النّص ذاته هذا الاتجاه على لسان فرعون الذي يقول صراحةً "أخذتها لي لتكون زوجتي (וָאֶקַּח אֹתָהּ לִי לְאִשָּׁה)" ولا يكون زواج آنذاك من غير مهر ثمّ أنّ الرّواية لا تذكر أيَّ اعتراض أو تردّد من قِبَلِ ساراي على مبتغى فرعون ها هنا فهي قد انصاعتْ لرغبته ومشتْ إلى داره من غير مقاومة (بلا أدنى شكَ التزاماً منها ب"المعروف" الذي كانت وعدت به أبرام في بداية تغرّبهما) ولا يبدو أنّ فرعون هنا على ما جاء في النّصّ قد ارتكبَ فاحشةً أو كان ظالماً في ما فعل فهو في الظّاهر قد أُعْجِبَ ب "أُخْتَ" رجلٍ من العامة فأخذها زوجاً له وأَمْهَرَ أخاها بما يليق به وبها على ما جرت به التّقاليد ذاك الزّمان ومع ذلك نرى أنّ ملائكة "يهوه" (יְהוָה وقد ذُكِرَ هنا بالاسم وليس "إيلوهيم" אֱלֹהִים والأمر له دلالاته ولكن ليس مجال الخوض فيها هنا) قد تكاثرت على الاقتصاص من فرعون من دون سبب و من دون سابق إنذار إلى أن انتهى الأمر به لمّا نزلتْ به الكوارث إلى أنْ يرضخَ لأمرِ "يهوه" فأضْرَبَ عن ساراي وأعادها إلى أبرام ليكتشفَ عندها أنّه كان ضحيّة كذبة مزدوجة من أبرام وساراي معاً فدعاهما إلى مغادرة مملكته على الفور
وإنْ كان النّص يذكر أنّ "يهوه" (יְהוָה) قد "ضرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي [...]" إلاّ أنّه يَغفلُ تماماً عن ذِكرِ ما إذا كانت هذه "الضّربات العظيمة" التي أصابت فرعون "بسبب" ساراي كانت لمنعه من معاشرتها أم أنّها كانت عقاباً له على معاشرته إيّاها بالفعل(؟؟)
إنّ النّصّ نفسه يُقدّمُ ما يمكن أنْ يدعم الفرضيّة الثّانية إذ يقول صراحةً أنّ أبرام قد خرج من عند فرعون "بامرأته وكلّ ما كان له" (!!) وهذا يعني أنّ فرعون لم يستردّ المهرَ وما كان قدّمه لأبرام "بسبب ساراي" والمعطيات الأثريّة تثبتُ بالقطع أنّ الشّرائع والتّقاليد المعمول بها عصر ذاك (من أرض الرّافدين إلى أرض الكنانة) كانت تقضي بأنّ يستردّ الرّجلُ المهرَ وما دفعه لأولياء المرأة إن لم يتمّ الزّواج فعلاً فلو فرضنا أنّ فرعون لم يعاشر سارة لكان له أن يستردّ ما كان أعطاه لأبرام ولكنّ هذا لم يحصل وعليه يمكن القول بناءً على ما أتت به الرّواية أنّ المعاشرة الزّوجيّة قد حصلت فعلاً ثمّ إنّ فرعون قد تطَيَرَ بعد ذلك من ساراي لِما حلّ به من الدّواهي فقرر الانفصال عنها وإعادتها إلى أخيها (!) ولكن من المحتمل أيضاً أنّ حاكماً مطلق السّلطة وعظيم الثّراء كفرعون مصر يكون قد تخلّى ترفّعاً وكرماً(!!) عن مهر قد جاد به يوماً لواحدٍ من العامّة (!!)
من جهة ثانية يلجأ النّص العبري إلى لفظتيّ "וָאֶקַּח" و "וַיִּקַּח" للحكاية عمّا حدث لسارة مع فرعون (ثمّ مع أبي مالك في ما بعد) وهما بمعنى "أخذ" العربيّة ومشتقّاته وقد نُقِلَتْا في التّرجمات عموماً بما يقابل "أخذ" والمدوّنات القديمة تثبتُ أنّه في الإنشاء السّامي القديم وفي المجال القضائي أو القانوني وفي هذا السّياق تحديداً تعني الألفاظ المقابلة ل "أَخْذُ" أو "أخذَ" وما شابه في العربيّة أنّ الرّجُلِ دخل في علاقة مع امرأةً وقد جعلها زوجاً له ولكنّ "וָאֶקַּח" و "וַיִּקַּח" مشتقّتان من الجذر "ל־ק־ח" المركّب من الصّوامت عينها التي يتألّف منها الجذر "ل.ق.ح" في العربيّة وهو يعني التّزاوج والتّلاقح وكان للإبل والخيل أصلاً كما جاء في لسان العرب ثمّ استعيرَ للإنسان ولا أظنّه من الصّدفة في شيء أنّ تكون الرّواية التّوراتيّة في شكلها الشّفهي الأبعد زمنيّاً والأكثر لصوقاً بحياة البداوة قد لجأت إلى مثل هذه الألفاظ البدويّة المباشرة للتّعبير عن المعاشرة الفعليّة في هاتين الرّوايتين ثمّ أتت الثّقافات الحضريّة "الرّاقية" في ما بعد بتشذيب وتهذيب هذه اللغة الفجّة واستعاضت عنها ب "أخذ"(ولكنّ هذا مبحثٌ آخر لا مجال لطرقِه هنا)
و يبقى الأمر إذاً معلّقاً وإن كانت القرائن (التي لا تأخذ في الحسبان تدخّل "يهوه") تميلُ إلى ترجيح فرضيّة أنّ فرعون قد عاشر ساراي معاشرة الأزواج وربّما لدحض هذا الرأي انشغلَتْ كثيراً الكتابات اليهوديّة الثّانويّة (التّلمود والمدراش وغيرهما) بمسألة "شرف" ساراي وتأكيد أنّها لم تُمَسّ قطّ وأنّها قد حافظت على طهارتها بمعجزة ربّانيّة (ونحن لو نظرنا بعيداً عن هذه المسألة إلى سلوك فرعون نفسه من أَلِفِهِ إلى يائه باعتبار العدالة البشريّة وهي نسبيّة لقلنا أنّ فرعون لم يسئ البتّة إلى أبرام وساراي بل كان ضحيّة ربٍّ جائر وكاذِبِين مُتَعَمَّدَيْن وهذا أيضاً بحثٌ آخر ليس مكانه ها هنا)
3) تتكرّرُ حادثة فرعون ثانيّةً ولكن هذه المرّة مع أبي مالك مَلِك الفلسطينيين (على زعم التّوراة) مع زيادات ذات بالٍ فالموازنة بين النّسختين المصريّة والفلسطينيّة لهذه الحكاية تبيّن أنّ هذه الأخيرة تميّزت عن سابقتها بأمور ثلاثة رئيسة 1) شهدت إماطة اللثام عن لُغز إبراهيم أُختي/زوجتي 2) عطاء أبي مالك لم يكن سابقاً لخلوته بسارة كما ورد بشأن فرعون بل كان لاحِقاً عليها 3) لم يكن هذا العطاء واحداً بل مزدوجاً جزءٌ منه ذهبَ إلى إبراهيم مباشرةً وهو عبارةٌ عن غنمٍ وبقرٍ وعبيدٍ وإماء ومنحة أرضٍ كما رأينا في مطلع هذا الفصل والجزء الآخر كان مبلغاً نقداً ("ألفاً من الفضّة") لسارة تحديداً وبالاسم عُهِدَ به إلى أخيها إبراهيم ليتدبّره وقال أبو مالك لسارة "ها هو لك غطاء عين من جهة كلّ ما عندك وعند كلّ واحد فأُنْصِفْتْ" (تك 20/16)
لقد رأينا أعلاه "منحة" أبي مالك لإبراهيم والسّؤال الآن لماذا توجّه شيخ مشايخ النّقب بعطاءٍ خاصٍّ لسارة (ألف مثقال من الفضّة) وما معنى "غطاء عين" وما قصد بقوله لها "أُنصِفتِ" أو "بُرّئتِ؟
لم ترد هذه العبارة "غطاء عين" (כְּסוּת עֵינַיִם) إلاّ مرّة واحدة وفي هذا الموضع فقط من التّوراة وليس المقصود هنا بهذا التّعبير المعنى الحقيقي أي حَجْبُ العين بغطاء أو ما شابه بل المقصود المعنى الرمزي أي جعلُ العينِ لا ترى في الأمر أو في الحدثِ شُبهةً البَتَّةَ ف "غطاءُ عين" إذاً ستْرٌ لما قد يظهر لأوّل وهلة أنّه عارٌ ومنعٌ للنّاس عنّ الظّنَ سوءاً بما يرَوْن ظاهراً وفي ما يخصّ السّؤال الذي يشْغلنا وهو الخلوة التي حصلت بين سارة وأبي مالك كيف يكون المالُ (ألف مثقال من الفضّة) الذي أعطاه هذا الأخير لإبراهيم على اسم سارة حصراً "غطاءَ عينٍ" لها أي مانِعاً للنّاس عن النّظر إليها بسوء والتّشكيك في شرفها ولهذا أنهى أبو مالك عبارته متوجّهاً إلى سارة بقوله "فأُنْصِفْتِ" (أو "بُرّئتِ) " أي بكلام آخر ها هو حقُّك الآن قد وَصَلَكِ (؟!) السّؤال إذاً كيف يكون المال دافعاً للنّاس إلى تغيير نظرتهم إلى ما رأوه في الظّاهر وحكمهم عليه؟
ترى الكتابات اليهوديّة الثّانويّة أنّ أبا مالك لم يمسّ سارة قطّ وأنّ ما أنعم به عليها على الملأ دليل دامغ على براءتها ونقائها على اعتبار أنّ الجزاء الحسن لا يكون إلاّ للأبرياء وللشرفاء المخلصين وكلّما ارتفعتْ قيمة الهدية كلّما كان في هذا دليل أكبر على البراءة ولذلك لم تكن هديّة أبي مالك متواضعة بل بلغت "ألف فضّة" فرأى بعضهم أنّ هذه المبلغ الضّخم ليس تغطية لإثم بسيطٍ ارتُكِب بل إعلان ساطع لبراءة سارة ولسان حال أبي مالك يقول "اشهدوا يا قوم أنا لم ألمسها وما هذا المبلغ العظيم الذي أقدّمه لها هديّةً إلاّ أمارةٌ تُبَرّئُها من كلّ شبهة" (!!) وتُبنى كلّ التّفسيرات في الكتابات اليهوديّة الثّانويّة على قاعدة هذه الهديّة العلنيّة وتذهبُ في هذا الاتّجاه أي البُعد الأخلاقي والتّأويل اللاّهوتي بغرضِ الوصول إلى الغاية المنشودة ألا وهي بيان طهارة سارّة ونقائها من أيّ إثم ولهذا التّفسير الأخلاقي/الدّينيّ عيبٌ كبير يجعله لا يصمد أمام النّقد العلمي وهو أنّه تفسير ماورائيّ لا يبحث عن الحقيقة المجرّدة بل يهدف إلى إطلاق المقولة المناسبة له وإثباتها في الأذهان ونحن في فهمنا لهذا النّصّ سوف نرجع إلى ما كان معمولاً به من أعراف وتقاليد وشرائع في الثّقافات المجاورة لإبراهيم وفي العصر الذي يُزْعَمُ أنّه عاش فيه
كانت العلاقة بين الرّجل والمرأة في ثقافات الشّرق الأدنى القديم (من بلاد الرّافدين إلى أرض النّيل ومن آسيا الصُّغرى إلى اليمن) على ضربين إمّا شرعيّة وإمّا غير شرعيّة
على العموم كانت العلاقات الشّرعيّة مع الحرائر والإماء تنظّمها النّصوص أساساً (في الثّقافات الحضريّة) والأعراف (لاسيّما في الثّقافات البدويّة) والحالة المثلى لهذا الضّرب من العلاقة الشّرعيّة "الزّواج" بين الرّجل والمرأة وله عند هؤلاء وأولئك أشكال عدّة لكنّ القاسم المشترك بينها جميعاً "المهر" الذي كان يُقدّم للمرأة أو أهلها قبل الزّواج أي عند انتقال المرأة إلى بيت رَجُلِها (تماماً كما رأينا الأمر مع فرعون) وكانت المهور متغايرة جدّاً في مقاديرها ومضامينها ما بين نقديّة أو عينيّة أو غير ذلك باعتبار الثّقافة التي تنتمي إليها أو البيئة أو الفئة الاجتماعيّة ورأى باحثون في المهر مجرّدَ ثمنٍ يُدْفّعُ للحصول على المرأة فكان الزّواج على هذا بالنسبة لهم أشبه ما يكون بعمليّة شراء ورأى فيه آخرون عاملاً اقتصاديّاً يرمي إلى تعويض جماعةٍ ما عن فقدانها واحداً من أعضائها (تماماً كما في حالة الثّأر والدّيّات) وذهب فريق ثالث إلى أنّ الزّواج والمهر وسيلة لإرساء تحالفاتٍ بين جماعتين أو أكثر وكان المهرُ وهو على الأرجح حقٌ للمرأة قلّ ما يذهبُ إليها مباشرة لتتمتّع بحريّة التّصرف به (مع بعض الاستثناءات وخصوصاً في مصر) والغالب أنّه كان يُدفعُ لوليّها أو للجماعة وأيّاً يكن الأمرُ فإنّ الاتفاق بين الطّرفين المعنيين وما ينتج عنه من تحديدٍ ل "مهرٍ" وخِلافِه كان يضفي على الخلوة بين الرّجل والمرأة شرعيّة اجتماعيّة وقانونيّة علنيّة وهذا ما عُرِفَ ب "الزّواج" إذاً (سواء بالحرّة أو بالأمة)
أمّا ما نقصده بالعلاقات غير الشّرعيّة فهو "أَخْذُ" الرّجُلِ امرأةً خارج القواعد التي تُفضي إلى زواج شرعيّ وغالباً ما تكون هذه العلاقات بنت اللحظة من مثل حالات الاغتصاب أو احتيال رجلٍ على امرأة أو المعاشرة ووعد بالزّواج لم يُنّفَّذ أو ما شابه وكلّها يُعاقب عليها العُرفُ أو القانون وقد أعدّت الثّقافات الحضريّة في هذه الأصقاع النّصوص التّشريعيّة التي ارتأتها لمعالجة من مثل هذه المخالفات ومن بين هذه النّصوص ما يميل إلى العقاب وفيها أيضاً ما يميل إلى التّسوية بين الطّرفين وإضفاء صبغة "الشّرعيّة" على ما حصل وجعله مقبول قانونيّاً ومجتمعيّاَ فقد وردَ في هذا المجال في الّلُقى الأثريّة التي تعود إلى بلاد الرّافدين أو مصر القديمة نصوصٌ تشريعيّة أو عقديّة أو أحكام قضائيّة تفرضُ وِفق القوانين المعتمدة عقوبات على الجاني أو تنهي الخلاف بتسويةٍ بين المتخاصمين وتقضي التّسوية إمّا بالزّواج الشّرعي وبقاء المرأة مع رَجُلِها وإمّا بدفعِ تعويض ماديّ (نقدي أو عيني) للضحيّة وعودة المرأة غالباً إلى أهلها كما لو أنّها تزوّجت ثمّ طُلّقَتْ وفي الحالين هدّفُ الحُكْمُ (والنّصّ التّشريعي أساساً) إعادة علاقةٍ غير نظاميّة قانونيّا ومنبوذة اجتماعيّاً إلى مجال المشروعيّة القانونيّة والقبول الاجتماعي والتّعويض هنا القصد منه رفع العار اللاحق بالمرأة وقلب العلاقة المشبوهة إلى علاقة شرعيّة معترفٍ بها اجتماعيّاً أي أن الأمر ليبدو كما لو أنّ التّعويض مهرٌ مؤخّر والزّواج زواجٌ بمفعول رجعي قد يتبعه انفصال وعودة المرأة إلى أهلها
أمّا في المجتمعات البدويّة فقد قامت الأعراف والتّقاليد غير المكتوبة مقام النّصوص في بعض الثّقافات الحضريّة في معالجة القضايا النّاجمة عن العلاقات غير الشّرعيّة بين الرّجل والمرأة ولم تترك الحبل على غاربه كما قد يُخَيّلُ لأوّل وهلة (من المرجّح عندي أنّ الثّقافات الحضريّة في بلاد الرّافدين وشرقيّ المتوسّط لم تَزِدْ عن أنّها احتفظت على شكل مدوّنات ببعض إرثها البدويّ القديم وأَثْرَتْهُ بما أمْلَته عليها أوضاعها النّاشئة) فعاقبت الجاني بالقصاص أو عملت بحلٍّ أو بآخر اجْتَرَحَتْه إلى تحويل العلاقة غير الشّرعيّة أو المشبوهة إلى علاقة شرعيّة قانوناً ومقبولة اجتماعيّاً واعتمدت في العديد من الحالات التّعويض الماديّ وسيلة لذلك والتّعويض ثمنٌ عينيّ أو نقديّ والغرض منه منحُ المجنيّ عليه فرداً أو جماعة أو الإثنين معاً ما يُتّلافى به الضّرر الحادث وتُستعادُ به الكرامة ويُرْتَقُ به النّظام الاجتماعي والتّعويض الذي كانت به تُرتَقُ العلاقة غير الشّرعيّة بين رجُلٍ وامرأة في المجتمعات البدويّة يُسمّى "العُقْرُ" وهو ليس تقليداً منفرداً بل جزءٌ من أنظومة العدالة العُرفيّة وفيها "الديّة" و "الأرْش" و "العُقْرُ" وجميعها تقوم على مبدأين اثنين أوّلهما تعويضٍ ماديٍّ عن خَرْقِ حُرمةٍ قانونيّة واجتماعيّة والثّاني منع الفوضى داخل المجتمع بإزالة حالة العداء هذه بين الأطراف
ف "الدّيّةُ" التّعويضُ المؤدَّى (نقدي أو عينيّ) بدلَ النّفس التي أُزْهِقَت ويُقالُ وَدَى القتيل أي أعطيَ دِيّته وهو حقّ الدّم والأصلُ كان الدّم بالدّم وهو الثّأرُ ولكنّ الثّأر المفتوح لا بُدَّ وأن يودي بالقبائل إلى التّهلكة (مثلاً حرب البسوس أو حرب داحس والغبراء) فظهرت الدّيّة وسيلة ناجعة لتحقيق العدالة (وهي كما قلنا سابقاً نسبيّة) بالاقتصاص من الفاعل والتّعويض على المتضرّر والحفاظ على السّلم الأهلي (بلغة عصرنا اليوم) فكانت الدّيّة بديلاً عن الثّأر لا يدفعها القاتل وحده بل "العاقلة" وهم "العَصَبَة" (في ما خصّ "العَصَبَة" راجع أيكون إبراهيم عربيّاً؟ الفصل الثاني 2/1) أي أقارب الرّجل الذّكور من جهة الأب ولتحديد قيمتها كان هناك أصول وقواعد لا مجال لتفنيدها هنا تتعلّق بالمنزلة الاجتماعيّة للضحيّة وبكيفيّة القتل وزمانه ومكانه وما إلى ذلك وكانت الإبل التي تُقّدّم دِيّةً تُعْقَل بفناء أهل القتيل عند دفعها إليهم فلذلك سُمّيَت الديّة أيضاً "عقلاً" وكان يُحَضُّ على قبولها وترك الثّأر ومن معالم الفخر في الشّعر الجاهلي "حملة" الدّيات أولئك الذين يدفعون الدّيات عن غير القادرين عليها حقناً للدماء
أمّا الأرش فهو تعويض عن جراح وأضرار جزئيّة أصابت الجسم أو بعضاً منه بتشويه أو عَطْب وجاء في لسان العرب "الأرْشُ ديّةُ الجراحات [...] والمأروش المخدوش [...] وأصلُ الأرْش الخدشُ ثمّ قيلَ لِما يُؤخذُ دِيّةً لها أرش" (أ.ر.ش)
ونصل الآن إلى "العُقْرُ" وهو "دِيّة" العلاقة غير الشّرعيّة بين رجلٍ وامرأة فقد جاء في لسان العرب (ع.ق.ر) " العُقْرُ بالضّمِ ما تُعطاهُ المرأةُ على وَطْءِ الشُّبهةِ وأصْلُه أنّ واطئ البِكرِ يعْقِرُها إذا اقْتَضّها فَسُمّيَ ما تُعطاهُ للعَقْرِ عُقْراً ثمّ صارَ عامّاً لها وللثّيب وجَمْعُه الأعقارُ" أمّا في تهذيب اللغة فنقرأ "العُقْرُ [...]ما تُعطاه المرأة إذا أُصيبتْ وكانوا في الجاهليّة إذا أُصيبتْ المرأة أُعْطِيَتْ العُقْر وأُصيبت إذا وقع عليها رجُل"
إنّ الألفاظ المشتقّة من ع.ق.ر بمجملها تفيد حالة عَطبٍ أصليٍّ أو حادث والضّررُ غالباً ما يكون خرقاً مستدير الشّكل تقريباً في البدن أو في أيّ جسم آخر فعَقَرَتْ المرأةُ لم تَلِد و عقرَ الكلبُ عضّ وعقرَ السّرجُ أو الرّحلُ ظَهْرَ الفرس أو النّاقة جَرَحَهُ ومن ذلك الكثير الكثير وكلّها متقاربة جدّاً في المعاني وما زالت العامّة إلى اليوم في العديد من المجتمعات العربيّة تستعمل في لهجاتها من مثل هذه المفردات للدلالة على المعاني ذاتها ف "العُقْر" تقرّحات الفراش عند المريض المُلقى على ظهره منذ زمنٍ أو الخرق في ثوبٍ أو ما شابه فالمعنى البعيد والأصليّ للعُقرِ إذاً هو عطب نهائي أصاب بدناً أو جسماً ولذلك عُدَّ اغتصاب البِكرِ (من حيث الاستعمال اللغويّ) كما يقول ابن منظور في معجمه عَقراً لها أي إعطاباً لها ثمّ استغْرَقَ (عَمَّ) اللفظُ كلّ الحالات المشابهة
وهكذا تماماً كما الدّيّة والأرش في مجالهما يقوم "العُقْرُ" في مجال العلاقة غير الشّرعيّة بين الرجلٍ والمرأة بتحميل الفاعل وِزرَ فِعلته والتّعويض على المتضرّر مادّياً ومعنويّاً وإنهاء النّزاع ولكن كيف يكون ذلك؟
العلاقة غير الشّرعيّة بين رجلٍ وامرأة إمّا علاقة فعليّة ظهرت إلى العلن وإمّا حدثٌ أثارَ الرّيبةَ ظاهِرٌهُ وظُنّ في الأمر فاحشةً فوقع الضّررُ في الشّرف والسّمعة حتّى وإن كان الأمر في حقيقته على خِلاف ذلك فوجب إذاً دفعُ العار أو إزالة الشّبهة وإعادة الاعتبار اجتماعيّاً للضحيّة في الحالتين فالعُقْر هنا لا يرمي إلى إخفاء الحدث بل إلى ابطال حُكم النّاس السّلبي عليه وذلك بإعادة تعريف الحدث من حدثٍ غير شرعي إلى حدثٍ شرعيّ يُقرّه المجتمع وهكذا يقلِبُ العُقرُ ماهيّة الفعل مثلاً في حالة العلاقة الفعليّة من اغتصابٍ إلى زواج لاحقٍ أو مؤخّرٍ تامّ المفاعيل فالعُقْرُ هنا (المال المدفوع) أشبه ما يكون ب "المهر المؤخَّر" وهكذا تستعيد المرأةُ شرعيّتها الاجتماعيّة زوجةً قد انفصلت عن رجُلِها إن عادت إلى أهلها أمّا في حالة إزالة الشُّبْهة فالأمر لا يختلف كثيراً فالعُقْرُ ها هنا اعتراف ضمنيّ بأنّ الخلوة في حدِّها مثيرةٌ للريبة ومدعاةٌ للظِنّة وعليه فالمعاشرة قد تكون قد تمّتْ فعلاً وقد لا تكون وقطعاً للشّك باليقين وحِفظاً لشرفِ المرأة وسُمعتها يُدفّعُ بالعُقْرِ لتبرئتها من القول أنّها ضحيّة علاقةٍ غير شرعيّة على فرض أنّ المعاشرة كانت قد وقعتْ ولا شيء آخر سوى ذلك (تماماً كما في حالة الاغتصاب) وعليه فالعُقْرُ هنا ليس دليلاً البتّة على أنّ الفعل قد حصل أو أنّه لم يحصل بل هو ذهابٌ بالظّنّ إلى أسوأ الفرضيات والقول أنّه لو حصل فها هو الثّمن أو التّعويض أو العُقر ومع ذلك فلو نُظِرَ إلى العُقرِ في هذه الحال من حيث هو تدبير عُرفيّ صِرْف اعْتُمِدَ لتحقيق عدالةٍ نسبيّة لَمَالَ الرّأي بالاستنتاجِ إلى أنَّ المحظور قد وقع فعلاً
"العُقْرُ" في حالات العلاقة غير الشّرعيّة يبدو إذاً كما لو كان "مهراً مؤخّراً" ومع ذلك فالفارق جمٌّ بين "المهْر" و "العُقْر" فالأوّل (المهرُ) سابقٌ على المعاشرة وهو خُلاصةٍ عقدٌ (مكتوب أو شفهيّ) يُعْلِنُها ويؤسّسُ لعلاقة شرعيّة واجتماعيّة معاً أمّا الثّاني (العُقْرُ) فهو لاحِقٌ عليها وهو ناتِجُ فِعلٌ بغير عقد يَستدركُ ما قد خَفِيَ أو ما اشتُبِه فيه ويُعيدُ إليهما الاعتبار شرعيّاً واجتماعيّاً الأوّلُ يخلقُ شرعيّةً وضمانٌ لعلاقةٍ مستقبليّة والثّاني يُضفي شرعيّة على علاقةٍ قد مضتْ وإصلاحٌ لها إنّه كما الدّية والأرش تماماً تعويضٌ عن فعلٍ أحدث ضرراً والتّعويض في الثّقافات السّاميّة القديمة كما نرى أصلُه تطهيري رمزيّ يهدفُ إلى حفظ النّظام الاجتماعي قبل أن يكون تعويضاً اقتصاديّاً بالمفهوم المعاصر يهدف إلى رفع خسارة ماديّة عن المتضرّر
والآن إذا عدنا إلى رواية التّوراة عمّا حدث بين ساراي وأبي مالك وبناءً على التّقاليد المعمول بها آنذاك لقُلنا أنّ "العُقْرَ" الذي دفعه أبو مالك لسارة تحديداً بعد الخلوة بها وهو "ألف مثقال فضّة" لا يمكنُ أنْ يُفَسّرَ البتّة على أنّه دليلٌ مباشِرٌ على أنّ المعاشرة بينهما لم تحصل وأنّه لم يمسّها كما تزعم الكتابات الثّانويّة اليهوديّة وإلاّ وقعنا في تناقض واضح بين هذا التّفسير اللاهوتي من جهة وسلوك أبي مالك كما عبّر عنه هو نفسه (غطاء عين/أُنصِفتِ) من جهة أخرى وهو سلوك ينتمي إلى الأعراف البدويّة على ما رأينا
فالعُقْرُ هنا لا يخرج عن كونه كما في جميع الحالات التي عرفتها المجتمعات البدويّة التي مُورِسَ فيها تعويضٌ عن ضررٍ أصاب سُمعة سارة جرّاء هذه الخلوة بذاتها سواء كانت هناك معاشرةٌ أم لم تكن إنّه "غطاءُ عين" لعلاقة غير شرعيّة ظاهرة للعيان (فعليّة أو مُتوهّمة) فها هو "مهرها المؤخّر" قد وصلها (سواء حصلت المعاشرة أم لم تحصل) وأمكنها بذلك العودة إلى "أخيها" مرفوعة الرّأس وضّاحة الجبين ف "عُقرُ" أبي مالك إذاً لا يعني البتّة نفي قيام معاشرة بينه وبين سارة بل يرمي فقط كما جرى به العُرفُ آنذاك إلى ردّ الاعتبار إلى سارة بالنّظر إلى الخلوة بذاتها والعلاقة المشبوهة التي يمكن أن تكون قد نجمت عنها بعيداً عمّا يكون قد حصل فعلاً أو لم يحصل وبذلك تكون قد "أُنْصِفَتْ" أو "بُرِّئتْ" على مرأى من الناس ومسمعٍ منهم وعلى أيّة حال فإنّ "المعروف" الذي كان أبرام طلبه يوماً من ساراي عندما بدءا حياة التّرحال بأن تنكرَ أنّه زوجها وتدّعي أمام النّاس بأنّه أخوها وتجديده ذلك الطّلب عند دخولهما مصر كان ينطوي على احتمالٍ قويّ بأن يحدث ما حدث ولم يغب هذا عن نظر بعض الأحبار وهم قِلّة فأخذوا على إبراهيم ضعفه الأخلاقي في هذا الموضع وتعريضه سارة للخطر (!!)
وخلاصة القول أنّنا لو نظرنا إلى "مَهْرِ" فرعون (السّابق على الخلوة بينه وسارة) و "عُقْرِ" أبي مالك (اللاحق على خلوةٍ مماثلة) لأَشَارَت القرائنُ جميعها إلى أنّ المحظور قد وَقَع وإلاّ فكيف يكون إذاً "معروف" ساراي إزاء أبرام؟! ... ويبقى أنّ الله ونجومَ اللّيلِ يوم ذاك أعلى وأعلم!!!
ملحوظة/لم أشأ أن أستعمل "عُقْر" في العنوان لغموض اللفظ وبُعْدِه عن الأذهان فلجأتُ إلى اللفظ الأكثر شهرة "مَهْر" رغم علمي بأنّه لا ينطبق على جرى عند أبي مالك فهذا خطأ مقصود لذاته فاقتضى التّنويه
كمال محمود الطّيارة ـ ليون ـ فرنسا ـ 29/05/2026
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
-فوق السلطة-: هل أصبحت الكاميرا تنافس البعد الروحي للحج؟
-
بحرية حرس الثورة الإسلامية: تحكمنا الدقيق بمضيق هرمز يتم بحز
...
-
لبنان.. إسرائيل تقصف كنيسة وجدار مدرسة مسيحية في جديدة مرجعي
...
-
بحرية حرس الثورة الإسلامية: 24 سفينة عبرت مضيق هرمز خلال الس
...
-
قبل فوات الأوان ـ الفاتيكان يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي!
...
-
بزشكيان: سياسة ايران هي توسيع التعاون مع الدول الاسلامية وال
...
-
المقاومة الإسلامية في العراق ترفض تسليم السلاح
-
ممثل قائد الثورة الإسلامية في حرس الثورة عبدالله حاجي صادقي:
...
-
الاحتلال يقرر إبعاد صحفيين مقدسيين عن المسجد الأقصى
-
المرشد الأعلى الإيراني: الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى
...
المزيد.....
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
المزيد.....
|