أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال














المزيد.....

قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 02:41
المحور: الادب والفن
    


تهربُ إلى مملكةِ الشرودِ كلما أقترب موعدُ العرس، ذاكرةٌ متعبةٌ، يتصلُ بها، تصد همساته، تهربُ من ضجيجِ الهاتفِ الجوالِ الذي لم يكن متداولاً في عصرِ العشقِ البريء، إذ كانتْ الأنظارُ تلمحُ ضحكاتها الخجولة وهي تتهامس خلسة مع حبيبها الأول قبل أن تسرقه آلةُ الحرب الطاحنة، همساتٌ مقيدةٌ بأسلاكِ الهاتفِ الأرضي، لتسرقَ من المساءاتِ بعضاً من الجنون.
تهربُ من نظراتِ أمها التي كانت تود أن يكتملَ ذلك الزواجُ بأسرعِ وقتٍ ممكن، تَفِرُّ من خلالِ الهمساتِ لأشعاره ببدايةٍ لمطافِ الذكريات، طفولةٌ مدللةٌ، تودُ أن تعودَ ولو بهيئةِ ومضةٍ إلى ذلك الزمنِ الذي كان عنفواناً للترف.
لم تكن تعلم بأن الحياةَ هي أشبه بالمناورةِ في الحرب، إذ بدأتْ وكأنها تحتاجُ إلى أيامٍ بل إلى أشهرٍ لفكَّ الألغازَ المشفرةَ في الشفاه، في لغةِ الأجساد، نظراتُ العيون، حيث وقعتْ في العديد من المواقفِ التي تكون ما بين الثقة التي منحتها والقلق الناتج من جرائها بعدما أصابها الخذلان، ذلك الخذلانُ الذي أكد لها بأنها تحتاج إلى جيوشٍ من الظنون، جيشٌ يكتشفُ مواقعَ الحزنِ قبل وقوعه، وَأَخَّرُ يجعلُ العينَ شاسعة الحدقات، وثالثٌ لِلظَّنِّ من كلِّ ما يقال.
لكنها هي الأيام لا تعطي فرصةً للتراجع، وفرصةً للطيبة واللامبالاة، فاللسانُ عليه أن يكونَ دقيقاً في اختيار الكلمات، دقيقاً في نبرةِ الصوت، في اللحن، وإلا فردةُ الفعلِ ستكون أدهى وأمر، إذ فشلتْ في تأليف قفص يقيها من نفاقِ البشر، بل واقتنعتْ من أنها ولدتْ كقرينٍ للشقاء، وفي رحمِ الأحزان.
تفكيرٌ طويلٌ، خيالاتٌ متزاحمة، تسندُ رأسها على الوسادة، تتأملُ الغرفةَ على ضوءِ الشعاع الذي ينفذ من خلالِ الفراغِ في النافذة، من بين الفواصلِ في الستارةِ الفاخرة، فالليلُ كان طويلاً، وانتظارٌ يهيجُ الظنونَ، وأي انتظار، انتظارٌ بلا هدف، انتظارٌ كالذي يحتمي بأحضانِ النارِ من النار، والعيونُ السودُ أتعبها الكرى ، وثورةٌ عارمةٌ تعزفُ على أوتارِ الحزنِ المتراكمِ في الدواخل.
- لن أسامحكِ يا أمي، ففارسُ الغيمِ يمتطي سياطَ الكبرياء.
تهاجرُ مع نوارسِ القوافي لتستمعَ لشكوى القصائد، تعالجُ غربةَ الروح، فليس لها في تلك الغربةِ سوى القلم، تتمعنُ في ملامحٍ قافية تنبضُ بذلك الصدى، فتغيبُ في غفوةٍ تداعبُ فيها قطعَ السحاب، تقتفي عطرَ الهذيان الذي انساق إليه قلبها، تشعرُ بأن حروفها قد أصابها الشلل، كأنما الأشعارُ قد احترقتْ منذ أن استسلمتْ للضغوط، وأصبحت شيئاً من العدم، تُحَاوِل وتحاول بشوقٍ ملتهبٍ إلى معانقةِ الحروف، وألمٌ مخبوءٌ في الكبد يشعل نيرانه، لتصحو على وقعِ رنينِ الشجنِ وبحةٍ من صوتٍ متململ، مدعيا بأنه يعالجُ اختلالَ نبض الجنون، يدعي أنه متيم بذاتِ العيون، وستكون أميرةً في قصر يليق بجمالها الأخّاذ، وسيزين جيدها بجواهر من أغلى المحار، وياقوتة من خلجانِ الجنان، ويغلفُ القلمَ بماءِ الذهب، وعدها وأصبح يطوف بهذيانٍ حول الدار صباحاً ومساء.
بدأتْ الأصواتُ تصلها من الصالة، نقاشٌ حول المال، العقارات، الرصيدُ في البنوك، تتململُ في فراشها، لا تريدُ سماعَ تلك الأصوات، وبدأت تظهرُ عليها علاماتُ الانزعاج، مما جعلها تسيرُ في دهاليزِ الحيرة، في دروبِ القلق، تحاولُ أن تتغلبَ على نفسها، على هذا الضجر، أن تصطنعَ الأفكار، لذا أغمضت عينيها، تحاولُ الإبتعاد وراء ومضةٍ من بيتِ قصيد، بعدما أطلقتْ العنانَ لمخيلتها، لتجدَ نفسها بعيدة تجلسُ لوحدها تحت ظلِ شجرةٍ وارف.
يقطعُ شرودها جلبة النقاش الحاد في المنزل، أفكارها تتزاحم، تتبعثرُ من رمادها ، قلبٌ يدفع، وعقلٌ يحاولُ أن يكونَ كما المطلوب، أن تكونَ ضمن مركب الأغلبية، ألا تشعر بأن الأيامَ تفلتُ منها، تحاولُ الركضَ عسى أن لا يكونَ سرابَ الأيام، أن ترنو لحلمٍ يولدُ ولا يتلاشى أمام ناظريها، ولكن هيهات أن يستقيمَ العرجونُ القديم.
إنها الأيام، ترسمُ للوجعِ صوراً وعنوانا، تحاولُ أن تزيله، أن تبحثَ عن واحةٍ خضراء في النفوس، إلا أنها دائما ما تعود إلى المربع الأول، تهدهدُ الذكريات في دوح الانتظار، والعودةُ إلى عمر العشرينيات، تبحثُ عن مكانٍ للسعادة، عن أسماء، عن أطيافٍ تجلبُ الحظَ الوفير، تطيرُ فرحاً، تدندنُ مع نفسها مع أغنية كانتْ ترددها في ذات صباح، تنظرُ في المرآة كي تشاركها تلك الأفراح، خدودٌ قد ذبلتْ كغصنٍ مات قبل أوان الإصفرار، لتقع ما بين دوامة الأفكار والهذيان، وجدارٌ من الصمتِ قد شاخَ ليؤكدَ الحرمان.
لا تريدُ أن تتذكرَ كيف ساقتها الأقدار، ولا شيء يمكنه أن يوقفَ الحروبَ الطاحنة، وماذا لو توقفتْ وعاش الناس بعدها بسلام، فلقد سرقتْ منها أجمل ما كانت تتخيل أن تملك، ووجدتْ نفسها في سطوةِ طمعٍ لجمالها الأخّاذ، لإشباعِ نظر العيون في ضيفة دائمة مجبرة على البقاءِ في سجن الدار، المكتوبُ على جبين بوابتها بلون المساء، إذ تمتلكُ جيشاً من الكلمات، إلا أنها تشعر بأنها تفشلُ في ربط الماضي بالحاضر وكذلك إدارة الأحداث، ليكون حظها مكملاً لخطوطِ آهات القدر.
تعيشُ في دوامةِ الروتين، حياةُ تجترُ بعضها البعض، فطورٌ ثم غداءٌ وعشاءٌ ومن ثم نوم، وحديثٌ قد يطولَ حولَ كسبِ المال، وهي كسيزيف ومحنته الأزلية في أن يدفعَ الصخرة إلى أعلى الجبل، وإلا فالموتَ سيكون نهايته، فأختارَ ذلك الإذلال، في كونٍ صامت لا يمنحُها أي جواب، في بيئةٍ تصنعُ من العبثِ نظاما، لتكون في دوامةِ ذلك العبث عسى أن يكونَ الخلاصَ بها من مرارة التفكير، لتعودَ بعدما تفشلُ في انتشالِ ذلك الوجع، فتنهشها أنيابُ الآلام، ومخالبُ الحزنِ تغرسُ في جسدها، لتقفَ وحيدةً منكسرة، ضائعةً في دوامةِ العبث.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق


المزيد.....




- بريتني سبيرز مع الثعبان والنمر.. قصة العرض الموسيقي الذي هزّ ...
- لماذا يخيف فيلم نازا دولة إسرائيل؟
- رواية -المنصرمون- تقتنص الدورة الثانية لجائزة خالد خليفة
- منظومة عسكرية متكاملة.. كشف أثري في دلتا مصر يوثق يوميات الج ...
- من زنوبيا إلى كاترين الثانية.. كيف أصبحت بطرسبورغ -بالميرا ا ...
- -شارع البدو- في المفرق.. سوق قديم يحرس ذاكرة البادية الأردني ...
- اتفاق مغربي إسرائيلي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- اتفاق إسرائيلي مغربي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- إسرائيل تعلن اتفاقا مع المغرب لتعزيز العلاقات ورفع التمثيل إ ...
- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال