أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟















المزيد.....

المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


17 أيلول/سبتمبر 2026


لم يكن وصول بيتر ماديار إلى رئاسة الحكومة المجرية في ربيع 2026 مجرد تغيير في إسم رئيس الوزراء، بل مثّل تحولاً في الطريقة التي تريد بها بودابست إدارة علاقتها مع بروكسل وكييف وموسكو. وبعد ستة عشر عاماً من حكم فيكتور أوربان، جاءت حكومة ماديار لتعلن عودة المجر إلى سياسة أوروبية أكثر تعاوناً وأقل ميلاً إلى إستخدام حق النقض أداةً للضغط.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن أكثر تعقيداً: هل تغيّرت السياسة المجرية فعلاً، أم أن الذي تغيّر هو أسلوب الدفاع عن المصالح المجرية؟
تقدم مجموعة من التحليلات الأوروبية والروسية خلال الأشهر الماضية صورة أكثر تركيباً من عبارة «المجر أصبحت معادية لروسيا». فالمجر تتحرك بسرعة في المجال السياسي والأمني نحو أوروبا، لكنها تتحرك بوتيرة مختلفة تماماً في الإقتصاد والطاقة. وبين الدائرتين تظهر سياسة بيتر ماديار الجديدة.

من أوربان إلى ماديار: تغيير الأسلوب قبل تغيير المصالح

كان فيكتور أوربان يعتمد بصورة واضحة على سياسة المواجهة مع المؤسسات الأوروبية. إستخدم حق النقض والتأخير والمساومة المباشرة للحصول على تنازلات من بروكسل، وجعل من الخلاف مع الإتحاد الأوروبي جزءاً من السياسة الخارجية المجرية.
أما ماديار، فيبدو أنه إختار طريقة مختلفة لتحقيق الغاية الأساسية نفسها: الدفاع عن المصالح الوطنية المجرية، ولكن من داخل المؤسسات الأوروبية بدلاً من الوقوف في مواجهتها.
ولم يكن التقارب مع بروكسل سياسياً فقط، بل حمل أيضاً مصلحة إقتصادية مباشرة. فقد توصلت الحكومة الجديدة إلى ترتيبات مع الإتحاد الأوروبي أتاحت المضي في خطة تمويل وتعافٍ جديدة للمجر بقيمة تصل إلى 10 مليارات يورو، فيما إرتبط الإفراج عن الأموال بإصلاحات في سيادة القانون ومكافحة الفساد وإستقلال القضاء. كما أعلنت المفوضية الأوروبية في أيار/مايو عن إتفاق أوسع يتعلق بأموال أوروبية كانت مجمدة خلال عهد أوربان.
وهكذا أصبحت العلاقة مع بروكسل بالنسبة إلى ماديار جزءاً من المعادلة الداخلية المجرية أيضاً: تحسين العلاقة مع أوروبا يعني إستعادة التمويل والإستثمار، وليس مجرد تحسين الصورة السياسية للحكومة.
وهذا هو الفارق الجوهري بين الرجلين.
أوربان كان يقول لبروكسل، عملياً: إذا أردتم تعاون المجر، فعليكم أن تتعاملوا مع مصالحها كما هي.
أما ماديار فيقول، عملياً: يمكن الدفاع عن المصالح المجرية من خلال التعاون مع بروكسل بدلاً من الصدام معها.
ولهذا فإن الحديث عن قطيعة كاملة مع إرث أوربان قد يكون مبالغاً فيه. فالمصالح الوطنية التي كانت في قلب سياسة أوربان لم تختفِ مع رحيله، وإنما تغيّرت الأدوات المستخدمة للدفاع عنها.


لماذا كان فوز ماديار مهماً لبروكسل؟

كان وصول ماديار موضع ترحيب في مؤسسات الإتحاد الأوروبي، لأن حكومة أوربان كانت خلال السنوات الماضية من أكثر الحكومات قدرة على تعطيل بعض القرارات الأوروبية التي تحتاج إلى إجماع، خصوصاً في ملفات أوكرانيا والعقوبات على روسيا.
لكن أهمية التغيير لا تتوقف عند المجر نفسها.
فأوروبا تدخل خريف 2026 في ظرف سياسي معقد، تتزايد فيه الخلافات حول الهجرة والأمن والعلاقة مع روسيا وأوكرانيا، بينما تواجه أحزاب الوسط تحديات من قوى سياسية قومية في عدد من الدول.
في هذا السياق، يصبح إنتقال المجر من سياسة المواجهة مع بروكسل إلى سياسة أكثر تعاوناً ذا أهمية تتجاوز حدود بودابست.
لكن ذلك لا يعني أن أوروبا أصبحت موحدة سياسياً.
فسلوفاكيا، على سبيل المثال، ما زالت تحتفظ بمواقف أكثر تحفظاً تجاه بعض سياسات الإتحاد الأوروبي المتعلقة بروسيا وأوكرانيا، كما تستمر في دول أخرى وسط وشرق أوروبا النقاشات حول حدود التضامن مع كييف، والعلاقة مع موسكو، ومقدار ما ينبغي للدول الأعضاء أن تحتفظ به من إستقلالية في القرار.
بعبارة أخرى، تغيّرت بودابست، لكن الأسئلة التي جعلت نموذج أوربان ممكناً ما زالت موجودة في أوروبا.

أوكرانيا: الإختبار الأول للسياسة الجديدة

ربما لا يوجد ملف يكشف طبيعة التحول المجري أكثر من أوكرانيا.
فحكومة ماديار أصبحت أكثر إستعداداً للتعاون مع المؤسسات الأوروبية في ملف أوكرانيا، لكنها لم تتخلَّ عن حقها في الإعتراض على سرعة المسار أو شروطه.
وفي حزيران/يونيو، خففت المجر إعتراضها الذي إستمر نحو عامين على بدء مسار مفاوضات إنضمام أوكرانيا إلى الإتحاد الأوروبي، بعد أن أعلن ماديار التوصل إلى إتفاق بشأن حقوق الأقلية المجرية في أوكرانيا. وقد ربطت بودابست هذا الملف بصورة واضحة بالتقدم في المسار الأوروبي لكييف.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في فهم السياسة المجرية الجديدة.
فحقوق نحو مئة ألف مجري في منطقة ترانسكارباثيا ليست قضية مستجدة أوجدتها حكومة ماديار، بل تمثل أحد الثوابت في السياسة الخارجية المجرية منذ سنوات، وكانت أيضاً محوراً رئيسياً في سياسة أوربان.
لكن الفرق هو أن ماديار يستخدم القضية داخل عملية التفاوض الأوروبية، لا بالضرورة من خلال مواجهة مفتوحة مع بروكسل.
وعندما عاد الخلاف في حزيران/يونيو حول سرعة فتح فصول مفاوضات الإنضمام، تمسكت بودابست بأن المسألة يجب أن تكون تدريجية ومبنية على إستيفاء الشروط، وليس سباقاً سياسياً. كما ظل موضوع حقوق الأقلية المجرية حاضراً في الموقف المجري.
وهنا يظهر أحد أكثر عناصر الإستمرارية وضوحاً بين أوربان وماديار.


المسألة ليست ببساطة: «هل المجر مع أو ضد أوكرانيا؟»

بل: كيف يمكن للمجر أن تدعم المسار الأوروبي من دون أن تتخلى عن المصالح التي تعتبرها حيوية؟
في عهد أوربان كان الجواب غالباً هو العرقلة والفيتو.
أما ماديار فيحاول الوصول إلى النتيجة نفسها ــ حماية المصالح المجرية ــ عبر التفاوض داخل المؤسسات الأوروبية.
ولهذا فإن تراجع إستخدام الفيتو لا يعني بالضرورة التخلي عن الموقف المجري في جوهر القضايا الحساسة.
بل إن ملف أوكرانيا يكشف أن المصلحة الوطنية لم تختفِ، وإنما تغيّرت طريقة إدارتها..


روسيا: هنا حدث التغيير الأكثر وضوحاً

إذا كان التحول في العلاقة مع بروكسل يمكن تفسيره بإعتباره تغييراً في الأسلوب، فإن العلاقة مع روسيا شهدت شيئاً أكثر عمقاً.
فالحكومة المجرية الجديدة أعادت صياغة موقع روسيا في حساباتها الأمنية، مع إستمرار التأكيد على أن العلاقات الدبلوماسية والحوار معها لن ينقطعا.
وجاءت الخطوة الأكثر دلالة في 8 أيلول/سبتمبر، عندما أمرت بودابست عشرة دبلوماسيين روس بمغادرة البلاد، قائلة إن السلطات المجرية خلصت إلى أنهم مارسوا أنشطة غير مقبولة بالنسبة إلى دبلوماسيين بموجب إتفاقية فيينا. وأكدت وزيرة الخارجية أنيتا أوربان أن القرار لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية، وأن المجر ستواصل الحوار الضروري مع موسكو.
أما موسكو فوصفت الخطوة بأنها تصعيد غير مبرر، وتوعدت بالرد.
ومن المهم هنا عدم تجاوز ما هو مثبت: بودابست لم تعلن قطع العلاقات مع روسيا، ولم تقل إن الحوار معها إنتهى. لكنها إتخذت في الوقت نفسه خطوة أمنية ودبلوماسية لم تكن مألوفة خلال عهد أوربان.
وهذا هو التغيير الحقيقي.
ففي عهد أوربان كانت المجر من أكثر الدول الأوروبية حفاظاً على قنوات خاصة مع موسكو، أما في عهد ماديار فقد أصبحت العلاقة الروسية ــ المجرية تُقرأ بدرجة أكبر من زاوية الأمن والسيادة والإعتماد المتبادل.
وهنا يمكن القول إن المسافة السياسية والأمنية بين بودابست وموسكو إتسعت بالفعل.
لكن القصة لا تنتهي هنا.

باكس-2: الإقتصاد لا يتحرك بسرعة السياسة

بعد أيام من التطورات الدبلوماسية مع روسيا، ظهرت المفارقة الكبرى في مشروع محطة باكس النووية.
فالمشروع الذي تنفذه شركة روساتوم الروسية، ويبلغ حجمه نحو 12.5 مليار يورو، ويتضمن مفاعلين روسيي التصميم، ظل جزءاً أساسياً من مستقبل الطاقة النووية المجرية. أما محطة باكس الحالية فتنتج قرابة نصف كهرباء البلاد، وقد كشفت أزمة الحرارة والجفاف في صيف 2026 مدى حساسية منظومة الطاقة المجرية للظروف المناخية.
وكان ماديار قد إنتقد في السابق شروط مشروع باكس-2، ودعا إلى مراجعتها، خصوصاً بسبب التكلفة والمخاوف المرتبطة بإستخدام مياه الدانوب للتبريد.
لكن الواقع الإقتصادي والإستراتيجي فرض نفسه.
ففي آب/أغسطس، أدى إنخفاض منسوب الدانوب وإرتفاع درجات الحرارة إلى خفض إنتاج محطة باكس القائمة بصورة حادة، ووصل التشغيل في إحدى المراحل إلى نحو 10% من القدرة. وأصبحت المسألة بالنسبة للحكومة ليست مجرد خلاف حول عقد مع روساتوم، بل قضية أمن طاقة وطنية.
وفي أيلول/سبتمبر أكدت روساتوم أن تصميم مفاعلات باكس-2 يسمح لها بالعمل حتى في ظروف إنخفاض منسوب الدانوب، في محاولة للرد على أحد أبرز الإعتراضات الفنية التي أثيرت حول المشروع.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها:
في الوقت الذي تزداد فيه المسافة السياسية بين بودابست وموسكو، تبقى المجر مرتبطة بروسيا في واحد من أهم مشاريعها الإستراتيجية لعقود مقبلة.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن قراءة السياسة المجرية الجديدة بإعتبارها قطيعة شاملة مع روسيا.
يمكن لحكومة أن تغير خطابها السياسي أو تطرد دبلوماسيين خلال أيام، لكن إعادة بناء منظومة الطاقة، وإلغاء عقود نووية ضخمة، والعثور على بدائل تقنية وتمويلية، تحتاج إلى سنوات طويلة وتكاليف كبيرة.

المعضلة الحقيقية: روسيا تهديد أمني وشريك إقتصادي في الوقت نفسه

هذه هي النقطة التي تضيع غالباً عندما تختزل التحولات المجرية في عنوان واحد من نوع «المجر أصبحت معادية لروسيا».
الصورة أكثر تعقيداً.
في المجال الأمني والسياسي، تتحرك بودابست في اتجاه أقرب إلى بقية الإتحاد الأوروبي.
في ملف أوكرانيا، أصبحت أكثر إستعداداً للتعاون مع بروكسل، لكنها لا تزال تحتفظ بخطوط حمراء مرتبطة بالمصالح المجرية، وفي مقدمتها حقوق الأقلية المجرية.
وفي مجال الطاقة، تستمر علاقات نشأت في عهد أوربان، ولا يمكن تفكيكها بسهولة.
وهذا يعني أن السياسة المجرية تتحرك بسرعات مختلفة.
▪️السياسة الخارجية يمكن أن تتغير بسرعة.
▪️السياسة الأمنية يمكن أن تتغير خلال أشهر.
▪️أما الإقتصاد والطاقة والبنية التحتية، فتتحرك على مقياس مختلف تماماً.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي تبدو للوهلة الأولى غير منطقية: حكومة أكثر قرباً من بروكسل قد تستمر في الإعتماد على مشروع روسي إستراتيجي.
والأمر لا يتعلق بالطاقة النووية وحدها؛ فقد كشفت أزمة الوقود في أيلول/سبتمبر أيضاً حساسية المجر تجاه إضطرابات إمدادات الطاقة، بما في ذلك أثر القيود على الصادرات الروسية. وهذا يعزز حقيقة أن الإعتماد المتبادل لا يمكن تفكيكه بقرار سياسي منفرد.

هل أصبح ماديار «أوربان آخر»؟

الجواب لا يبدو بسيطاً.
ماديار ليس إستمراراً مباشراً لأوربان، كما أنه ليس نسخة من النموذج الأوروبي المركزي.
الفارق الأساسي أن أوربان جعل من إستقلال القرار المجري في مواجهة بروكسل أداة سياسية بحد ذاتها، بينما يحاول ماديار إستعادة موقع المجر داخل أوروبا من دون التخلي عن إستقلال قرارها في القضايا التي يعتبرها جوهرية.
ولهذا قد يكون من الأدق الحديث عن «أوروبية براغماتية» بدلاً من الحديث عن عودة كاملة إلى النموذج الأوروبي التقليدي.
فالمجر تريد أموال الإتحاد الأوروبي، وتريد علاقة طبيعية مع مؤسساته، وتريد المشاركة في القرارات الأوروبية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى دولة تتخلى عن مصالحها الوطنية كلما تغير الموقف الجماعي.
واللافت أن التقارب مع بروكسل لم يبقَ في مستوى الخطاب. فقد إتخذت الحكومة الجديدة خطوات مرتبطة بمكافحة الفساد والشفافية وإستقلال القضاء، كما وافقت المجر على الإنضمام إلى النيابة العامة الأوروبية، في إطار التفاهمات المتعلقة بحماية الأموال الأوروبية.
وهذه نقطة مهمة في فهم الفرق بين مرحلتي أوربان وماديار: الأخير لا يحاول فقط تخفيف الخلاف مع بروكسل، بل إعادة بناء علاقة مؤسسية معها.

وما الذي بقي من إرث أوربان؟

رغم التغيير الكبير، فإن بعض عناصر المرحلة السابقة لم تختفِ.
▪️أولها أولوية المصالح الوطنية.
▪️وثانيها الحساسية الشديدة تجاه قضايا السيادة.
▪️وثالثها حماية الأقلية المجرية خارج الحدود، ولا سيما في أوكرانيا.
▪️ورابعها الحذر من تحمل تكاليف إستراتيجية كبيرة لا تتناسب مع مصالح المجر المباشرة.
لكن الذي تغير هو الوسيلة.
أوربان إستخدم الصدام مع بروكسل للحصول على مساحة للمناورة.
ماديار يستخدم الإنخراط مع بروكسل للحصول على المساحة نفسها.
ومن هذه الزاوية، فإن إنتقال السلطة في بودابست لا يمثل بالضرورة إنتقالاً من «المصلحة الوطنية» إلى «المصلحة الأوروبية»، بل إنتقالاً من المواجهة إلى التفاوض في إدارة المصلحة الوطنية.
وهذا يفسر أيضاً لماذا يمكن لماديار أن يكون أكثر قرباً من بروكسل في قضية، وأكثر تحفظاً في قضية أخرى، وأكثر تشدداً تجاه روسيا في المجال الأمني، بينما يستمر في مشروع روسي ضخم في مجال الطاقة.
هذه ليست بالضرورة تناقضات منفصلة، بل أجزاء من سياسة واحدة تقوم على محاولة إبقاء أكبر قدر ممكن من هامش المناورة المجري.

أوروبا بعد أوربان: هل إنتهى النموذج أم تغيّر مكانه؟

ربما يكون هذا السؤال أوسع من المجر نفسها.
فقد خسرت بروكسل حكومة كانت تستخدم الفيتو والعرقلة بصورة متكررة، لكنها لم تتخلص من المشكلات السياسية التي جعلت سياسة أوربان تجد صدى داخل المجر وخارجها.
ففي ألمانيا تتقدم القوى القومية بقوة في بعض الولايات، وفي فرنسا تستعد البلاد لإنتخابات رئاسية عام 2027 في ظل حضور قوي للتجمع الوطني في إستطلاعات الرأي الحالية. وفي سلوفاكيا وبلغاريا تستمر النقاشات حول العلاقة مع روسيا، ودعم أوكرانيا، وحدود سلطة بروكسل في تحديد السياسة الخارجية للدول الأعضاء.
لذلك فإن رحيل أوربان لا يعني بالضرورة نهاية الأسئلة التي صعد من خلالها أوربان.
بل ربما تكون المجر قد دخلت مرحلة جديدة من الإختبار: هل تستطيع أن تكون أكثر إندماجاً في أوروبا، وأكثر تعاوناً مع بروكسل، وفي الوقت نفسه تحتفظ بهامش واسع للدفاع عن مصالحها الخاصة؟
إن نجاح ماديار في إستعادة جزء كبير من الأموال الأوروبية لا يعني أن الخلافات بين بودابست وبروكسل إنتهت، تماماً كما أن تراجع العلاقة مع موسكو لا يعني أن البنية الإقتصادية التي تربط الطرفين إختفت.
وهنا تكمن أهمية التجربة المجرية بالنسبة إلى أوروبا كلها: قد يتغير السياسي بسرعة، لكن المصالح والبنى التي تشكل السياسة تتحرك ببطء أكبر.

الخلاصة: المجر غيّرت المسافة، لا كل الروابط

بعد أشهر من حكم بيتر ماديار، تبدو الصورة أوضح مما كانت عليه في الأيام الأولى.
تغير موقع المجر السياسي داخل أوروبا بوضوح.
وتغيرت علاقتها الأمنية والسياسية مع روسيا بدرجة أكبر، كما أظهرت قضية الدبلوماسيين الروس.
لكن العلاقات الإقتصادية والطاقة لم تتغير بالسرعة نفسها، ومشروع باكس-2 يقدم المثال الأكثر وضوحاً على ذلك.
أما في أوكرانيا، فقد إنتقلت المجر من سياسة التعطيل الصريح إلى سياسة المشاركة المشروطة: لا تعارض المسار الأوروبي بصورة عامة، لكنها لا تزال تريد أن يكون لها رأي في سرعته وتكاليفه وشروطه، وتستخدم في الوقت نفسه ملف حقوق الأقلية المجرية لحماية مصالحها.
ولهذا فإن إختزال المرحلة الجديدة في عبارة «المجر إنتقلت إلى سياسة معادية لروسيا» لا يفسر الصورة كاملة، كما أن القول إن «ماديار هو أوربان بوجه جديد» يتجاهل التحولات الفعلية التي حدثت في علاقة بودابست ببروكسل.
الأدق أن نقول إن المجر غيّرت إتجاهها السياسي بسرعة أكبر من قدرتها على تغيير بنيتها الإقتصادية والإستراتيجية.
في عهد أوربان كانت المسافة عن بروكسل وسيلة للتفاوض، مع الحفاظ على علاقة خاصة مع موسكو.
أما في عهد ماديار، فقد تقلصت المسافة السياسية مع بروكسل، وإتسعت المسافة الأمنية مع روسيا، بينما بقيت المسافة الإقتصادية أكثر ثباتاً.
وهنا تكمن خصوصية التجربة المجرية الجديدة: ليست قطيعة مع الماضي، وليست عودة كاملة إلى أوروبا القديمة، بل إعادة ترتيب للأولويات والأدوات مع بقاء المصالح الوطنية في مركز الحسابات.
وسقوط أوربان غيّر السياسة المجرية بالفعل، لكنه لم ينهِ الأسئلة التي جعلت تجربة أوربان ممكنة أصلاً.
*****

مصادر مختصرة

- أرتيوم بيرتشون، «إعادة النظر في مسار المجر: يانوس بودابست ذو الوجهين»، المجلس الروسي للشؤون الدولية، 6 تموز/يوليو 2026.
- أندريه ريتشيكوف، «الحرارة غير الإعتيادية تزيد إهتمام ماديار بمحطة باكس-2»، «فزغلياد»، 31 آب/أغسطس 2026.
- دميتري بافيرين، «المجر إنتقلت إلى سياسة معادية لروسيا مع بعض التحفظات»، «فزغلياد»، 10 أيلول/سبتمبر 2026.
- رويترز، تقارير عن التحول في السياسة المجرية، العلاقات مع روسيا، وأمن الطاقة، 2026.
- يورونيوز ووكالة أسوشيتد برس، تقارير عن أوكرانيا وحقوق الأقلية المجرية، 2026.
- مجلس الإتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية، ملفات التمويل الأوروبي وخطة التعافي والعلاقات مع أوكرانيا، 2026.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...
- ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على ...
- جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي ...
- ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا
- هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟
- الصهيونية الليبرالية في مرآة كيتلين جونستون
- من باب المندب إلى القطب الشمالي: حين تعود الجغرافيا لتصنع طر ...
- بين الحياد المستحيل و«إقتصاد الحرب»: لماذا يقترب رأس المال ا ...
- ألكسندر دوغين و«الحرب الحضارية» ضد الغرب
- تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع ...
- ستة أشهر من الحرب على إيران: كيف إنقلب الرهان الأمريكي على إ ...
- ألكسندر دوغين - الحداثة المشوهة (الأركيومودرن)، النخب والعمل ...
- الولايات المتحدة الإسرائيلية؟


المزيد.....




- أول تعليق لترامب على رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة لأو ...
- لافروف لأوروبا.. حرب خاطفة حيال أي هجوم
- سيناتور ديمقراطي كبير يؤكد رفضه بيع قنابل أمريكية ضخمة لإسرا ...
- توقيف طيارين في ليبيا لقيادتهما طائرة -في حالة سكر-.. والشرك ...
- إسرائيل تعلن الاتفاق مع المغرب على تبادل فتح السفارات
- هل تصبح أصوات إسرائيليي الخارج بيضة قبان الانتخابات؟
- أعادتها الشرطة وقتلها شقيقها.. نهاية مأساوية لفتاة مصرية بعد ...
- مصر تعد لمؤتمر وطني كبير بتوجيهات من السيسي
- زاخاروفا: روسيا ترحب بالأجانب للعمل والدراسة وتضع قواعد -بسي ...
- تركيا تدين بشدة استهداف مكة وتؤكد دعمها لسيادة السعودية ووحد ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟