أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكرياء مزواري - المقهى: من ضجيج البشر إلى ضجيج الهواتف














المزيد.....

المقهى: من ضجيج البشر إلى ضجيج الهواتف


زكرياء مزواري

الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 16:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يُعدّ المقهى في أصله مقاولةً صغيرةً أو متوسطةً ذاتَ هدفٍ ربحيّ بالدرجة الأولى، يُنشئها صاحبها لتقديم خدمات للزبناء. غير أن هذه الوظيفة الاقتصادية لم تظل هي الوحيدة، إذ أضيفت إليها، مع مرور الوقت، وظائف أخرى استجابت لاحتياجات المجتمع الذي نشأت فيه. واليوم، في المغرب، ومع التحولات السريعة التي يعرفها المجتمع، صارت المقاهي بالتدريج مؤسسات اجتماعية غير رسمية تستجيب لحاجات لم تعد المؤسسات المألوفة الأخرى قادرة على إشباعها؛ إذ لم تعد مجرد فضاءات لممارسة نشاط اقتصادي ربحي، وإنما غدت فضاءات اجتماعية تتقاطع داخلها أنماط متعددة من التفاعلات والممارسات اليومية.
وما زاد من تعقيد وظائف هذا الفضاء، عُسرُ هضم المجتمع المغربي للتحولات الكثيفة التي عرفها منذ مرحلة الاستعمار، والتي مسّت البنيات والأطر التقليدية التي كانت تؤطر وتنظم العلاقات الاجتماعية. ومع هذا الاصطدام الحضاري، بدأت تتشكّل معالم المدن الحديثة، ورافقتها أشكال من التمدن الهجين، بفعل الزحف القروي الناجم عن التحولات التي طرأت على البنية الاقتصادية، ورغبة الأفراد في البحث عن موارد للعيش. غير أن هذا التمدن، بما حمله من تداخل بين أنماط الحياة القروية والحضرية، لم تواكبه تهيئة عمرانية كافية للفضاءات الثقافية والترفيهية والاجتماعية. وفي خضم هذه التغيرات، أخذ المقهى يكتسب وظيفة اجتماعية تتجاوز وظيفته الاقتصادية، ليصير، في بعض السياقات، «مكانًا ثالثًا» يتوسط بين البيت والعمل، ويوفر للأفراد فضاءً للقاء والتفاعل وقضاء الوقت.

لقد تحول فضاء المقهى في المجتمع المغربي إلى مجتمع مصغّر تتجسّد فيه جملة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يمر بها المجتمع، ومسرحًا تتقاطع فيه تحولات متعددة، من ضمنها التحول الرقمي الذي صار يهيمن على تفاصيل الحياة اليومية. اليوم، لا يكاد يخلو مقهى في المدن المغربية من شبكة للواي فاي، ولا تكاد عينك تخطئ الأفراد وهم عاكفون على هواتفهم، منغمسون في عوالمهم الافتراضية الفسيحة، كما لا تكاد أذنك تخطئ التقاط أصوات مقاطع الفيديو القصيرة «الريلز»، التي يتنقلون بينها بأصابعهم، بحثًا عن المزيد.
هنا، يقع الأفراد أسرى هذه الشبكات الرقمية المصمّمة بدقة للإمساك بمراكز اهتمامهم، ما دامت خوارزمياتها تستند إلى تحليل أنماط سلوك المستخدم، الأمر الذي يجعل تدفق محتواها لا ينضب، بهدف زيادة احتمالات بقائه متصلًا. وهذا الأسْر يجعل الفرد منغمساً في عالمه السحري، وهو يتلذذ بما يشاهده ويسمعه لأوقات طويلة، وحتى وهو يمارس ضجيجاً صوتياً على باقي المرتادين للفضاء؛ بحيث يضطرك إلى سماع ما يسمعه غصبًا عنك، بل ويجعلك، رُغماً عنك، تنتقل معه من مقطع قصير إلى آخر، لدرجة تشعر معها بإرهاق ذهني من فرط تدفق المثيرات وتنوعها.
وهكذا، انتقلنا مع الثورة التكنولوجية، من ضجيج الصوت البشري إلى ضجيج الصوت الرقمي، دون أن تواكب سرعة انتشار الأدوات الرقمية ثقافة اجتماعية جديدة تنظّم حضورها في الفضاء العام.



#زكرياء_مزواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التعميرة: من الحس المشترك إلى بناء المفهوم
- المدرسة والحاجة إلى ثورة ثقافية في العصر الرقمي
- الباحث -الكانبو- والباحث -القافز-
- الكيان الصهيوني وتوافق المصالح الغربية
- وجدة: من مشروع مدينة عصرية إلى قرية كبيرة
- التعليم النافع والتعليم غير النافع
- نهاية الواعظ الديني وبداية المؤثر الاجتماعي
- في نقد مفهوم -المجتمع التراحمي-: المسيري نموذجاً
- مجتمع الكر... نحو نموذج تفسيري جديد
- البحث العلمي تحت مجهر الأنثروبولوجيا
- زمن المؤخرات السائلة
- الإسلام في تركيا: انطباعات أنثروبولوجية
- رحلة زاكي باشا أفندي البطولية إلى الديار الاسطنبولية
- المُثَقّفُ المنشود في رواية -عبد الرحمن والبحر- لخالد حاجي
- في ضيافة بيت العنكبوت: من بيت من وهن إلى بيت من زجاج
- الكَهْفُ الافتراضي: هل فكرنا يوماً في السوشيال ميديا أَمْ عَ ...
- الجنس البارد
- نوستالجيا -سيد لميلود-
- في الحاجة إلى تعليم ذكوري
- المدرسة والمتعلم وتزييف الوعي


المزيد.....




- البنتاغون يؤكد أنّ الحرب مع إيران أدت إلى نقص في الذخائر الأ ...
- قضية انفجار مرفأ بيروت.. النيابة العامة تطلب توجيه الاتهام ل ...
- -معلومات استخباراتية ودعم في التخطيط-.. مسؤول أمريكي يكشف دو ...
- اجتماع دولي في باريس لدعم الجيش اللبناني.. ما الذي ستبحثه ال ...
- ترامب يهاجم المحكمة العليا بعد قرارها بشأن التصويت عبر البري ...
- روسيا تنظم اقتراعا مبكرا في المناطق الأوكرانية المحتلة قبل ا ...
- الزيدي: العراق يتطلع إلى ألمانيا وفرنسا لتنويع مسارات صادرات ...
- نائب جمهوري يتقدم بإجراءات لعزل وزير الحرب
- وفد مصري -رفيع المستوى- يزور دمشق
- روسيا والسعودية تعززان التعاون في مجال الوقاية من الطوارئ وا ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكرياء مزواري - المقهى: من ضجيج البشر إلى ضجيج الهواتف