أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكرياء مزواري - التعميرة: من الحس المشترك إلى بناء المفهوم















المزيد.....

التعميرة: من الحس المشترك إلى بناء المفهوم


زكرياء مزواري

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في حوار ماتع، مع صديق خفيف الظّل وجميل الروح، شاءت الأقدار أن تنقله إلى بلاد الإفرنج بحثاً عن العمل وطلباً للخلاص الفردي. هناك، حيث كان يُمنّي النّفس بتشييد مستقبل يضمن له العيش الكريم، لم يكن يخطر في باله يوماً أن تتصدّع نظرته للعالم، جرّاء ما شاهده من اختلافات ثقافية بين موطنه الأصلي ومكان الإقامة.
سمحت له طبيعة عمله المؤقت كمرشد سياحي الانفتاح على مختلف أجناس العالم، والتفاعل المباشر مع نظرات ثقافية لها منظورات مختلف لأشكال تمثل الذات والواقع، الأمر الذي دفعه إلى وضع قناعاته بين قوسين، وتعليق كل أشكال الحكم من أجل الفهم.
فرض عليه عمله العودة إلى التاريخ، بغية استزادة معلوماته عن المواقع التاريخية والأثرية التي يزورها السياح، بعد أن كان يكره هذه المادة في بلاده الأم؛ نتيجة التشوه والتشويه الذي طالها في المقررات الدراسية. لكن، الذي لم يكن في حسبانه، أن الانفتاح على التاريخ من زاوية مقارنة (كيف كتب العرب تاريخ الأندلس وكيف كتبه غيرهم)، فتح وعيه على تعدد في النظر للحدث الواحد من زوايا متباينة، ثم الذي أصاب وعيه في مقتل، هو مدى هوس السياح خاصة من الطبقات المتوسطة وحتى البورجوازية بالتاريخ.
أمام هذا الجذب النفسي الذي كان يمزّقه من الداخل، ودون أن تكون له دراية بالسوسيولوجيا والانثروبولوجيا والفلسفة، بدأ يطرح أسئلة وجودية عميقة حول الوجود، والغاية من الأديان، والهدف النهائي من الحياة، ودور الرأسمال المادي والرمزي في خلق الفجوات بين الناس. كل هذه التساؤلات، أحدثت ثُقباً في خرسان معتقداته، وأفقدت سرديته التي كان يحملها المعنى.
وبعد حوار فيه أخذ ورد ومقارنة وسخرية من واقعنا ونمط حياتنا، أنهى صديقي كلامه بلفظ يجمع بين الحكمة والاختصار دون وعي مسبق به، وهو لفظ "التعميرة"، ولم يكن بذلك يدري أنه أنتج مفهوماً يحمل قوة تفسيرية عالية.
حين سمعت المفهوم ضحكت بقوة، وأعجبت أيّما إعجاب بهذا المفهوم المكثّف، وكأنّه ناولني مفتاحاً أفكّ به الواقع المستغلق، أو مِكْبَساً أضغط به الوقائع. نعم، صاحبي ليس له دراية بالمفهوم، ولا بأهميته وقدراته التفسيرية، فماذا يعني، إذا، هذا المفهوم؟
يستعمل لفظ "التعميرة" في الدارجة المغربية بكثرة، ويستخدم بمعان متنوعة حسب السياق الذي يوجد فيه. كما أنه لفظٌ يجد جذوره في اللغة العربية، ومشتق من الجدر ( ع م ر)، ومن الفعل عمّر الذي يفيد الملء والإدامة والإحياء، وأن صياغته الصرفية ليست غريبة عن العربية، فهي على وزن تفعيلة، مثل: تسعيرة، تغريدة...إلخ.
ومن معلوم أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوجه الآخر للفكر، أو بلغة استعارية يمكن القول إن اللغة هي وعاء الفكر. وبناء عليه، جاء اللّفظ الواصف الذي نحته صديقنا للتعبير عن أشكال الاختلاف الموجود في الذهنيات والتمثلات وأنماط السلوك بين المغاربة (وخاصةً المنتمون للطبقة الفقيرة والمتوسطة) والأجانب من الدول الأوروبية والغربية (وتحديداً الطبقة المتوسطة والعليا). ومن هنا، تتجلى طريقة اشتغال الذهن البشري في عملية الإدراك؛ وذلك حين يستعير ألفاظا من مجال مادي معلوم ويسقطها على مجال آخر غير معروف قصد الاستيعاب.
حين نتتبع الاستعمالات اليومية للفظ "التعميرة" في الدارجة المغربية، نلاحظ أنها تدور حول فكرة مركزية هي ملء الشيء بمادةٍ تُمكّنه من أداء وظيفته؛ كأن نقول "تعميرة القلم" للدلالة على المداد الذي يملأ به القلم حتى يكتب، و"تعميرة الطابعة" للدلالة على الحبر أو المادة التي تمكّنها من النسخ، و"تعميرة المكحلة" للدلالة على ملء البندقية التقليدية بالبارود حتى تصبح قادرة على إطلاق النار. وهكذا يبدو أن مفهوم التعميرة لا يحيل إلى مجرد عملية ملء مادية، بل كذلك إلى تزويد الشيء بما يحتاجه كي يؤدي الدور التي وُجد من أجله.
هذا الملء والتزويد بغرض أداء وظيفة معينة، سحبه صديقنا على الإنسان أيضاً، من خلال وصفه للاختلاف الحاصل في التمثل والسلوك بين أفراد وطنه الأم وبلدان الدول الأخرى، وإرجاعه إلى مسألة التعميرة. ومن هنا، يمكن الانتقال إلى مستوى أكثر تجريداً، والقول: إن تعميرة الإنسان بالمعنى الرمزي، تفيد كل أشكال التنشئة الاجتماعية التي يخضع لها الأفراد عن طريق مؤسسات الضبط، والتي بموجبها يعمل المجتمع على ملء أعضائه بمجموعة من القيم وأنماط السلوك التي تمكّنهم من الاندماج في النظام الاجتماعي وأداء الأدوار المتوقعة منهم.
وعلى هذا النحو، تتجاوز "تعميرة الإنسان" بُعدها التقني المتعلق بالملء والتزويد إلى بُعد آخر يكشف النظام الاجتماعي العام ويُجلّيه. وبذلك، يصير التساؤل في هذا المنطق الثاوي وراء السلوك مشروعاً من الناحية العلمية؛ لأنه يمكّن من فهم دوافع الفرد، وإدراك المعاني التي يضفيها على فعله الاجتماعي، ما دام عالقاً في شبكة من الرموز.
يتضح هنا، بعد عملية المفهمة هاته، أنّنا أمام مفهوم يتمتّع بقدرة تفسيرية؛ ما دامت حمولته منخرطة في قلب النقاش السوسيولوجي المتعلق بثنائية الفرد والمجتمع وطبيعة العلاقة القائمة بينهما. فهو يحمل في داخله توتراً تحليلياً مثمراً يربط بين البنية والفاعل؛ فمن جهة، يحيل على عملية الملء/التعميرة التي يقوم بها المجتمع للأفراد عن طريق مؤسسات التنشئة الاجتماعية، حيث يزودهم بمجموعة من الموارد المعرفية والقيمية والسلوكية والرمزية. ومن ناحية أخرى، يحيل على الكيفية التي يستند بها الفرد إلى هذا المخزون في توجيه أفعاله وممارساته الاجتماعية. ويمكن التمييز داخل التعميرة بين نوعين كبيرين؛ الأولى تعميرة أساسية وهي المخزون الأولي التي يكتسبه الفرد في مراحل حياته المبكرة، ويشكّل الإطار المرجعي الأول لفهم العالم، والثانية تعميرة ثانوية هي ما يكتسبه الفرد لاحقًا من موارد جديدة عبر مسارات الحياة المختلفة، دون أن تعني وجود قطيعة مع الأولى أو منفصلة عنها، بل قد تكون امتداداً لها أو تعديلاً جزئياً لمحتوياتها أو إعادة تأويل بعض عناصرها.
هذا الطابع الدينامي لمفهوم التعميرة، يمكّن من فهم السلوك الفردي دون فصله عن البنية الاجتماعية التي أسهمت في تشكيله، كما يتيح في الآن نفسه فهم التغير الاجتماعي باعتباره نتاجاً لقدرة الفاعلين على إعادة تأويل محتويات التعميرة وتعديلها وإعادة توظيفها في سياقات جديدة. وبهذا المعنى، يتجاوز المفهوم التصورات الحتمية والمغلقة لعملية نقل الثقافة من المجتمع إلى الفرد، ويبرز طابعها المفتوح والقابل لإعادة التشكيل والتأويل.



#زكرياء_مزواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المدرسة والحاجة إلى ثورة ثقافية في العصر الرقمي
- الباحث -الكانبو- والباحث -القافز-
- الكيان الصهيوني وتوافق المصالح الغربية
- وجدة: من مشروع مدينة عصرية إلى قرية كبيرة
- التعليم النافع والتعليم غير النافع
- نهاية الواعظ الديني وبداية المؤثر الاجتماعي
- في نقد مفهوم -المجتمع التراحمي-: المسيري نموذجاً
- مجتمع الكر... نحو نموذج تفسيري جديد
- البحث العلمي تحت مجهر الأنثروبولوجيا
- زمن المؤخرات السائلة
- الإسلام في تركيا: انطباعات أنثروبولوجية
- رحلة زاكي باشا أفندي البطولية إلى الديار الاسطنبولية
- المُثَقّفُ المنشود في رواية -عبد الرحمن والبحر- لخالد حاجي
- في ضيافة بيت العنكبوت: من بيت من وهن إلى بيت من زجاج
- الكَهْفُ الافتراضي: هل فكرنا يوماً في السوشيال ميديا أَمْ عَ ...
- الجنس البارد
- نوستالجيا -سيد لميلود-
- في الحاجة إلى تعليم ذكوري
- المدرسة والمتعلم وتزييف الوعي
- المدرسة سجن كبير


المزيد.....




- هيلاري كلينتون: ترشح جو بايدن لولاية ثانية كان خطأً فادحًا
- إيران تطلب انسحاب إسرائيل من لبنان كجزء من الاتفاق مع أمريكا ...
- سوريا وحزب الله في تصريحات لافتة لترامب: إشادة باتفاق إيران. ...
- الصليب الأحمر: ذروة إيبولا في الكونغو لم تُحسم بعد وجهود الم ...
- مسيّرات مفخخة وقنّاصة.. كيف أُحبط مخطط لاستهداف البيت الأبيض ...
- -حرب الذكاء الاصطناعي بدأت-.. انتقادات أوروبية لقيود إدارة ت ...
- المستشار الألماني يهدي ترامب قميص ألمانيا: -نحن في فريق واحد ...
- ترامب يوجه انتقادا شديد اللهجة لإسرائيل لتجاوزها كل الحدود ف ...
- وزير إسرائيلي يتعرض لأزمة قلبية
- لغة الجسد -تكشف المستور- عن بنيامين نتنياهو (فيديو)


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكرياء مزواري - التعميرة: من الحس المشترك إلى بناء المفهوم