أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - الفن بعين الطير (1)















المزيد.....

الفن بعين الطير (1)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 00:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أولًا: من عين الدودة إلى عين الطير
حين كتبتُ المقال السابق عن "الجمال بعين الدودة"، كنتُ أكتب عن يقينٍ لا يُراجَع: أن ثمة لحظاتٍ يُصعَق فيها الإنسان بالجميل قبل أن يستأذن عقله في ذلك، وأن هذا الصعق كافٍ بذاته، لا يحتاج تبريرًا ولا سندًا ولا نسبًا. الدودة لا تسأل التراب عن معنى التصاقها به؛ هي فيه، وكفى. وكذلك القلب حين يُباغَته الجمال: لا يسأل، بل يشهد. لكن الشهادة، مهما صدقت، ليست كل الحقيقة. فمن يظل حبيس لحظته، مهما بلغت من الصفاء، يعرف الوميض ولا يعرف المصباح؛ يعرف النغمة ولا يعرف اللحن الذي تنتمي إليه، يذوق اللحظة ولا يبصر العقل الذي صمّمها قبل أن تُصاغ صوتًا. الدودة، على صدق التصاقها، عمياء عن المعمار الذي تسكن ترابه.
فإذا كان الجمال يُعاش، فإن الفن يُفهَم. والفهم يحتاج ما لا تملكه الدودة: ارتفاعًا. يحتاج عينًا تترك التراب لا احتقارًا له، بل لتراه كما هو: نسقًا لا نقطة، تاريخًا لا لحظة، بناءً له أساسٌ وسقفٌ وغايةٌ.
فما يلي ليس تراجعًا عمّا قيل، بل صعودًا فوقه، ذلك أن الجمالَ حالٌ علويّ يُتطلَّع إليه من تحت بعين الدودة، والفنَّ صنعةٌ أرضية لا تتكشَّف تفاصيلُها إلا من فوق بعين الطير.
وكل ما يلي من هذا المقال إنما يُرصَد من ذلك الارتفاع: لا لحظات جمالية فردية، بل أنساقٌ وبنى وتواريخ وحضارات.
ثانيًا: حضور مفهوم الفن: تعريفان..الفن بعد الجمال
تعريف الجمال
الجمال، إذا أردنا له حدًّا مجردًا لا يستعير من الطبيعة ولا من الغيب، هو محمولٌ يُدرَك حدسيًا في موضوعٍ محسوس أو معقول، يثير في المدرِك ارتياحًا مباشرًا غير نفعي وغير مشروط بمفهوم مسبق، ناشئًا عن انسجامٍ أو تناسبٍ أو وحدةٍ في تنوّع يُدركها الذهن دفعة واحدة دون وساطة استدلال. إنه صفةٌ تُسأل عن موضوع: "هل هذا جميل؟" فيُجاب عليها من غير برهان.
تعريف الفن
الفن، في المقابل، ممارسةٌ قصدية يُنظَّم فيها وسيطٌ ما صوتٌ، حركةٌ، لغةٌ، مادةٌ وفق صورةٍ حاكمة وتقليدٍ معترف به ضمن ممارسةٍ تاريخية، بحيث يُنتج كيانًا يُقرأ داخل تلك الممارسة حاملًا لمعنى أو قيمة أو رؤية، بصرف النظر عن كونه مثيرًا للجمال أم لا. إنه لا يُسأل عن صفة، بل عن هوية: ما هذا الشيء، وأين موضعه من تقليده؟
المقارنة الثلاثية
يفترق المفهومان من ثلاث جهات لا تُخطئها عين مدقّقة. من جهة الموضوع، الجمال محمولٌ مطلق الانطباق يصح إسناده لأي شيء أيًّا كان جنسه، محسوسًا أو معقولًا، منتَجًا أو غير منتَج، بينما الفن فعاليةٌ محدودة النطاق بحكم انتمائها إلى ممارساتٍ متعينة تاريخيًا، فليس كل شيء قابلًا لأن يكون فنًا بنفس إطلاق قابليته لأن يكون جميلًا. ومن جهة الابستمولوجيا، معرفة الجمال حدسيةٌ شهودية آنية لا تُبنى بالاستدلال ولا تُنقل بالبرهان، بينما معرفة الفن تأويليةٌ استدلالية تراكمية تتطلب الإحاطة بالسياق والتقليد والقصد، وتقبل التصحيح والتعلّم. ومن جهة الأنطولوجيا، وجود الجمال وجودٌ عرَضي علائقي لا يقوم بذاته مستقلًا عن حاملٍ يحمله أو ذهنٍ يدركه، بينما وجود الفن وجودٌ كياني من نمط النوع والفرد: العمل الفني هويةٌ متعينة تعلو أي تجسيدٍ بعينه لها، كالسيمفونية التي تبقى واحدة رغم تعدد أدائها.
ثالثًا: سلّم الأسفل والأعلى
هذا الافتراق بين المفهومين ليس افتراقًا أفقيًا محايدًا، بل تراتبيةٌ قيمية عريقة في الفكر الإنساني. منذ أفلاطون، الأسفل عالم المحسوسات المتغيرة الفانية عالم الكون والفساد بتعبير الفلاسفة المسلمين وهو موطن الجمال المحسوس الذي يذبل كما يذبل الوجه ويشيخ، وتنتهي كما تنتهي القفلة اللحنية. والأعلى عالم الصور الثابتة الخالدة، وهو موطن الفن بوصفه شكلًا وقانونًا وبنية لا تفنى وإن فنيت نسخها المادية.
ويطابق هذا السلّمَ، في التراث الصوفي، سلّمُ النفس: النفس الأمّارة الغارقة في اللذة الحسية العاجلة، لا تسأل نفسها لماذا تأثرت، وهي مقام الدودة والجمال؛ والروح الصاعدة عبر مراتبها نحو مشاهدة الحق، وهي مقام الطير الذي يرمز في التراث الإسلامي إلى صعود الروح إلى بارئها. وقد ميّز الغزالي في آداب السماع بين من يسمع بنفسه فيطرب جسدًا، ومن يسمع بقلبه فيذكر ربًّا.
وتطبيقًا في الموسيقى، يتجلى هذا السلّم في الفارق بين الطرب الجسدي المباشر — القشعريرة والبكاء عند القفلة، حالٌ لا يسأل نفسه عن سببه وبين التأمل في العمل كنظام: كيف يعكس تصميم المقامات نظامًا رياضيًا وروحيًا، فيصير سماع اللحن مناسبةً لتذكّر نظامٍ أكبر لا مجرد إشباعٍ حسيّ عابر.
وقد لا يكون الطير نفسه أعلى ما يمكن أن يُرى منه؛ فالسلّم، كما سنكتشف، له درجاتٌ لم نبلغها بعد.
رابعًا: خمسة أسئلة عن الفن
وهذه الأسئلة الخمسة، وإن صيغت بلغة العصر، تكاد تكون صدى معدَّلًا لتقسيم أرسطي عريق للعلل: فالنشأة تقارب العلة الفاعلة ما الذي أحدث الفن؟ والوجود يقارب العلة الصورية ما ماهيته؟ والوظيفة تقارب "العلة الغائية" لأي غرض؟ فكأن الفكر الإنساني، مهما تجدد لسانه، يعود إلى ذات المفاصل القديمة ليسائل بها كل شيءٍ جديد.
في النشأة
فلننظر أولًا من هذا العلو إلى جذر الفن نفسه: من أين جاء؟ رأى أرسطو فيه غريزة تقليدٍ فطرية، ورأى شيلر وكانط فيه فائض طاقةٍ حيوية يتحرر من قيد الحاجة المباشرة فيصير لعبًا حرًّا، ورأى فريزر أصله في الطقوس السحرية إذ كانت رسوم الكهوف سحر صيدٍ قبل أن تكون تعبيرًا جماليًا، ورأى كارل بوخر أن الإيقاع والغناء نشآ من تناغم الحركة الجماعية في العمل الشاق، ورأى داروين في الزخرفة والغناء استعراضًا للياقة التناسلية كريش الطاووس. وكل هذه الأصول، على تباينها، لا تُرى دفعة واحدة إلا من فوق؛ فالدودة تعيش الفن، ولا تسأل يومًا من أين أتى.
في الوجود
ما نمط وجود العمل الفني؟ ترى الشكلانية أنه علاقاتٌ صورية مجردة قائمة بذاتها، وترى سوزان لانجر أنه صورةٌ رمزية للانفعال لا الانفعال ذاته، ويرى رومان إنغاردن أنه طبقاتٌ قصدية الصوت المادي، والمعنى، والعالم المتخيَّل لا شيئًا ماديًا محضًا؛ وهذا بالغ الأهمية للموسيقى، فالقطعة الموسيقية ليست النوتة المكتوبة ولا الأداء الفعلي بمفرده، بل ما بينهما. ومن هنا ميّز نيلسون غودمان بين فنونٍ "توقيعية" كاللوحة، حيث الأصل وحده أصيل ولا يُستنسَخ بلا تزوير، وفنونٍ "غير توقيعية" كالموسيقى، حيث كل أداءٍ مطابقٍ للنوتة أصيلٌ بنفس القدر، فلا معنى لـ"تزوير" أداءٍ صحيح: يمكن أن توجد آلاف التسجيلات الأصيلة للحنٍ واحد، بخلاف لوحةٍ لا تحتمل إلا أصلًا واحدًا. وهذا التمييز نفسه لا يظهر لمن يستمع بعين الدودة إلى أداءٍ واحد؛ إنما يظهر حين نرتفع لنرى العمل كنوعٍ يعلو كل أفراده.
في التطور
وإذا كان الوجود سؤال لحظة، فالتطور سؤال زمنٍ طويل لا تراه إلا عينٌ تحلّق فوق القرون لا فوق العمل الواحد. كيف يتحول الفن عبر التاريخ؟ رأى هيغل تطورًا جدليًّا من الفن الرمزي إلى الكلاسيكي إلى الرومانسي، وصولًا إلى أطروحته عن نهاية الفن حين تتجاوزه الفلسفة كوعاءٍ أرقى للروح. ورأى ابن خلدون أن الصنائع، ومنها الفنون، تنشأ وتزدهر مع فائض العمران وتضمحل بضمور العمران. ورأى فالتر بنيامين أن العمل الفني، في عصر إعادة الإنتاج الآلي، يفقد هالته الفريدة ويتحول من طقسٍ إلى عرض.
ولم يتوقف هذا التحول عند بنيامين. رأى جان فرانسوا ليوتار أن الحالة ما بعد الحداثية فقدانٌ للثقة في السرديات الكبرى التي كانت تمنح الفن غايةً موحَّدة تقدمًا، أو خلاصًا، أو كشفًا عن حقيقةٍ كلية فحلّ محلها تشظٍّ وتعدديةٌ لا مرجع أعلى لها. ورأى جان بودريار أن الصورة في هذا العصر تحرَّرت من أي أصلٍ تحاكيه، فصارت محاكاة بلا نموذج تشير إليه أصلًا؛ وبنى فريدريك جيمسون على ذلك تشخيصًا لِما بعد الحداثة بوصفها استعادةً ساخرة لأنماط الماضي لا تجاوزًا خلّاقًا لها، أي أن الفن، في لحظةٍ ما، توقف عن أن يبتكر أشكالًا جديدة واكتفى بإعادة تدوير أشكاله القديمة بلا سذاجةٍ ولا يقين.
وماذا بعد ما بعد الحداثة؟ يرى بعض النقاد المعاصرين (فيرميولن وفان دن أكر) أننا ندخل طورًا ما بعد ما بعد حداثي يتأرجح بين إخلاص الحداثة الساذج وسخرية ما بعد الحداثة العدمية، فيسمح للفن أن يعني شيئًا من جديد دون أن ينسى أنه يعرف حدود ذلك المعنى. وتزيد الفنون التوليدية بالذكاء الاصطناعي هذا السؤال حدّةً: إذا كانت لوحة(توقيعية) بتعبير غودمان، فمن الموقِّع حين يرسمها خوارزميةٌ لا يدٌ بشرية؟ سؤالٌ لم يخطر لغودمان نفسه حين وضع تمييزه، ويكشف أن حتى أدوات تحليلنا القديمة قد تحتاج ارتفاعًا جديدًا لم نبلغه بعد. ولعل أقرب تسميةٍ له، استعارةً من ميكانيكا الكم، أن نسمّيه "عينًا تشاركية كمومية": فكما لا تتحدد حالة الجسيم إلا بفعل الرصد ذاته، لا "يوقّع" العمل التوليدي أحدٌ قبل لحظة التلقي؛ يبقى العمل احتمالًا معلَّقًا حتى يتفاعل معه متلقٍّ بعينه فيُشارك في انهياره إلى معنًى محدد لا يكتشف المعنى فحسب، بل يُشارك في صنعه، كما يلتقي هنا صدًى غير متوقَّع بين فيزياء الكم و(موت المؤلف) عند رولان بارت.
في الحاجة
هنا وحدها تعود الدودة إلى الحديث بلسانها: لماذا يحتاج الإنسان الفن أصلًا؟ عند أرسطو، للتطهير من فائض الانفعال. وعند شوبنهاور، للتحرر المؤقت من عذاب (الإرادة) العمياء المحركة للوجود، وأعلى صورِ هذا التحرر عنده الموسيقى. وعند نيتشه، لكي لا نهلك من فرط الحقيقة، فالفن قناعٌ جميل يحتمل به الوعي رعب الفوضى، في ثنائيته الأبولونية الديونيزية. وعند الصوفية، لإيقاظ ذكرى العهد الأزلي المنسية في غفلة الجسد. فالحاجة، خلافًا للنشأة والتطور، تُحَسّ من الداخل قبل أن تُشرح من فوق.
في الوظيفة
ماذا يفعل الفن في المتلقي والمجتمع؟ عند أفلاطون وظيفةٌ أخلاقية سلبية مفسدة للنفوس، وعند تولستوي وظيفةٌ أخلاقية إيجابية ناشرة للأخوة الإنسانية. وعند هايدغر وظيفةٌ معرفية وجودية، إذ العمل الفني يكشف الحقيقة بدل أن يمثّلها. وعند أدورنو وظيفةٌ نقدية مقاومة، إذ يحافظ الفن الأصيل على مسافةٍ من التسليع. وعند الصوفية وظيفةٌ توسّطية، إذ السماع طريقٌ ومقامٌ يقرّب السالك من الحضرة، لا مجرد متعةٍ جمالية. وهذه الوظيفة الأخيرة تحديدًا تُخرجنا من دائرة الفرد إلى دائرة أوسع: فما يفعله الفن بقلبٍ واحد، قد يفعله بمصير حضارةٍ بأكملها.
البعد الأخلاقي: أيُحكم على الفن بمعيارين؟
وما دام الحديث قد بلغ أفلاطون وتولستوي، فلا مفرّ من مواجهة سؤالٍ أرجآه كلاهما ولم يحسماه: هل تُحاكَم القيمة الجمالية للعمل بمعزلٍ عن قيمته الأخلاقية، أم أن الحكمين يتلازمان ولا ينفصلان؟ يذهب أصحاب (الاستقلالية الأخلاقية) إلى أن المجالين منفصلان تمام الانفصال، فلا يُسأل الجمال عن أخلاق، وهذا امتدادٌ منطقي لموقف (الفن للفن) الذي سنلقاه بعد قليل. ويذهب (الأخلاقويون) الصارمون، في امتدادٍ لموقف أفلاطون، إلى أن كل عيبٍ خُلقي في العمل عيبٌ جمالي فيه بالضرورة. ويقف بينهما موقفٌ أكثر اعتدالًا، عند بيريس غوت ونويل كارول، يرى أن القيمة الأخلاقية قد تُسهم في القيمة الجمالية أو تنتقص منها في حالاتٍ بعينها، دون أن تكون المعيار الوحيد ولا معيارًا غائبًا بالكلية.
ولا مثال يفرض هذا السؤال بحدّةٍ كفيلم (انتصار الإرادة) لليني ريفنشتال: تحفةٌ سينمائية بإجماع النقاد من حيث الإتقان التقني والتأثير البصري، وفي الوقت ذاته دعايةٌ نازية صريحة. أيمكن أن يكون العمل جميلًا فنيًّا وشريرًا أخلاقيًّا معًا دون تناقض؟ سؤالٌ يتجدد اليوم كلما اكتُشفت فضيحةٌ أخلاقية لفنانٍ بعد شهرة عمله، فيُسأل الجمهور: هل نفصل العمل عن صاحبه، أم يُدين الصانع صنعته بأثرٍ رجعي؟
الفن للفن، أم الفن للناس؟
لكن قبل أن نُسلِّم بأن للفن وظيفةً أصلًا، يجب أن نُصغي إلى من أنكر عليه أي وظيفةٍ من هذا القبيل. نادى تيوفيل غوتييه، ثم أوسكار وايلد من بعده، بـالفن للفن: عملٌ لا يُدين لشيءٍ خارج نفسه، لا للأخلاق ولا للمجتمع ولا حتى للحقيقة، بل غايته الوحيدة كماله الخاص؛ حتى أعلن وايلد أن لا كتاب أخلاقيًّا ولا لا-أخلاقيًّا، بل كتبٌ مكتوبةٌ بإتقانٍ أو بسوء. ويتجلى هذا الموقف تشكيليًّا في تجريدية مارك روثكو، التي تأبى أن تقول شيئًا خارج علاقات اللون والمساحة ذاتها، وموسيقيًّا في فن الفوغة عند باخ، بناءٌ صوريٌّ محض يكتمل بمنطقه الداخلي بمعزل عن أي رسالة يحملها.
وفي الطرف المقابل تمامًا وقف سارتر بدعوته إلى (الأدب الملتزم)، وبريخت بمسرحه الملحمي الذي صُمِّم عمدًا ليقظ الجمهور لا ليخدّره، وريفيرا برسمه على جدران الشارع لا في صالات لا يدخلها إلا القلة. وفي السينما، مثّل آيزنشتاين في (المدرعة بوتمكين) ذروة هذا الالتزام، إذ سخّر المونتاج السينمائي أداةً لتحريك الجماهير سياسيًّا لا لإمتاعها تأمليًّا، على عكس تاركوفسكي الذي جعل الكاميرا عينًا تأملية صرفة لا تخدم قضيةً بقدر ما تُطيل النظر في الزمن والذاكرة لذاتهما. جميع هؤلاء يرون أن فنًّا ينعزل عن الناس وقضاياهم إنما يخون غايته الحقيقية، لا يحقق نقاءً يستحق الثناء.
فالخلاف هنا ليس خلافًا في تحديد وظيفة الفن، بل خلافٌ أسبق من ذلك: هل يحقّ للفن أصلًا أن يُسأل عن وظيفة، أم أن مجرد توجيه هذا السؤال إليه اعتداءٌ على حريته؟ سؤالٌ يحمل في طياته توترًا سنعود إليه حين نتحدث عن الفن ودوره الحضاري، إذ يفترض ذلك الدور ضمنًا أن للفن غايةً تتجاوزه، وهو الافتراض ذاته الذي يرفضه دعاة (الفن للفن) من أساسه.
خامسًا: أهداف الفن ودوره الحضاري
وإذا كانت الوظيفة في القسم السابق قد فتحت البابَ من الفرد إلى الجماعة، فهذا القسم يمرّ من ذلك الباب ليقف على الدرجتين معًا: أهداف الفن حين ينظر إليه المرء وحده، وأهدافه حين تنظر إليه حضارةٌ بأكملها من فوق. وهنا بالذات يعود التوتر الذي أرجأناه: فكل ما سيلي من أدوارٍ حضارية للفن يفترض ضمنًا أن له غايةً تتجاوز ذاته، وهو ما يرفضه دعاة "الفن للفن" من حيث المبدأ؛ فلنقرأ ما يلي إذن قراءةً مشروطة، لا مسلَّمة: هذا ما يحدث للفن إن قَبِلَ أن يُسأل عن وظيفة، لا برهانًا على أنه ملزَمٌ بالقبول.
المستوى الفردي
للفن، على مستوى الفرد، أهدافٌ تتقاطع مع أسئلة الحاجة والوظيفة وتزيدها تعيينًا: التطهير الأرسطي، والكشف الهايدغري، والتعبير الوجداني عند تولستوي وكولينجوود، والتأمل الشوبنهاوري المُنعتِق، واللعب الحر الكانطي الذي يفعّل ملكات الذهن بلا غاية نفعية فيجعل الإنسان، بتعبير شيلر، إنسانًا كاملًا، والمقام الروحي في السماع الصوفي حيث الفن طريق تقريبٍ من الحضرة لا متعة حسية.
المستوى الحضاري
غير أن أثر الفن لا يقف عند الفرد. فعند ابن خلدون، ازدهار الصنائع والفنون أو ذبولها مقياسٌ تشخيصي لنبض الحضارة ذاتها، لا ظاهرةٌ مستقلة عنها. وعند هيغل، الفن أحد الأشكال الثلاثة مع الدين والفلسفة — التي يعي بها (الروح) ذاته في كل عصر، فكل حضارة تُنتج نمطها الفني الخاص تجليًا لمرحلة وعيها. وعند أوسفالد شبنجلر، لكل حضارة (رمزٌ أوليّ) يُنتج نمطها الفني المميز، يُولد وينضج ويموت مع دورة حياتها، فلا يُستعار نمطٌ فني من حضارةٍ إلى أخرى بمعزل عن روحها. وعند دوركايم، الفنون الأدائية الجماعية تُنتج غليانًا جمعيًّا يوحّد الجماعة ويصنع هويتها. وعند توينبي، الفن أحد أبرز إنجازات الحضارة في مواجهة تحدياتها الوجودية. وفي العمارة والخط الإسلاميين، يُحفَظ الفن الهندسي ذاكرةً حضارية مجسَّدة تفوق عمر أي فردٍ أو دولة.
شاهدٌ من فوق: الفن كوني ثقافي
وحين نرتفع بعين الطير لنقارن الحضارات كلها من فوق، لا حضارةً واحدة بعينها، نجد الفن حاضرًا في كل واحدةٍ منها بلا استثناء موثَّق. وضعه عالم الأنثروبولوجيا جورج مردوك في قائمته (للكونيات الثقافية) جنبًا إلى جنب مع اللغة والدين والقرابة، ودرسه ألفرد كروبر بوصفه نسقًا يبلغ ذروته مع كل حضارة علامةً على نضجها. فغياب الفن عن مجتمعٍ بشري لم يُسجَّل قط.
مماحكة نقدية : ركنٌ أم عرَض؟
غير أن هذا شبه الإجماع لا يخلو من تحفظٍ منهجي يستحق أن يُذكر لا أن يُطوى: يرى التيار الماركسي المدرسي أن الفن بنيةٌ فوقية مشتقة من علاقات الإنتاج الاقتصادية، وليس عنصرًا تأسيسيًا مستقلًا كالدين أو الاقتصاد، بل انعكاسًا لهما. فحتى داخل الإجماع على أن لاوجود حضارة بلا فنون، يبقى سؤالٌ مفتوح: هل ان الفن ركنٌ من أركان الحضارة بذاته، أم عرَضٌ ناتجٌ عن أركانٍ أعمق منه؟
وسؤالٌ آخر يعود بالمساءلة على هذا القسم نفسه: إذا كان شبنجلر محقًّا في أن كل حضارة تُنتج نمطها الذي يموت بموتها، فكيف نفسّر تأثرًا جماليًّا موثَّقًا يعبر الحضارات فعلًا، حين يتأثر متلقٍّ بموسيقى لم يألف تقليدها إطلاقًا؟ وإذا صحّ هذا التأثر العابر، فهل (عين الطير) التي نستعملها في هذا المقال كله عينٌ عابرة للحضارات حقًّا، أم هي عين حضارةٍ بعينها — فلسفةٌ غالبها غربي — تنظر من فوق وتظن نفسها محايدة؟ سؤالٌ لا نملك حسمه هنا، لكن الأمانة تقتضي طرحه لا طيّه.
تطبيقٌ موسيقي وصوفي
يعد تزامن ازدهار نظرية المقامات وتدوينها عند الكندي والفارابي وإخوان الصفا حرفيًّا مع ذروة الازدهار العباسي وبيت الحكمة، شاهد مباشرعلى أطروحة ابن خلدون. وكان الموشح الأندلسي رمزًا أوليًّا وُلد من التقاء حضاريٍّ فريد ومات فعليًا بسقوط الحضارة التي أنتجته. وتُجسِّد مجالس السماع الصوفي الجماعية أطروحة دوركايم في التماسك الجمعي: وجدٌ جماعي في حضرة الذكر يصنع رابطةً تفوق أي تذوقٍ فردي للحن بعينه.
في الجزء الثاني من هذا المقال سينظر الى قضايا الفن بمنظورين مختلفين :أحدهما سماوي علوي يرتفع على الطير وآخر كوني كمومي تشابكي يناغم ويستشرف زمانا غير ما نحن فيه..



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجمال بعين الدودة
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- أثر الحجر
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد


المزيد.....




- آلاف السوريين في الأردن يتقدمون بطلبات زيارة إلى سوريا والعو ...
- استهداف روسي لقطارات تنقل سلاح أوروبي لأوكرانيا
- استبعاد المغني الأمريكي ماكلمور من جولة إد شيران الغنائية بع ...
- الحوثيون يرفعون أسعار الوقود بنحو 21% بشمال اليمن
- ألمانيا.. مصرع 3 أشخاص جراء سقوط طائرة
- قمة الإعلام العربي 2026 تنطلق غدا في دبي والشرع متحدثا رئيسي ...
- المهرجان الدولي للشباب يناقش اندماج الطلاب الأجانب في روسيا ...
- ما بين المخاطر و-إثارة المخاوف-.. هل يشعل الذكاء الاصطناعي - ...
- الانتخابات التشريعية 2026: تتغير الواجهات ويستمر الاستبداد و ...
- فازوا بالمنح وحاصرتهم السياسة.. قصة 13 طالبا من غزة ترفض بلج ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - الفن بعين الطير (1)