|
|
الجمال بعين الدودة
حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 17:06
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تمهيد: لن أفصل في العنوان بل ساترك للقارئ فضاء" واسعا منذ البداية للتأمل والحركة ..فقط المح الى ان مصطلح عين الدودة يقابل مصطلح عين الطير... قبل أن يصبح الجمال مفهوما.... قبل أن يعرف الإنسان أن ثمة شيئاً اسمه الجمال، كان قد عاشه. لقد كانت الدهشة أقدم من المفهوم، والانفعال أسبق من التعريف، والمشاهدة سبقت الحكم. وأمام السماء،والماء،والنار،والجسد،والصوت، والحيوان، والشجرة، والليل امام كل ذلك وتلك لم يكن الإنسان الأول يملك بعدُ نظاما مفاهيمياً يفصل بين ما هو جميل وما هو مقدس وما هو نافع او مخيف. كانت الأشياء تدخل في تجربة واحدة، وكانت الطبيعة حينذاك سكنا امينا مرة وخوفا مرة اخرى وقوةً ثالثة وربما اشارة حينا آخر هذا يعني ان تاريخ الجمال لا يبدأ عندما قال الإنسان: هذا جميل، وإنما بدأ قبل ذلك بكثير في اللحظة التي صار فيها شيء من العالم أكثر استحقاقاً للانتباه من سواه وهنا تبدو صعوبة ادراك الجمال، فالكلمة تستخدم بسهولة شديدة، لكن محاولة الإمساك بمعناها تتسع على الافهام والرؤوس .الجميل قد يكون في شكل هندسي، أو وجه إنساني، أو قصيدة، أو لحن، أو منظر طبيعي، أو فعل أخلاقي، أو حتى في معادلة رياضية. وقد يكون حزيناً، بل إن بعض أعظم التجارب الجمالية التي صنعها الإنسان ترتبط بالموت والخسران والخراب وحتى الفناء، لهذا ربما لم يعد السؤال المنتج : ما الجمال ؟ فالسؤال، بصيغته التعريفية، يفترض أن انه شيء يمكن عزله والإشارة إليه كما نشير إلى مادة أو خاصية معينة ،أما الجمال، فيبدو أقرب إلى حدث يقع بين العالم والإنسان، بين ما هو موجود وما يظهر لنا، بين الشيء وطريقة حضوره في الوعي هذه هي البداية.. أولاً: خروج الجمال من الأشياء إلى الوعي :الجميل بوصفه نظاماً كونياً لم يكن ظهور التفكير الفلسفي في الجمال مجرد إضافة موضوع جديد إلى قائمة الموضوعات الفلسفية، لقد كان جزءاً من التحول الأكبر الذي نقل الإنسان من التساؤل عن الظواهر إلى التساؤل عن النظام الذي يجعل الظواهر ممكنة وفي الفكر اليوناني، ارتبط الجميل بالتناسب والتناغم والتناسب وربما التناظر، والوحدة والاكتمال. لم يكن الشيء جميلاً لأنه يسر العين فحسب، بل لأن أجزاءه تدخل في علاقة تجعل الكل قابلاً للإدراك بوصفه وحدة، وهنا يظهر أفلاطون بوصفه لإحدى أهم نقاط الانعطاف في تاريخ الفكرة ،فالجمال المحسوس عنده لا يستنفد معنى الجمال إنه قد يكون بداية صعود من الجزئي إلى الكلي، ومن الصورة العابرة إلى ما يتجاوزها. والجميل الذي يظهر في الأشياء لا يغلق السؤال، بل يفتحه على ما هو أعمق من الأشياء وهكذا أخذ الجمال لأول مرة تقريباً وظيفة فلسفية تتجاوز المتعة: أصبح طريقاً نحو الحقيقة ، أما أرسطو فقد أعاد الجمال بدرجة أكبر إلى بنية الأشياء والأعمال ذاتها، حيث الوحدة والتناسب والاكتمال والترتيب. وفي الفن لا تصبح المحاكاة مجرد نسخ للواقع، وإنما إعادة تنظيم له تسمح برؤية ما قد لا يظهر في الوقائع المتناثرة في هذه النقطة ومنها اصبح السؤال الاساسي الذي يسكن التفكير الجمالي هو: هل ان الجمال يكمن في العالم، أم أن الفن والعقل يضيفان إليه ما يجعله قابلاً للظهور؟ ان الكلام عن الجمال في معزل عن الفن ليس واردا بشكل عام لكن هذا المقال يهتم بتشريح الجمال كقيمة فلسفية..اما الفن فربما سيتم تناوله من منظور خاص في مناسبة اخرى ..هذا السؤال القديم سيظل حياً، وإن تغيرت لغته، حتى يصل في عصرنا إلى الذكاء الاصطناعي الجمال في أفق الواحد والكمال مع أفلوطين يتجاوز الجمال فكرة التناسب الخارجي بين أجزاء الشيء. فالجمال يتصل بما يجعل الكثرة قابلة لأن تظهر في صورة واحدة، وبما يجعل المحسوس قابلاً لأن يدل على ما يتجاوزه. ثم دخل الجمال في أفق ديني ولاهوتي وفلسفي واسع خلال العصور الوسطى، حيث ارتبط بالكمال والنظام والخير والخلق. وفي الفكر الإسلامي، لم يكن الجمال موضوعاً منعزلاً عن أسئلة الوجود والكمال والعقل والنفس. ظهرت عند الفارابي وابن سينا وغيرهما تصورات مختلفة تتصل بالكمال والنظام والوجود، بينما اتخذ الجمال في بعض المسارات الصوفية بعداً آخر، فأصبح المحسوس علامة على معنى أعمق، والظاهر نافذة إلى الباطن وهنا يتغير موقع الجمال مرة أخرى لم يعد الجمال مجرد خاصية في الأشياء، وإنما أصبح علامة على بنية أعمق للوجود. فالإنسان لا يرى الوردة جميلة فحسب، بل قد يرى في جمالها شيئاً يتجاوزها. وقد يرى في تناسق العالم أثراً لنظام سابق على إدراكه، لكن الحداثة ستقلب هذا الاتجاه فبدلاً من السؤال عن النظام الكامن وراء الجميل، ستبدأ الفلسفة بالسؤال عن الإنسان الذي يحكم على الشيء بأنه جميل ثانياً: العين والعالم.. ولادة الحكم الجمالي يعد باومغارتن ( عاش في القرن الثامن عشر) محطة حاسمة عندما ساهم في تأسيس علم الجمال بوصفه مجالاً فلسفياً مستقلاً. لم يعد الجمال موضوعاً عرضياً في فلسفات الوجود والمعرفة، بل صار له مجاله الخاص ثم جاء كانط ليعيد ترتيب المسألة من الداخل،فالجمال عنده لا يُفهم فقط من خلال خصائص الموضوع، بل من خلال تجربة الحكم عليه. وهنا انتقل مركز الثقل من الشيء إلى العلاقة بين الشيء والذات. ان هذه النقلة كانت عميقة؛ لأنها جعلت الوعي جزءاً من المسألة الجمالية نفسها. لم يعد السؤال فقط: ما الذي في الشيء يجعله جميلاً؟ انما أصبح السؤال عن الشروط التي تجعل الحكم الجمالي ممكنا وهكذا بدأ الجمال يخرج من الشيء وحده ويدخل إلى منطقة الوعي بين الشيء والعين العين ليست نافذة محايدة يمر العالم من خلالها الإدراك ، بل في ذلك عملية معقدة تتداخل فيها الحواس والجهاز العصبي والانتباه والذاكرة والتوقع والخبرة. وما نراه لا يصل إلينا عارياً من كل سياق، بل يدخل في شبكة من المعاني السابقة وهذا لا يعني أن العالم مجرد اختراع للوعي، كما لا يعني أن الوعي مرآة سلبية للعالم لكنه يعني أن الجمال قد ينشأ في المسافة بين الاثنين فاللوحة تمتلك ألواناً وأشكالاً وتكويناً مادياً، لكن جمالها ليس مادة مستقلة يمكن فصلها عن التجربة التي تجعل تلك العناصر ذات دلالة. وكذلك الموسيقى ليست مجرد ذبذبات فيزيائية؛ إنها أصوات منظمة تدخل في الذاكرة والانفعال والتوقع ومن هنا يصبح الإدراك الجمالي أكثر من استقبال حسي إنه انتباه، وذاكرة، وإحساس، وخيال، وتأويل ولهذا يستطيع الإنسان أن يرى في الشيء الواحد جمالاً لم يره فيه بالأمس، لا لأن الشيء تغير بالضرورة، بل لأن العين التي تنظر إليه قد تغيرت ثالثاً: من المتعة إلى القيمة. الجمال خارج حدود اللذة كان من الممكن أن ينتهي علم الجمال بسهولة لو كان الجميل هو ما يمنح المتعة لكن التجربة الإنسانية تقاوم هذا الاختزال فقد يكون الحزن جميلاً، والمأساة عظيمة، والخراب مثيراً للتأمل، والوجه المتقدم في العمر أكثر تأثيراً من وجه يطابق معايير الشباب وقد تكون الموسيقى مؤلمة، ومع ذلك لا تفقد قدرتها على أن تكون جميلة، إذن فالجمال لا يساوي المتعة، إنه قد يمنح التجربة كثافة ومعنى، وقد يحمل التوقف أمام شيء لمجرد أنه يستحق أن يُرى هنا يصبح الجمال قريباً من الحقيقة دون أن يصبح حقيقة علمية، وقريباً من المعنى دون أن يتحول إلى مفهوم الجمال والخير كانت هناك قرابة قديمة بين الجميل والخير والحقيقة، لكن الإنسان الحديث تعلم أن هذه الثلاثة لا تتطابق، فيمكن أن يكون العمل الفني جميلاً وصاحبه غير فاضل، ويمكن أن يكون الفعل أخلاقياً من دون أن يكون جميلاً بالمعنى الحسي ومع ذلك تبقى هناك منطقة تلتقي فيها القيم ، فالشجاعة والرحمة والتضحية والوفاء توصف أحياناً بأنها (جميلة)، لا لأنها تطابق معياراً شكلياً، بل لأنها تكشف عن صورة من التناسق بين الإنسان وما يؤمن به. إنها جمالية الفعل وليس جمال المظهر. الجليل وتجاوز الصورة هناك تجارب لا تكفيها كلمة (جميل)، مثلا : العاصفة، والبحر الهائج، والسماء اللامتناهية، والصحراء، والجبال، والفضاء الكوني؛ قد تثير إحساساً يتجاوز الانسجام والراحة .إنها تقود إلى مفهوم الجليل، حيث يصبح الإنسان واعياً بعظمة أو قوة أو اتساع لا تستطيع الصورة العادية احتواءه وهنا تظهر حدود الجمال التقليدي فالعالم ليس جميلاً بالطريقة ذاتها التي يرغب فيها الانسان في جميع الاحيان ، ليكون أعظم من أن يختزل في الجميل رابعاً: المرآة والصورة الطبيعة بوصفها المشهد الأول ،قبل أن يبني الإنسان البدائي كان لديه السماء وقبل أن يرسم اللوحة كانت لديه الجبال وقبل أن يؤلف الموسيقى كان لديه صوت المطر والريح والطيور،لكن الطبيعة لم تكن بالنسبة إلى الإنسان الأول مجرد مجموعة من الظواهر، لقد كانت مشبعة بالمعنى. فالأسطورة لم تكن تفسيراً للكون فقط، وإنما كانت طريقة لرؤية الكون ايضا. وهكذا بدأ الإنسان، منذ وقت مبكر، لا يكتفي برؤية العالم، انما يعيد تأويله. العلم وإعادة تشكيل الدهشة مع العلم الحديث تراجعت كثير من التفسيرات الأسطورية، وأصبح العالم قابلاً للوصف الرياضي والتجريبي ،لكن نزع السحر القديم لم يؤد بالضرورة إلى نزع الدهشة فتنامي المعرفة العلمية شيء وتمكن السحر من الفعل شيء اخر فالمجرة التي نعرف الآن عمرها ومسافتها وبنيتها قد تكون أكثر إثارة للدهشة من المجرة التي كان الإنسان القديم يحيطها بالأسطورة، فالعلم لا يقتل الدهشة دائماً؛ أحياناً ينقلها من المجهول إلى المعروف، ومن الخرافة إلى التعقيد. وهذا يعني ان السؤال الجمالي سيصبح أكثر اتساعاً: ربما كان في المعرفة العلمية نفسها نوع من الجمال، ليس ذلك لأن الحقيقة العلمية جميلة بالمعنى الحسي، وإنما لأن العقل يختبر أحياناً متعة خاصة عندما يكتشف انتظاماً عميقاً في ظاهرة شديدة التعقيد. الفن بين المحاكاة وإعادة الخلق.. الفنان لا ينسخ العالم. إنه يختار منه يحذف، ويضخم، ويكسر، ويعيد الترتيب، ويضع الضوء في مكان، والظل في مكان آخر.حتى أكثر الأعمال واقعية ليست الواقع نفسه ،ولهذا يمكن للفن أن يكون طريقة أخرى للمعرفة؛ ليس لأنه يقدم معلومات أكثر، انما لأنه يغير طريقة ظهور الأشياء ،فالفن يجعل المألوف غريباً أحياناً، والغريب مألوفاً، ويمنحنا فرصة أن نرى ما كنا نظنه معروفاً كما لو أننا نراه للمرة الأولى. لابأس من تكرار القول بان الجمال هو صفة الفن والته وربما هدفه، لكن هذا المقال ليس جزءا من ساعته او ساحته، فلربما افردنا فيه وله مساحة تناسب شأنه وقدره في مقال اخر ارجو ان يكون قريبا. اللغة حين تصبح صورة في الشعر، لا تبقى الكلمة مجرد حامل للفكرة صوتها وإيقاعها وموقعها وعلاقتها بالكلمات الأخرى تصبح جزءاً من المعنى والشاعر لا يخبرنا فقط عن العالم، إنه قد يعيد بناء علاقتنا به، ولهذا لا يكون الجمال في اللغة زينة تضاف إلى المعنى، لكنه قد يكون أحد الشروط التي يتكون بها المعنى نفسه خامساً: القبح في قلب التجربة الجمالية ..انهيار الانموذج الجميل كان يمكن تصور الجمال والقبح كنقيضين واضحين: نظام وفوضى، تناسب وتشوه، حياة وموتلكن الفن الحديث مزق هذا الفصل دخلت إلى الفن موضوعات الألم والمرض والخراب والعنف والموت، لا لكي يجري خفاؤها تحت طبقة من التجميل، وإنما لكي تظهر للحضور والعيان وهنا أصبح القبح كاشفا ًمن حيث انه لا ينافس الجمال على مكانه، بل يكشف أحياناً حدود التصور للجمال. قد تكون صورة الخراب مؤلمة في موضوعها، لكنها قوية في بنائها الفني. وقد تكون مأساة الإنسان موضوعاً لعمل فني عظيم من دون أن تصبح المأساة نفسها جميلة .إن الفرق مهم. فالفن لا يحول الشر إلى خير، ولا الألم إلى متعة. انه يستطيع أن يمنح التجربة شكلاً يجعلها قابلة للمواجهة التراجيديا والوجود في هذا المجال تعد أفكار نيتشه تكتسب أهمية خاصة فالتراجيديا لا تنكر الألم، لكنها ربما تمنحه شكلاً يمكن للحياة أن تحتمله. والجمال لن يصير ستاراً يخفي المأساة، بل سيصبح قوة قادرة على مواجهتها ،وهذا من شانه ان يحول مفهوم الجمال بشكل جذري. فربما لا يكون الجمال هو قدرة الإنسان على جعل العالم جميلاً، وإنما قدرته على أن يجد شكلاً معينا للعيش في عالم لا يضمن له الجمال سادساً: الجمال والإنسان.. جمالية الفعل حين يوصف موقفاً بأنه جميل، أو تضحية بأنها جميلة، فان استخدام الجمال يشير الى ما هو خارج نطاق المظهر نحن نرى في بعض الأفعال نوعاً من الانسجام بين القيمة والممارسة، بين ما يؤمن به الإنسان وما يفعله، لكن الجمال الأخلاقي لا يلغي الفرق بين الأخلاق والجمال. إنه منطقة تداخل بينهما من جمال الصورة إلى جمال المعنى في التصوف، يمكن للجمال الحسي أن يتحول إلى علامة على معنى يتجاوزه ،فالصورة ليست النهاية، إنها باب، وقد يكون هذا من أقدم أشكال مقاومة اختزال الجمال في المادة، لأن الجميل هنا لا يُستنفد في مظهره، إنه يشير إلى ما لا يظهر مباشرة جمال الفناء الزمن ليس إطاراً خارجياً للتجربة الجمالية، الموسيقى زمن والشعر زمن،والرقص زمن، والوجه الإنساني يحمل الزمن في ملامح هوما يجعل بعض اللحظات ثمينة هو أنها لا يمكن استعادتها بالطريقة نفسها، إن الفناء لا يقف دائماً ضد الجمال؛ أحياناً يمنح كثافته الحضور الذي يسكنه الغياب ،فالصورة ربما يحتفظ بها لأن أصحابها قد يغيبوا وقد يكتب المرء لأن الذاكرة معرضة للنسيان،وكذلك تقام النصب والمنحوتات لأن الجسد لا يستطيع البقاء، فالفن لا يلغي الموت، لكنه يمنح الغياب شكلاً،وهنا يقترب الجمال من العدم ،فالشيء قد يكون ثميناً ليس لأنه أبدي، بل لأنه قابل للفقدان سابعاً: الذوق بين الفرد والمجتمع ..تشكل الذائقة يبدو الذوق فردياً، لكنه لا يولد في الفراغ فاللغة، والأسرة، والتعليم، والمجتمع، والمدينة، والطبقة، ووسائل الإعلام، كلها تدخل في تكوين ما نراه جميلاً أو عادياً أو منفرا ،ومن هنا تصبح الذائقة تاريخاً اجتماعياً أيضاً الجمال بوصفه رأس مال رمزي تكشف أعمال بورديو (عالم اجتماع فرنسي مهتم براس المال الثقافي 1930-2002 ) أن الذوق قد يكون جزءاً من البنية الاجتماعية، وأن ما يبدو اختياراً شخصياً قد يحمل آثاراً عميقة للتربية والموقع الاجتماعي والثقافي لكن هذا لا يعني أن الإنسان مجرد نسخة من بيئته فالذوق يتشكل اجتماعياً، لكنه يستطيع أيضاً أن يقاوم المجتمع، ولهذا تظل التجربة الفردية ضرورية فالسلطة في المرآة ،السوق لا يبيع الأشياء وحدها لكنه يبيع صوراً للحياة والإعلان لا يكتفي بإخبارنا عن منتج، بل يقترح علينا هيئة للإنسان الناجح، والجسد المقبول، والبيت المرغوب، والحياة التي تستحق أن تُعاش، هنا يصبح الجمال أداة قوة ، لكن الصورة نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة تحرر عندما تكشف أن ما اعتبرناه طبيعياً لم يكن سوى معيار تاريخي وثقافي قابل للتغير ثامناً: الجمال في كون لم يعد بسيطا ً.. تحوّل صورة العالم غيّرت الفيزياء الحديثة الصورة التي ورثها الإنسان عن الكون، فلم يعد المكان والزمن إطارين مطلقين منفصلين عن الأحداث كما في التصور النيوتني؛ وأصبح الزمكان جزءاً من الوصف الفيزيائي للعالم، ثم جاءت ميكانيكا الكم لتزعزع الصورة الكلاسيكية الأكثر بساطة عن الأشياء والخصائص والسببية والاحتمال. وهنا لا ينبغي أن نستخدم الكم كشعار فلسفي، فالفيزياء الكمية لا تعني أن كل شيء نسبي، ولا أن العقل البشري يصنع الواقع كيفما شاء. لكنها أظهرت أن الواقع المجهري لا يستجيب دائماً للصورة الحدسية التي اعتدناها عن الأشياء، وهذا وحده كافٍ لكي يعيد الفلسفة إلى السؤال عن طبيعة الوجود النظام والتعقيد كان الجمال طويلاً مرتبطاً بالنظام والتناسبلكن العلم الحديث كشف لنا أن التعقيد يمكن أن ينشأ من قوانين بسيطة، وأن النظام قد يتخفى داخل ظواهر تبدو فوضوية وهكذا يصبح الجمال أقل ارتباطاً بالانتظام السطحي وأكثر اتصالاً بالبنية العميقة للعلاقات قد يكون الجمال في النمط، لكنه يكون أيضاً في التوتر بين النظام والاختلاف. الاحتمال والحتمية أدخلت ميكانيكا الكم الاحتمال إلى قلب الوصف الفيزيائي، وهذا لا يعني غياب القوانين، بل يعني أن العلاقة بين القانون والنتيجة ليست دائماً العلاقة الحتمية البسيطة التي تخيلها الفكر الكلاسيكي ، ومن هنا يمكن أن يتغير تصورنا للجمال أيضاً، فإذا كان النظام قادراً على احتواء الاحتمال، فقد لا يكون الجمال هو جمال الضرورة وحدها، ربما يكون هناك أيضاً جمال الإمكان الزمن والزمكان الزمن ليس مجرد وعاء للأشياء، إنه يدخل في بنية الأحداث والعلاقات، ويصبح مع المكان جزءاً من الوصف الفيزيائي للعالم والتجربة الجمالية بدورها لا توجد دائماً خارج الزمن، الموسيقى لا يمكن فصلها عنه، والقصة لا يمكن فصلها عنه، والرقص لا يوجد إلا داخله، ثم إن الجمال نفسه قد يكون أحياناً طريقة لتنظيم التغير الكم والتشابك التشابك الكمي يفتح أسئلة فلسفية حول العلاقة بين الجزء والكل، من دون أن يبرر القفز إلى استنتاجات ميتافيزيقية لا تقول بها الفيزياء نفسها، لكن المفهوم يذكرنا بأن الأشياء قد لا تكون دائماً كيانات مستقلة بالبساطة التي يوحي بها الإدراك اليومي وهنا يعود سؤال قديم في ثوب جديد وهو؛ هل يكمن الجمال في الأشياء، أم في العلاقات التي تجعل الأشياء ما هي عليه؟ إنه سؤال يمكن أن يصل أفلاطون وأرسطو بفيزياء القرن الحادي والعشرين دون أن نساوي بين عوالمهم أو مفاهيمهم جمال الكون بين الاكتشاف والتكوين حين يصف الفيزيائي معادلة بأنها أنيقة أو نظرية بأنها جميلة، فهو لا يتحدث عن جمال بصري، إنه يشير إلى البساطة، والاتساق، والقدرة التفسيرية، والاقتصاد، والعمق ،لكن هل هذه الأناقة في الطبيعة، أم في الطريقة التي صمم بها العقل وصفه للطبيعة؟ ربما يكون جزء من الجواب في العلاقة نفسها فالكون يمتلك بنى مستقلة عن الإنسان، لكن تحويل تلك البنى إلى جمال مدرك يحتاج إلى وعي قادر على رؤيتها تاسعاً: الجمال بعد الإنسان ..من الصورة إلى الخوارزمية دخلت الآلة أخيراً إلى المجال الذي اعتقد الإنسان طويلاً أنه خاص به: إنتاج الصور والأشكال والنصوص والموسيقى ولم تعد المسألة تقنية محضة، فلو كانت الآلة قادرة على إنتاج صورة يصفها الإنسان بأنها جميلة، فإنها تفرض علينا إعادة النظر في العلاقة بين الجمال والإبداع إنتاج الشكل وإنتاج التجربة يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات إنتاج شكل جمالي إحداث أثر جمالي لدى المتلقي امتلاك تجربة جمالية ذاتية قد تنجح الآلة في المستوى الأول، وقد تؤدي إلى الثاني، بينما يبقى الثالث متعلقاً بمسألة الوعي نفسها وهذا التفريق ضروري ،فالآلة قد تنتج قصيدة عن الحنين، لكن لا يعني ذلك أنها حنّت إلى شيء ،وقد تنتج لوحة عن الموت، لكن لا يعني ذلك أنها واجهت الموت ومع ذلك فإن المتلقي قد يعيش تجربة جمالية حقيقية أمام العمل. وهنا يتغير مركز السؤال. لم يعد ضرورياً أن نسأل أولاً: هل الآلة فنانة بل يمكن أن يسأل المرء : ما الذي يجعل العمل الفني فنياً وجميلاً بالنسبة إلى من يتلقاه؟ الإبداع بين القصد والتوليد الإبداع الإنساني لا يقتصر على إنتاج شكل جديد. إنه مرتبط بالذاكرة والتجربة والرغبة والفقد والوعي بالزمن والموت ، أما الخوارزمية فتنتج ضمن فضاء من البيانات والقواعد والاحتمالات ، لكن التشابه في الناتج لا يعني التطابق في التجربة لذا قد لا يكون التحدي الحقيقي هو إثبات أن الآلة «إنسان»، وإنما إعادة تعريف ما نعنيه أصلاً بكلمات مثل الإبداع والفن والأصالة وفرة الصور وفقر الدهشة ربما لا يكون أخطر ما يفعله الذكاء الاصطناعي أنه ينافس الفنان قد يكون الخطر الأعمق هو وفرة الجميل، حين يصبح إنتاج صورة مدهشة أمراً سهلاً، تفقد الصورة شيئاً ، وهنا تصبح المشكلة ليست في قدرتنا على إنتاج الصور، وإنما في قدرتنا على التوقف أمامها وقد نعيش للمرة الأولى في تاريخ الفن في عالم تفيض فيه الصور، بينما تصبح الدهشة نفسها نادرة وعندئذ قد يعود الإنسان إلى موقعه الأول: ليس صانع الصورة فقط، بل الكائن القادر على منحها انتباهه عاشراً: بين الجمال والعدم، بعد كل هذه التحولات، يصعب أن يبقى الجمال محصوراً في تعريف واحد لم يعد مجرد تناسب، وليس مجرد متعة، ولا مجرد حكم ذاتي، ولا مجرد نتاج ثقافي، ولا مجرد بنية فنية.، إنه أقرب إلى علاقة. علاقة بين شيء موجود ووعي قادر على أن يراه ،بين حضور قابل للفقد وذاكرة قادرة على الاحتفاظ به بين نظام واختلاف ، بين الشكل والمعنى، بين العالم والصورة التي يصنعها الإنسان عنه،وبهذا لن يكون القبح مجرد غياب للجمال.انما القبح يكشف حدود الجمال، ويكشف أحياناً ما يحاول الجمال إخفاءه،قد يكون الجمال تناغماً، لكن القبح قد يكشف حقيقة الانكسار، وقد يكون الجمال حضوراً، لكن القبح قد يجعلنا أكثر وعياً بالغياب، وهنا يظهر العدم. ليس العدم بوصفه (لا شيء) مجرداً، وإنما بوصفه الإمكان الدائم للغياب. الوردة جميلة، لا لأنها لن تذبل، بل لأن ذبولها جزء من أفق تجربتنا معها والوجه محبوب، ليس لأنه خالد، انما لأننا نعرف أنه يتغير واللحن مؤثر، لأنه يمر،والقصيدة تبقى في الذاكرة لأنها كُتبت في مواجهة النسيان، إن الفن لا يهزم العدم، لكنه يمنح الإنسان وسيلة لمقاومته بالمعنى حيث يحول ما هو عابر إلى أثر خاتمة: الوجود حين يصبح قابلاً للظهور ربما كان تاريخ الجمال، في النهاية، تاريخاً لتغير صورة الإنسان عن العالم وعن نفسه .عند أفلاطون كان الجميل طريقاً نحو ما يتجاوز المحسوس، وعند أرسطو ارتبط بالبنية والوحدة والتناسب وفي الفكر الوسيط اتصل بالكمال والنظام، ومع باومغارتن أصبح موضوعاً فلسفياً مستقلاً ومع كانط انتقل مركز الثقل إلى الحكم الجمالي والذات ومع هيغل دخل الفن في حركة الروح والتاريخ ومع نيتشه دخل الألم والتراجيديا إلى قلب الجمال ومع الظاهراتية أصبح الظهور نفسه جزءاً من السؤال ومع علم الاجتماع صار الذوق متصلاً بالثقافة والسلطة ومع الفيزياء الحديثة تغيرت صورة الكون الذي كان الجمال يُسند إليه ومع الذكاء الاصطناعي بدأت الآلة تنازع الإنسان في إنتاج الصورة لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً وسط كل هذه التحولات أن الإنسان لا يكتفي بوجود الأشياء؛ يريد أن يعرف كيف تظهر له وهنا يتضح أن الجمال ليس مجرد خاصية في الشيء، كما أنه ليس مجرد إسقاط ذاتي على العالم إنه يحدث في المنطقة التي يلتقي فيها الوجود بالوعي أما القبح، فليس عدماً للجمال، وإنما أحد وجوه اختبار حدوده وأما العدم، فليس مجرد النهاية التي تأتي بعد الوجود؛ إنه حاضر في الوجود نفسه بوصفه احتمال الغياب، وفي الجمال بوصفه ما يجعل الحضور قابلاً لأن يُفقد، وبالتالي قابلاً لأن يكتسب قيمة لهذا فانه يمكن فهم تلك الرغبة البشرية القديمة في الرسم والنحت والغناء والشعر والتصوير والبناء، وصولاً إلى الخوارزمية نحن لا نصنع الصور لأن العالم يفتقر إلى الصور نصنعها لأن وجودنا نفسه عابر، ولأننا نريد أن نترك للوجود أثراً من الطريقة التي رأيناه بها وربما لهذا لم يمت السؤال الجمالي رغم تغير العصور والمفاهيم فالسؤال لم يكن في جوهره عن الوردة أو اللوحة أو الموسيقى أو الوجه أو المعادلة كان عن شيء أعمق:.انما عنن قدرة الوجود على أن يتجاوز مجرد كونه موجوداً، لكي يظهر. وعن قدرة الإنسان على أن يمنح هذا الظهور معنى لهذا قد لا يكون السؤال النهائي ما الجمال؟ انما : كيف يصبح الوجود قابلاً لأن يظهر لنا جميلاً، ولماذا لا ندرك قيمة هذا الظهور إلا على خلفية إمكان الغياب؟ في المسافة بين الجمال والقبح، وبين الحضور والغياب، وبين الوجود والعدم، يقف الإنسان لا بوصفه مالكاً لمعناه، ولا بوصفه مجرد مرآة أمام العالم تعكسه، بل بوصفه الكائن الذي يستطيع أن يرى، وأن يتساءل، وأن يمنح ما يراه اسماً.ومن بين تلك الأسماء ظل اسم واحد عصياً على الاكتمال إنه الجمال
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا
...
-
رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا
...
-
رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء
...
-
رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء
...
-
رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء
...
-
رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء
...
-
أثر الحجر
-
رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا
...
-
رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا
...
-
عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان (
...
-
عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
...
-
عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
...
-
عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
-
في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
-
في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
-
في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)
-
في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
-
أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
-
البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
-
البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
المزيد.....
-
مقطع مدته 4 ثوانٍ بين ممداني وكورتيز بذكرى 11 سبتمبر يثير ضج
...
-
تركيا.. الشرطة تضبط 350 كغم من الكوكايين مخبأة في سفينة شحن
...
-
-الوزن النوعي- يستبعد العديد من المعلمات والمعلمين بعد إعلان
...
-
لقاء إماراتي-إيراني رفيع بعد التصعيد.. هل بدأت أبوظبي وطهران
...
-
قادة الذكاء الاصطناعي يطالبون بإبطاء التطوير وتشديد الرقابة
...
-
اكتشاف أقدم دليل على تعاطي المخدرات في التاريخ!
-
الشرطة الإسرائيلية تعلن العثور على 3 جثث داخل سيارة محترقة ق
...
-
مفتاح أسرار روسيا التجارية بيد أرمينيا والاتحاد الأوروبي يري
...
-
السعودية.. اكتشاف مسجد أثري يعود للقرن الأول هجري (صور)
-
مدبولي: الدولة تولي مشروعات النقل الجماعي اهتمامًا كبيرًا با
...
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|