أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي سيف الرعيني - بعض التجارب تعيدتشكيل الرؤية !!














المزيد.....

بعض التجارب تعيدتشكيل الرؤية !!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:52
المحور: قضايا ثقافية
    


فجأةقد تجد نفسك غارقا في شعور دافئ لم تعرف من أين جاء شعور يشبه نافذة فُتحت بعد زمن طويل في غرفة أثقلها الاختناق أوضوء خافت تسلل إلى قلب اعتاد العتمة لا شيء محدد حدث بالضرورة، لكن شيئًا في الداخل بدأ يتحرك من جديد وكأن الحياة تهمس لك: ما زال في الطريق متسع لبداية أخرى
ومع ذلك لا يكون القلم قد تعافى تمامًا
فالقلم، مثل صاحبه يحتفظ بآثار ما مرّ به فترات التعب والانكسار، وخيبات الواقع وطول الصمت، كلها تترك ندوبها على الكلمات. وقد يجلس الكاتب أمام صفحته البيضاء وفي داخله الكثير مما يريد قوله لكنه يعجز عن العثور على الجملة التي تشبهه أو الصورة التي تختصر وجعه أو العبارة التي تستطيع أن تعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الأيام في روحه وهنا تحديدًا يبدأ دور الكاتب الحقيقي
فالكاتب لا ينتظر دائمًا أن تأتيه الكلمات مكتملة ولا يتعامل مع القلم بوصفه آلة تكتب حين يأمرها إنه يتعهد كلماته كما يتعهد الإنسان شجرة أنهكتها العواصف يسقيها بالصبر ويقلم أغصانها اليابسة، ويمنحها فرصة أخرى كي تستعيد قدرتها على النمو إن إحياء الكتابة بعد فترة صعبة ليس عودة إلى ما كان بل محاولة لصناعة ما سيكون
ولهذا قد تبدو الكلمات الجديدة مختلفة عن سابقاتها أكثر هدوء وأقل اندفاعًا لكنها في المقابل أكثر نضجًا وصدقا فالألم الذي مرّ به الكاتب لم يكن بالضرورة عبثًا، حتى وإن بدا في لحظته كذلك. بعض التجارب القاسية تعيد تشكيل رؤيتنا للأشياء، وتجعلنا نرى التفاصيل التي كنا نعبر أمامها دون انتباه: يدًا تمتد في صمت، أمًّا تخفي تعبها خلف ابتسامة، عاملًا يواصل يومه رغم ثقل الحاجة، أو إنسانًا يضحك أمام الآخرين بينما يحمل في داخله معركة لا يعرفها أحد.
وهكذا يصبح القلم أكثر إنسانية كلما اقترب صاحبه من حقيقة الحياة
الكتابة ليست دائما أن نقول ما نعرف، بل أن نكتشف أثناء الكتابة ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا وعن العالم. وربما لهذا يعود الكاتب إلى صفحته بعد انقطاع طويل، لا ليكرر نفسه، وإنما ليختبر قدرته على رؤية الحياة بعين جديدة.
إن أجمل الفصول قد تبدأ بعد أكثر الفصول قسوة
فالنباتات لا تسأل الرماد عن سبب احتراقها إنها تبحث عن منفذ صغير للضوء، ثم تبدأ من هناك. وكذلك الإنسان حين يقرر ألا يجعل ماضيه مقبرة لمستقبله. قد يحمل في ذاكرته آثار ما حدث، لكنه لا يمنح تلك الآثار حق تحديد ما سيحدث والكاتب تحديدا مطالب بأن يفعل ذلك مع قلمه.
أن يعيد للكلمات حرارتها وللجمل نبضها، وللنص روحه أن يتخلص من اللغة التي استهلكها الألم، ويمنح نفسه فرصة لاكتشاف لغة أكثر اتزانًا، لا تنكر ما حدث، لكنها لا تبقى أسيرة له.
فالتجديد في الأدب ليس مجرد تغيير المفردات، وإنما تغيير زاوية النظر.
قد نكتب عن الحزن ذاته مرات كثيرة، لكننا في كل مرة نستطيع أن نراه من نافذة مختلفة. وقد نكتب عن الوطن، والحب، والفقد، والإنسان، والعدالة، والانتظار، لكن التجربة الإنسانية لا تنفد؛ لأن الإنسان نفسه يتغير، ولأن الأيام تضيف إلى المعنى طبقات جديدة كلما تقدمنا في العمر والتجربة
ومن هنا تأتي مسؤولية الكاتب تجاه الحياة
ليس مطلوبًا منه أن يجمّل الواقع على نحو زائف، ولا أن يحوّل الألم إلى عبارات براقة تخفي الحقيقة. مهمته الأعمق أن يمنح الحقيقة لغة تستطيع أن تصل إلى الإنسان دون أن تفقد قسوتها أو كرامتها. أن يكتب عن الجرح دون أن يستثمر في وجع الآخرين، وعن الفقر دون أن يهين الفقراء، وعن الخسارة دون أن يحوّلها إلى متعة عابرة للقارئ
وحين يستعيد القلم عافيته، يصبح النص أكثر من كلمات متجاورة؛ يصبح محاولة لإعادة التوازن إلى شيء اختل في الداخل أو الخارج
فالأدب في جوهره ليس هروبًا من الحياة، بل طريقة أخرى لمواجهتها
وكم من كاتب ظن أن صمته الطويل يعني أنه فقد قدرته على الكتابة، ثم اكتشف بعد زمن أن الكلمات كانت فقط تعيد ترتيب نفسها في أعماقه. وكم من قلم ظن صاحبه أنه انتهى، فإذا به يعود في لحظة غير متوقعة، أكثر قوة وصدقًا، لأنه لم يعد يكتب من فراغ، وإنما من تجربة.
ربما لهذا تأتي بعض البدايات متأخرة، لكنها تأتي أكثر جمالًا
وحين نشعر بذلك الدفء المفاجئ الذي يخبرنا بأن شيئًا ما في الداخل بدأ يتعافى، علينا ألا نخاف من العودة. لنجلس أمام الورقة حتى لو كانت الجملة الأولى مرتبكة، وحتى لو بدا الطريق طويلًا. فالكتابة لا تطلب منا أن نكون كاملين؛ إنها تمنحنا فرصة لأن نصير أكثر اتزانًا ونحن نكتب
قد لا نستطيع تغيير الأيام التي مضت، لكننا نستطيع أن نمنحها معنى جديدًا
وقد لا نستطيع محو الرماد الذي خلفته العواصف، لكن بإمكاننا أن نزرع فيه شيئًا أخضر
تحديدا يستعيد القلم عافيته؛ لا لأنه نسي ما مرّ به، بل لأنه تعلّم كيف يحوّل آثار العاصفة إلى تربة جديدة، وكيف يجعل من الكلمات نباتات تتفتح بعد الرماد، ومن الكتابة فصلًا جديدًا لا ينكر الماضي، لكنه يفتح نوافذ واسعة على جمال الأيام القادمة فربما لا تكون الكتابة عودة إلى القلم بقدر ما تكون عودة الإنسان إلى نفسه!!



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أهات متناثرة !!
- المشهد الثقافي حين يصبح المكان ذاكرة للإبداع!!
- النص الادبي ورمزية الطبيعة !!
- ايوب طارش والفضول :حين يصبح الوطن اغنية لاتنكسر !!
- يمن الشموخ !!
- عندما يسدل الليل الستار !!
- ذكرى مع رائحة النعناع !!
- الحق وإن تأخر لايموت !!
- التكنولوجيا : حين تتسارع هل تتسارع معها مسئوليتنا ؟
- الخيارات المؤقتة !!
- دروب المعرفة في زمن عاصفة الذكاء الإصطناعي !!
- الجلوس امام البحر !!
- طائر الاشجان : نموذج مهم للاغنية التي انتصرت للبساطة!!
- القلم الذي يترك اثرا نبيل !!
- التكنولوجيا : ونحن الى اين وصلنا ؟
- كاتب مجهد في اخر الممر !!
- غزة : اسطورة لم تنحني !!
- بارعون في مواصلة حياتهم !!
- تحول المنصب الى وسيلة لإيذاء الاخرين !!
- حكاية لم تولد !!


المزيد.....




- الصين الحديثة تحت ظلال ماو تسي تونغ.. إرث لم ينتهِ
- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 140 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة ...
- الصحفية التي شككت في جنس بريجيت ماكرون تفوز بالاستئناف
- أوربان يعلن العودة للمعركة السياسية ضد حكومة ماغيار: -انتهى ...
- رئيس وزراء لاتفيا يقيل وزيراً بعد ضبطه يقود سيارة تحت تأثير ...
- السودان يتهم إثيوبيا بالتخطيط لاحتلال الفشقة والدمازين
- إحدى أصغر دول العالم تفتتح سفارتها لدى إسرائيل بالقدس.. و-قص ...
- الحلبوسي يبحث مع القائم بالأعمال الأمريكي العلاقات الثنائية ...
- الجزائر .. تبون يلتقي مستشارا لترامب
- بغداد تطمئن الرياض: أراضينا وأجواؤنا لن تكون مصدر تهديد لدول ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي سيف الرعيني - بعض التجارب تعيدتشكيل الرؤية !!