أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - ايوب طارش والفضول :حين يصبح الوطن اغنية لاتنكسر !!














المزيد.....

ايوب طارش والفضول :حين يصبح الوطن اغنية لاتنكسر !!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 17:59
المحور: الادب والفن
    


مع كل نغمة حب هفت أرواحنا سفرا ورحيلا وفي كل ترنيمة شجنٍ هامت قلوبنا بين الفرح والحزن كانت تقاسيم اللحن اليمني تحملنا كالمطر، إلى مداراتٍ بعيدة من الذاكرة والحنين. وحين يشدو أيوب طارش بجمال الكلمة وعذوبتها يجيء صوته الآسر ليمنحها مزيدًا من الرقة والانسياب، وتأتي رخامته المميزة فتكسو الحروف رونقًا وبهاءً، حتى تبدو الأغنية كأنها وطنٌ آخر نسافر إليه كلما ضاقت بنا طرق الحياة
هناك، في فضاءات الكلمة وعوالم اللحن، تتجاور مشاعر الوصل والانكسار والبوح والجرح، والبلسم والهيام وتتمازج تباريح العشق مع تسابيح المحبة. وفي هذا المزيج الفريد كان أيوب طارش بمعية الشاعر الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان الفضول أكثر من صوتٍ وشاعر كانا شاهدين على زمنٍ استطاعت فيه الأغنية أن تتجاوز حدود الطرب، لتصبح ذاكرة شعب، ولسان أرض ومرآة وجدان
لقد كانا بحق من الذين دوّنوا معاني الحب في ميزان الحياة لكن الحب الذي بلغ ذروته في تجربتهما لم يكن حبّا عابرا لامرأة أو مكان كان حبًا أوسع وأبقى حبًا يتسع للإنسان والأرض والذاكرة والتاريخ
كان حب الوطن هو الأسمى بعد حب الله ورسوله
ولذلك لم تكن الأغنية الوطنية اليمنية مجرد كلمات تُغنّى ولا ألحانًا تُسمع ثم تنتهي بانتهاء النشيد كانت شيئًا يشبه القسم، تستنهض في الإنسان كرامته، وتوقظ في داخله ذلك الشعور العميق بأنه ابن أرضٍ لا تُقاس قيمتها بما مرّ عليها من محن، وإنما بما ظل فيها من قدرة على النهوض
وحين نستمع اليوم إلى تلك الأغنيات فإننا لا نستمع إلى الماضي وحده بل نسمع صوت اليمن وهو يستعيد نفسه من بين الركام، ويقول للأجيال إن الأوطان قد تتعب وقد تنحني تحت ثقل الأزمات، لكنها لا تموت ما دام في أبنائها قلبٌ يعرف معنى الانتماء
ولعل من أبلغ ما تختزن الذاكرة الوطنية تلك الكلمات التي جاءت في الأنشودة الوطنية الشهيرة
لم يجئ يومٌ بخلنا بالدماءِ فيه أو كنا نكصنا عن عطاءِ أوركعنا في هوان الضعفاءِ أوحملنا فيه رجس الجبناءِ
ليست هذه الأبيات مجرد شعرٍ حماسي إنها صياغة شعرية لفكرة الكرامة الوطنية. فالدم هنا ليس دعوة إلى الموت، وإنما رمزٌ للتضحية، والعطاء ليس تبديدًا للحياة، وإنما استعدادٌ لبذل ما يستطيع الإنسان من أجل وطنه، أما رفض الركوع فليس عنادًا، بل دفاعٌ عن الكرامة حين تصبح الخضوعُ طريقًا إلى فقدان الذات
وهكذا كانت الأغنية الوطنية في وجدان اليمنيين تشبه نافذة تطل منها الروح على وطنها كلما أثقلتها الأيام وفي زمنٍ كثرت فيه الانقسامات وتراكمت الأوجاع بقيت بعض الأغاني قادرة على فعل ما تعجز عنه الخطب الطويلة أن تجمع القلوب حول معنى واحد اسمه اليمن
فالوطن هو تلك المساحة العميقة في الروح التي لا يستطيع أحد اقتلاعها. هو البيت الأول ورائحة التراب بعد المطر وملامح الأم، ولهجة الأب وذاكرة الطفولة وأسماء الذين رحلوا وبقيت أصواتهم تسكن فينا
ولذلك فإن الأغنية التي تنجح في استدعاء الوطن من أعماق الذاكرة لا تشيخ لأنها لا تخاطب زمنا بعينه وإنما تخاطب الإنسان في أكثر نقاطه صدقا
لقد مرّ اليمن بأزمنة قاسية وتناوبت عليه الأزمات وتبدلت خرائط الألم، لكن شيئا واحدا ظل عصيا على الانكسار روح اليمني حين يتعلق الأمر بوطنه
قد يختلف اليمنيون في السياسة وقد تتباعد رؤاهم وقد تثقلهم الخصومات والجراح لكن اليمن نفسه يظل أكبر من كل خلاف وأبقى من كل مرحلة، وأوسع من أن تختصره جماعة أو سلطة أو ظرف عابر
ومن هنا تبدو قيمة الفن الحقيقي فهو لا يكتفي بأن يصف الوطن، بل يعيد تشكيل صورته في وجدان أبنائه. وأيوب طارش والفضول لم يقدما اليمن في أغنياتهما بوصفه أرضًا فحسب، بل قدماه باعتباره حالة وجدانية؛ وطنًا يُحَب، ويُشتاق إليه، ويُدافع عن كرامته، وتبقى صورته حيّة مهما اشتدت العواصف
ربما لهذا السبب ما زالت تلك الكلمات تصل إلينا بعد عقود وكأنها كُتبت بالأمس
فالزمن يستطيع أن يغيّر ملامح المدن، وأن يبدّل تفاصيل الحياة، وأن يطوي صفحات كثيرة من التاريخ لكنه يعجز عن قتل الأغنية التي ولدت من وجدان الناس
يبقى اليمن أكبر من جراحه وأعمق من أزماته وأشد رسوخا من عواصفه ويبقى الوطن حين يسكن القلب حقا أغنية لا تنكسر وذاكرة لا تشيخ وحنينًا لا تنطفئ جذوته
ذلك هو اليمن الذي غنّاه أيوب وكتبه الفضول وحفظته الذاكرة يمنٌ يستحق أن نختلف من أجله لا أن نختلف عليه، وأن نحمي كرامته لا أن نرهنها، وأن نترك للأجيال القادمة وطنًا يليق بكل تلك الأغاني التي أحببناه بها!!



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يمن الشموخ !!
- عندما يسدل الليل الستار !!
- ذكرى مع رائحة النعناع !!
- الحق وإن تأخر لايموت !!
- التكنولوجيا : حين تتسارع هل تتسارع معها مسئوليتنا ؟
- الخيارات المؤقتة !!
- دروب المعرفة في زمن عاصفة الذكاء الإصطناعي !!
- الجلوس امام البحر !!
- طائر الاشجان : نموذج مهم للاغنية التي انتصرت للبساطة!!
- القلم الذي يترك اثرا نبيل !!
- التكنولوجيا : ونحن الى اين وصلنا ؟
- كاتب مجهد في اخر الممر !!
- غزة : اسطورة لم تنحني !!
- بارعون في مواصلة حياتهم !!
- تحول المنصب الى وسيلة لإيذاء الاخرين !!
- حكاية لم تولد !!
- دروب الحيرة !!
- قصةقصيرة : كان الوقت قد مر !!
- مع تحول الهاتف الى غرفة اخبار هل انتهى زمن الفضائيات ؟
- الكاتب العربي : من صانع للوعي الى البحث عن الإعتراف !!


المزيد.....




- قصة الأسد والأكتاف العريضة.. الثمانينات تخطف النجوم في رحلة ...
- أسطول الصمود العالمي يصل البندقية احتجاجاً على تجاهل العلم ا ...
- دور في الأوبرا.. لكن المرشح أفعى! ما القصة؟
- ما هو الواقع المالي الذي يواجهه الفنانون الأفارقة في قطاع ال ...
- في 5 قائق.. سرقة 3 لوحات بقيمة 10 ملايين دولار من متحف رينو ...
- التعليم العالي: 9 نصائح مهمة لطلاب الشهادات الفنية للتنسيق ا ...
- كيف صنع رغيف الخبز تاريخ الحضارات؟ من جلجامش إلى محمود درويش ...
- أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
- من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د ...
- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - ايوب طارش والفضول :حين يصبح الوطن اغنية لاتنكسر !!