أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - طائر الاشجان : نموذج مهم للاغنية التي انتصرت للبساطة!!














المزيد.....

طائر الاشجان : نموذج مهم للاغنية التي انتصرت للبساطة!!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 09:27
المحور: الادب والفن
    


أن بعض النصوص تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز لحظتها، فتغدو مع مرور الزمن جزءًا من الذاكرة الشعبية، تحفظها الألسن، وتستعيدها القلوب كلما مرّ بها الحنين أو الفقد أو انكسار الحب
ومن هذا النوع تأتي قصيدة طائر الأشجان التي ارتبطت بصوت الفنان اليمني الكبير أيوب طارش عبسي، واستطاعت أن تجد لنفسها مكانًا راسخًا في الوجدان اليمني، بل وأن تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية إلى أسماع عربية عرفت في مفرداتها شيئًا من وجع الإنسان العربي حين يحب، وحين يخسر، وحين يعجز عن استرداد ما مضى
إن أول ما يلفت في النص هو ذلك الحوار الحميم بين الإنسان والطائر. فطائر الأشجان ليس مجرد طائر في المشهد الشعري، وإنما يتحول إلى مرآة للذات؛ طائر يحمل حزن الشاعر، ويشتكي كما يشتكي، ويبكي كما يبكي. وهنا تتسع الدلالة من مخاطبة كائن خارجي إلى مخاطبة جزء من النفس، وكأن الشاعر يبحث في الطبيعة عن كائن يستطيع أن يفهم ما عجز البشر عن فهمه
في قوله : تشتكي مثلي ضنى الأيام في حبك وتبكي مربعك
تتداخل الطبيعة مع التجربة الإنسانية بصورة رقيقة. فالمكان نفسه يصبح ذاكرة، والمربع لا يعود مجرد موضع، وإنما يتحول إلى رمز للماضي الذي كان حيًّا ثم صار مأهولًا بالحنين. إنها واحدة من خصائص الشعر الغنائي الذي ينجح في جعل المكان شريكًا في العاطفة، لا مجرد خلفية لها
واللافت أيضًا أن النص لا يذهب بعيدًا في البحث عن الصور المعقدة أو الاستعارات الغامضة، بل يستمد قوته من بساطة التعبير وصدق الانفعال وهذا تحديدًا أحد أسرار وصوله إلى الناس. فالشاعر لا يتحدث من برج لغوي مرتفع، وإنما ينزل بالكلمة إلى حيث يعيش الإنسان العادي: في الذاكرة، والعتاب، والحيرة، والفقد
ثم تأتي العبارة المتكررة:أيش معك أيش معك
لتشكل العمود النفسي للنص. وهي ليست مجرد لازمة غنائية، بل سؤال مفتوح على احتمالات كثيرة: ماذا بقي؟ ماذا تحمل؟ ماذا تستطيع أن تمنح؟ وهل بقي في القلب شيء غير هذا الوجع؟
التكرار هنا لا يضعف المعنى بل يمنحه إيقاعًا نفسيًا. فحين يعجز الإنسان عن العثور على إجابة، يعيد السؤال. وحين يستعصي الألم على اللغة، تعود الكلمات نفسها وكأنها تدور في دائرة لا تجد منفذًا للخلاص
وفي موضع آخر يقول الشاعر:
ضاعـت الأيام من عمري سدى ضاعت وحبي ضيعك
هنا تنتقل القصيدة من عتاب المحبوب إلى محاسبة الذات والزمن. فالمأساة لم تعد في رحيل الآخر وحده، وإنما في الإحساس بأن العمر نفسه تسرب من بين اليدين. وهذا من أكثر مستويات النص إنسانية؛ لأن الخسارة الحقيقية في التجارب العاطفية ليست دائمًا فقدان شخص، وإنما اكتشاف أن جزءًا من العمر قد مضى ونحن ننتظر ما لم يعد.
ومن جمال النص كذلك أنه لا يقدم الحزن بصورة ساكنة، بل يجعله فعلًا متحركًا: أشواق تحرق، دموع تُمسح، أيام تضيع، وقلب يضنيه الانتظار. وكأن القصيدة تبني عالمها من حركة الألم، لا من وصفه فقط أما قول الشاعر:
روح لك بالله بعيد عني وحل عن موضعك
فيحمل مفارقة عاطفية لافتة فالمحب الذي يطلب الرحيل هو نفسه الذي لا يستطيع التخلص من أثر المحبوب. إنها لحظة الصراع بين العقل الذي يريد النجاة والقلب الذي لا يعرف طريقًا إليها ولذلك تبدو القصيدة، في عمقها، ليست حديثًا عن الحب وحده، بل عن الإنسان حين يقف عاجزًا بين ما يريد وما يشعر. وهنا تأتي الخاتمة
أيش معك يا قلب تضنيني أنا هالك وهالكني معك!
فتتضح الدائرة كاملة. لقد بدأ النص بمخاطبة الطائر وانتهى بمخاطبة القلب. وبينهما ظل الشاعر يتنقل من الخارج إلى الداخل، حتى اكتشف أن مصدر الوجع الحقيقي ليس الطائر ولا المكان ولا المحبوب، وإنما القلب الذي يحمل كل ذلك
ولعل سر بقاء هذه القصيدة في الذاكرة اليمنية والعربية لا يعود إلى الكلمات وحدها، ولا إلى اللحن وحده، ولا إلى صوت أيوب طارش وحده، وإنما إلى التحالف النادر بين النص والصوت واللحن والوجدان حين تتكامل هذه العناصر، لا تعود الأغنية مجرد عمل فني، بل تتحول إلى ذاكرة مشتركة.
لقد امتلك أيوب طارش قدرة خاصة على منح الكلمة مساحة أخرى للحياة؛ صوته لا يصرخ بالحزن، وإنما يتركه يتسلل بهدوء إلى المستمع. ولهذا تبدو بعض أغنياته وكأنها لا تُسمع فقط، بل تُستعاد من داخل الذاكرة.
إن طائر الأشجان نموذج مهم للأغنية التي انتصرت للبساطة دون أن تقع في الابتذال، وللعاطفة دون أن تتحول إلى مبالغة، وللغة القريبة من الناس دون أن تفقد جمالها الشعري. وهي تذكير بأن العمل الفني لا يحتاج دائمًا إلى التعقيد كي يكون عميقًا؛ فقد تكون جملة بسيطة، إذا خرجت من تجربة صادقة، أقدر على البقاء من صفحات طويلة من الكلام.
وربما لهذا السبب ظل طائر الأشجان يحلّق طويلًا في الذاكرة؛ لأن الطيور قد تغادر المكان، والأيام قد تنقضي، والوجوه قد تتوارى، لكن الأغنية الصادقة لا تعرف الرحيل بسهولة
إنها تبقى حيث لا تستطيع الأيام الوصول: في الذاكرة، وفي الحنين، وفي ذلك الجزء الخفي من القلب الذي كلما حاولنا أن ننسى، عاد وسألنا بصوت خافت:
أيش معك أيش معك؟



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القلم الذي يترك اثرا نبيل !!
- التكنولوجيا : ونحن الى اين وصلنا ؟
- كاتب مجهد في اخر الممر !!
- غزة : اسطورة لم تنحني !!
- بارعون في مواصلة حياتهم !!
- تحول المنصب الى وسيلة لإيذاء الاخرين !!
- حكاية لم تولد !!
- دروب الحيرة !!
- قصةقصيرة : كان الوقت قد مر !!
- مع تحول الهاتف الى غرفة اخبار هل انتهى زمن الفضائيات ؟
- الكاتب العربي : من صانع للوعي الى البحث عن الإعتراف !!
- الكتابة : وغياب اللذة الخفية !!
- الصحافة:بوصفها جسرا بين المجتمع وصناع القرار !!
- ليتنا فعلنا اكثر !!
- قصةقصيرة : دموع العودة !!
- قصةقصيرة : القرار الذي غير حياته !!
- العودة من جديد !!
- قصةقصيرة : بقاء الباب مواربا !!
- قصة قصيرة : بقي واحد !!
- تمسك بصديقك الوفي !!


المزيد.....




- من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ ...
- بمشاركة عربية.. انطلاق مهرجان أوركسترا الشباب العالمي الرابع ...
- -الرحمة-.. صبا مبارك وباسم ياخور وقيس الشيخ نجيب في مواجهة ا ...
- سبع حقائق عن -قلب الشيشان-.. أحد أبرز مساجد القوقاز الروسي ( ...
- 8.2 مليون روبل لدعم 7 مشاريع إبداعية في كبردينو - بلقاريا
- فنان مصري مشهور يطلب التوبة.. ودار الإفتاء توجه رسالة
- أكشاك الكتب في عمّان.. حين تحفظ الأرصفة ذاكرة المدينة
- فنان يُدخل معالم الشارقة إلى عالم -باتمان- بالذكاء الاصطناعي ...
- غزة وذاكرة الحرب.. أفلام عالمية في الدورة التاسعة من الجونة ...
- مهرجان -كوروتشي- السينمائي ينطلق في كالينينغراد بطابع دولي ل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - طائر الاشجان : نموذج مهم للاغنية التي انتصرت للبساطة!!