أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد الكفائي - اليغاء السياسي














المزيد.....

اليغاء السياسي


مجيد الكفائي
محام وكاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


البغاء السياسي
أحقر مهنة في تاريخ الإنسانية هي مهنة البغاء وقد ارتبطت في الوعي الأخلاقي والاجتماعي بصورة الاستغلال والابتذال وتحويل الجسد والكرامة إلى سلعة.
لكن الأخطر من ذلك أن تتحول الفكرة نفسها من ممارسة فردية إلى منهج في السياسة والحكم حين يصبح المبدأ سلعة والموقف قابلاً للبيع والضمير قابلاً للمساومة.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ البغاء السياسي
فالبغاء السياسي لا يعني الجسد بل يعني بيع الموقف وتأجير الضمير وتبديل الولاءات بحسب المصلحة.
هو أن يرفع السياسي شعاراً في الصباح ثم يتخلى عنه مساءً مقابل منصب أو مال أو نفوذ.
وهو أن يبيع الناخب وعوداً يعرف مسبقاً أنه لن يفي بها وأن يتحدث باسم الوطن بينما يفاوض سراً على حصته من الوطن.

لقد دخل المال بقوة إلى عالم السياسة وتحولت الانتخابات في كثير من المجتمعات من منافسة على البرامج والأفكار إلى سوق مفتوحة للنفوذ والإعلانات وشراء الأصوات.
وأصبح بعض رجال الأعمال لا يكتفون بالتأثير في السياسة من خارجها بل يسعون إلى امتلاك أدواتها ومفاتيحها فيما يسعى بعض السياسيين إلى استخدام الدولة باعتبارها مشروعاً استثمارياً خاصاً .
وهكذا تتشكل شبكة خطيرة:
مال يشتري النفوذ ونفوذ يحمي المال وسياسة تمنح الغطاء لكليهما .
وليس الفساد وحده هو المشكلة. المشكلة الأعمق هي أن يصبح الفساد طبيعياً في نظر المجتمع وأن يتحول الانتهازي إلى شاطر والفاسد إلى قوي والكاذب إلى سياسي محنك ومن يغيّر مواقفه إلى براغماتي .
في هذه اللحظة تحديداً يبدأ الانهيار الحقيقي .
فالسياسة في أصلها ليست مهنة للمتاجرة بالناس بل مسؤولية عامة. والسياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب التي شغلها ولا بحجم الأموال التي أنفقها في حملته الانتخابية ولا بعدد الصور التي يلتقطها مع أصحاب النفوذ وإنما يُقاس بقدرته على قول لا حين تكون نعم أكثر ربحاً وبقدرته على دفع ثمن موقفه حين يصبح الصمت أكثر أماناً .
أما أخطر أنواع البغاء السياسي فهو ذلك الذي لا يكتفي ببيع الموقف بل يحاول تجميل الخيانة وتحويلها إلى فضيلة .
فمن يبدّل مبادئه مع تبدل المصالح ويصنع من كل تناقض مبرراً ويبحث دائماً عن الجهة الأقوى ليقف تحت مظلتها لا يمارس سياسة حقيقية إنه يمارس تجارة المواقف
والأخطر حين تتحول المؤسسات السياسية إلى واجهات لشبكات المصالح وحين يصبح الوصول إلى البرلمان أو الحكومة أو الإدارة العامة وسيلة لتوزيع الغنائم وحين تُستخدم الانتخابات لتدوير الوجوه نفسها بدلاً من إنتاج قيادة جديدة .
عندها لا يعود السؤال :
من يمتلك أفضل برنامج؟
بل يصبح السؤال :
من يدفع أكثر؟ ومن يملك النفوذ الأكبر؟ ومن يستطيع حماية مصالحه بعد الوصول إلى السلطة؟
وهذا هو موت السياسة.
إن المجتمعات لا تنهار فقط عندما تنتشر الجريمة أو الفقر أو البطالة بل تنهار أيضاً عندما تفقد الثقة بمن يفترض أنهم يمثلونها.
وحين يرى المواطن أن صوته يُشترى وأن القانون يُطبق على الضعيف ويُستثنى منه القوي وأن المناصب تُوزع على أساس الولاء لا الكفاءة فإنه يبدأ بفقدان إيمانه بالدولة نفسها .
ولذلك فإن مواجهة البغاء السياسي لا تكون بالصراخ والشعارات ولا بتبادل الاتهامات بل ببناء قواعد تمنع تحويل السياسة إلى سوق .
شفافية حقيقية في تمويل الأحزاب والانتخابات رقابة صارمة على تضارب المصالح استقلال القضاء محاسبة الفاسدين حماية الصحافة وتكريس مبدأ أن المنصب العام تكليف وليس غنيمة .
لقد كانت السياسة في أفضل صورها فعلاً أخلاقياً ومسؤولية تجاه المجتمع .
ولا تزال قادرة على أن تكون كذلك.
لكنها تحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن الوطن ليس شركة وأن المواطن ليس رقماً انتخابياً وأن المنصب ليس ملكاً شخصياً وأن المبادئ ليست أوراقاً تُستخدم في موسم الانتخابات ثم تُرمى بعد انتهاء التصويت.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس أن يدخل إليه سياسي فاسد واحد فالفاسد يمكن كشفه ومحاسبته.
الأخطر أن يصبح الفساد ثقافة والانتهازية قاعدة وبيع المواقف أمراً عادياً .
عندها لا يعود البغاء السياسي استثناءً في الحياة العامة بل يصبح نظاماً كاملاً يعيش على شراء الذمم وتوزيع النفوذ.
وهنا تكون المعركة الحقيقية:
ليست بين حزب وحزب ولا بين شخص وشخص وإنما بين سياسة تقوم على المبدأ وسياسة تقوم على المتاجرة بالمبدأ .
والتاريخ في النهاية لا يرحم من باعوا أوطانهم مهما ارتفعت مناصبهم ومهما كثرت أموالهم ومهما أحاطوا أنفسهم بالأتباع.
فالسلطة تزول والمال يذهب والمناصب تنتهي .
أما الموقف الذي اتخذه الإنسان حين كان قادراً على الاختيار فهو ما يبقى شاهداً عليه .



#مجيد_الكفائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دعوة للزيدي
- العز والرز
- عندما يكون الحامي متهما
- عصابات خارج القانون
- صعاليك الفساد
- منظومة الفساد واقدار العراقيين
- قصتان قصيرتان
- عتبة الحق
- حين تتكلم الاسرار
- انتظار
- غض عينيك
- دعوت الله
- صمت الوجع
- لن تمضي
- حين تشعر انك اقل من انسان
- الخدمة العامة وسوق الصفقات
- بين عيد الامس وعيد اليوم
- العراق بحاجة إلى قيادة حكيمة
- في الخمسين
- الاتحاد الخليجي يقترب من الكونفدرالية


المزيد.....




- إعلان إيراني جديد بشأن قيود الملاحة في مضيق هرمز.. ماذا قال ...
- التصعيد في الخليج يرفع أسعار النفط.. فما الذي تغيّر؟
- بيسكوف: قضية تبادل السجناء حاضرة باستمرار في الاتصالات الروس ...
- موسكو تفضل أبو ظبي ساحة للمفاوضات مع أوكرانيا.. ماذا يمكن لو ...
- -سي إن إن-: واشنطن لا تزال تخطط لضرب المنشآت النووية الإيران ...
- في مقطع مصور من جبل الشيخ بسوريا.. نتنياهو يتوعد بـ -هزيمة ا ...
- بريطانيا يجب أن تبذل المزيد لإبقاء حلم الدولة الفلسطينية حيا ...
- بكلفة مليار دولار.. مصر تخطط لإنشاء مركز ضخم لبيانات الذكاء ...
- -نبقى أم نرحل-؟ هواجس مهاجرين في ماغديبورغ بعد فوز البديل
- سوريا - انفجار مخزن أسلحة يوقع قتلى وجرحى في محافظة إدلب


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد الكفائي - اليغاء السياسي