أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد الكفائي - منظومة الفساد واقدار العراقيين














المزيد.....

منظومة الفساد واقدار العراقيين


مجيد الكفائي
محام وكاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 13:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد الفساد في العراق مجرد حالات فردية ولا أخطاء إدارية متفرقة يمكن علاجها بإقالة موظف أو إحالة مسؤول إلى التحقيق الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الفساد من سلوك يمارسه أفراد إلى منظومة متكاملة لها أدواتها ورجالها وشبكات مصالحها وتصبح قادرة على حماية نفسها وإعادة إنتاجها مهما تغيرت الحكومات والوزراء والمسؤولون.

في البداية قد يبدو الأمر بسيطًا: موظف يطلب رشوة مسؤول يستغل منصبه أو جهة تمنح امتيازًا لغير مستحق.
لكن حين تتكرر هذه الممارسات وتتداخل المصالح ويصبح الوصول إلى الحق مرتبطًا بالعلاقات والنفوذ والمال فإننا لا نعود أمام فساد عابر، بل أمام نظام غير معلن يتحكم في حياة الناس.

الأخطر أن هذه المنظومة لا تحتاج إلى أن تظهر في الشوارع أو تحمل السلاح.
قد ترتدي بدلة رسمية وربطة عنق وتجلس خلف مكتب وتحمل صفة قانونية وإدارية وتمارس نفوذها من خلال توقيع، أو قرار، أو معاملة، أو استثناء.

وهنا يصبح المواطن أمام سلطة لا يعرف كيف يواجهها لأن خصمه ليس شخصًا واحدًا يستطيع الشكوى منه وإنما شبكة متداخلة من المصالح.
وإذا حاول أن يصل إلى حقه عبر القانون قد يجد أن الطريق نفسه أصبح جزءًا من المشكلة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يفقد المواطن شعوره بأن القانون يحميه وأن يقتنع بأن الحقوق لا تُنال إلا بواسطة أو وساطة أو دفع المال.
عندها تبدأ الدولة بفقدان معناها الحقيقي ويتحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة بيد من يمتلك النفوذ.

والفساد حين يستمر طويلًا لا يكتفي بسرقة المال العام، بل يبدأ بسرقة الفرص
يسرق فرصة الشاب في الحصول على وظيفة عادلة وفرصة المستثمر في العمل ضمن بيئة نزيهة وفرصة المريض في الحصول على خدمة صحية وفرصة المواطن في إنجاز معاملته من دون إذلال أو ابتزاز.

ثم يتطور الأمر أكثر فتتغير معايير المجتمع نفسه.
يصبح الشريف ساذجًا لأنه رفض الدخول في اللعبة ويصبح الفاسد “شاطرًا” لأنه عرف كيف يستفيد من موقعه ويصبح صاحب العلاقة أقوى من صاحب الحق.

وهذه أخطر مرحلة لأن المنظومة لا تعود بحاجة إلى إجبار الجميع على الفساد، بل يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أن النزاهة لا فائدة منها.

إن العراق لا يعاني فقط من هدر الأموال وإنما من هدر الدولة نفسها.
فكل مشروع متعثر وكل وظيفة تمنح بغير استحقاق وكل عقد مشبوه وكل معاملة تُعطل حتى يدفع صاحبها يساهم في إضعاف مؤسسات الدولة وإضعاف ثقة المواطن بها.

ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالشعارات وحدها.
المطلوب بناء مؤسسات قادرة على كشف تضارب المصالح ومراقبة المال العام وحماية المبلغين عن الفساد وضمان استقلال أجهزة الرقابة والقضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة الحقيقية لا بالموقع السياسي أو الاجتماعي.

إن أخطر ما في الفساد ليس ما يأخذه اليوم، بل ما يؤسسه للغد فإذا استمر فإنه لن يبقى مجرد ظاهرة اقتصادية أو إدارية، بل سيتحول إلى منظومة تتحكم في توزيع الفرص والثروة والنفوذ وربما في مستقبل الناس أنفسهم.

وحين تصل الأمور إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال أكبر من: من سرق؟

السؤال الحقيقي هو: من صنع المنظومة التي جعلت السرقة ممكنة ومحمية وقابلة للاستمرار؟

فإذا لم تُكسر هذه المنظومة فإنها ستستمر في إعادة إنتاج نفسها وستبقى قادرة على تغيير الوجوه والإبقاء على الآليات ذاتها حتى تصبح بالفعل منظومة تسيطر على أقدار العراقيين.



#مجيد_الكفائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصتان قصيرتان
- عتبة الحق
- حين تتكلم الاسرار
- انتظار
- غض عينيك
- دعوت الله
- صمت الوجع
- لن تمضي
- حين تشعر انك اقل من انسان
- الخدمة العامة وسوق الصفقات
- بين عيد الامس وعيد اليوم
- العراق بحاجة إلى قيادة حكيمة
- في الخمسين
- الاتحاد الخليجي يقترب من الكونفدرالية
- تَعَلَّقَ قَلْبِي فِي سَمْرَاءَ عِرَاقِيَّةٍ
- من الوصاية إلى الشراكة ماذا يعني إنهاء مهمة يونامي في العراق
- حين يرحل الوجع
- هل سيحسم اختيار رئيس وزراء العراق المقبل فور إعلان النتائج
- نشكو الى الله
- لا تعاقبني على السرقة ان لم توفر لي الخبز


المزيد.....




- ترامب: بوتين طمأنني بعدم مهاجمة أراضي حلف الناتو
- -مكان يستحيل العيش فيه-.. كاميرا CNN تجول داخل قرية نيبالية ...
- ترقب لعرض -لعبة جهنم- أولى حكايات مسلسل -القصة الكاملة.. درا ...
- إسرائيل توسّع تصعيدها في جنوب لبنان.. سلسلة غارات تسفر عن مق ...
- الكويت وإسلام آباد توقعان اتفاقاً للدفاع والتعاون العسكري ال ...
- توتر متصاعد في سبتة.. توقيف 12 مغربيًا بعد مهاجمة آلية عسكري ...
- 40 طفلاً اختفوا من فنادق اللجوء في بريطانيا.. ومخاوف من تعرض ...
- الصين: فيديو يوثق انزلاقا طينيا يجتاح ميناء جيرونغ
- تحذير إيراني لواشنطن: سنفعل بكم سابقة تاريخية إذا ارتكبتم شر ...
- جدار معلوماتي وأمني والتصدي لأجندات خارجية.. خبير مصري يوضح ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد الكفائي - منظومة الفساد واقدار العراقيين