السمّاح عبد الله
شاعر
(Alsammah Abdollah)
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 12:05
المحور:
الادب والفن
تقدم قصيدة "عشاء" للشاعر السماح عبد الله مرثية أخرى للشاعر الراحل أمل دنقل، تنضح بمرارة الفقد وتكشف عن وعي نقدي حاد بطبيعة المجتمع الثقافي والمديني الذي عاصره أمل. تتجاوز القصيدة مفهوم الرثاء التقليدي القائم على البكاء وذكر المحاسن، لتقدم رثاءً دراميًّا تراجيديًّا يبحث في علاقة الشاعر بالمدينة (القاهرة) وبالوسط المحيط به.
يبدأ الشاعر قصيدته بحرف العطف "ثم" في جملته: (ثم أني حططت المدينةَ ذات مساءْ)؛ وهو ضربة بداية أسلوبية ذكية ومحملة بدلالات بنيوية ونفسية وسيميائية عميقة، وخروج لافت عن المألوف الشعري الذي يبدأ عادة بضمير أو فعل أو اسم موضوعي.
حرف "ثم" في اللغة يفيد التراخي والترتيب، مما يعطي القارئ إيحاءً فوريًّا بأن القصيدة ليست بداية الكلام، بل هي امتداد لحديث أو لرحلة بدأت سابقًا (لعلها قصيدته السابقة عن أمل "يا صدرًا وطنًا"). الشاعر هنا يقطع الصمت فجأة ليدخلنا معه في منتصف حكايته؛ فالرحلة من "جنوب البلاد" هي الحدث الأول المضمر، والوصول إلى المدينة هو الحدث التابع المترتب عليه برابط "ثم".
هذا التكنيك السينمائي يشد المتلقي فورًا ليعرف: ماذا حدث قبل "ثم"؟
الرحلة من الجنوب إلى القاهرة رحلة طويلة وشاقة، واستخدام "ثم" يعكس طول المسافة الزمنية والمكانية، كأن لسان حال الشاعر يقول: سارت الأمور عادية في الطريق، ثم فجأة... هبطت المدينة فصدمت بهذا المشهد المرعب (المأدبة الرمزية). "ثم" هنا تعمل كنقطة تحول درامية تنقل السارد من فضاء الحركة والسفر إلى فضاء الصدمة والمشاهدة.
تبدأ القصائد عادة بمقدمات تمهد للموضوع، أما البدء بـ "ثم" فهو يماثل طريقة تدفق الوعي في الأحلام أو الكوابيس. الإنسان عندما يحكي كابوسًا مُخيفًا يقول: "كنت أمشي.. ثم رأيت كذا". البدء بـ "ثم" يسقط التمهيد العقلاني ويقذف بالقارئ مباشرة إلى داخل المشهد الكابوسي (أكل ملامح أمل دنقل)، مما يعزز الأجواء السريالية للقصيدة.
وإذا تأملنا بنيان القصيدة ككل، سنجد أن الشاعر أعاد استخدام نفس التركيب في المقطع الثاني: (ثم أنَّبَتِ الموتَ كيف يفاجئه). هذا التكرار يوضح أن "ثم" الأولى و"ثم" الثانية تعملان كرافعات بنيوية؛ الأولى تنقلنا إلى زمن الجريمة (المساء)، والثانية تنقلنا إلى زمن الزيف والتباكي (الصباح)، ليصبح حرف "ثم" هو الأداة التي تقود التحولات الزمنية والموضوعية في النص.
ثم يصور السماح عبدالله الشاعر أمل دنقل في مشهد سريالي مرعب، ليس كشخص مات حتف أنفه، بل كـ "وليمة" تلتهمها المدينة ومثقفوها. الملاعق، والأصابع، والضروس كلها أدوات لاغتيال معنوي ومادي تعرض له الشاعر في حياته ومن قِبل أدعياء الثقافة.
يبدأ النص بحضور الشاعر (السماح عبد الله) قادمًا من جنوب البلاد (وهو الموطن الأصلي لأمل دنقل أيضًا)، ليصطدم بـ "المدينة" التي ترمز للزيف، والجحود والنكران، واستهلاك المبدعين.
تتوزع القصيدة على حركتين زمنيتين متناقضتين تكشفان نفاق "المدينة": المساء (مشهد الالتهام الحقيقي): وهو يمثل الواقع الفعلي الذي عاشه أمل دنقل أثناء مرضه وصراعه؛ حيث كان محاطًا بنظرات العبوس، ومحاولات استغلال اسمه، والنهش في ملامحه المتعبة دون تقديم مواساة حقيقية. والصباح (مشهد البكاء المزيف) وهو يمثل الموقف الرسمي والإعلامي بعد رحيل الشاعر.
تتحوَّل الصحف والجرائد إلى منابر للندب والتباكي الفج، مدعيةً الحزن على رحيله قبل إتمام "قصيدته الآخرة"، في صدمة مفارقة يختصرها الشاعر بجملته المدوية: (عجبًا تأكلين الفتى في المسا.. ثم تبكينه في الصباح؟".
استخدم الشاعر صورًا حسية حادة ومقززة عن عمد (الضروس، ينشبون أظافرهم، انتفاخ البطون، شربوا دمك) لإثارة صدمة شعورية لدى المتلقي.
(أبيّ القصيدة): يصف السماح عبد الله الشاعر الراحل بأنه "أبو القصيدة الأبيّة"، تأكيدًا على موقف دنقل السياسي والإنساني الرافض للمساومة (صاحب "لا تصالح)
"تقوم القيامة": يرمز الخوف من التقاء المقلتين إلى حجم الإحساس بالذنب والعجز الذي يشعر به الشاعر القادم من الجنوب أمام عيني أمل دنقل اللتين تشهدان على خذلان الجميع له.
استخدام مفردات مثل "خربة"، و"انتفاخ البطون" يكسر النمطية الرثائية الفخمة لصالح واقعية المشهد وقسوته. والتكرار في جمل مثل (لم تشر أنهم... لم تشر أنهم...) يعكس دور الإعلام والصحافة في تزييف الحقائق والتغطية على القتل الرمزي للشاعر.
لقد كانت المفارقة المفجعة هي الأداة الأسلوبية الأقوى في نص السماح عبدالله، والتي تجلت في الخاتمة التي تلخص جدلية (المساء/ الأكل) مقابل (الصباح/ البكاء).
لذا نستطيع أن نقول إن النص يقوم على بنية ثنائية ضدية حادة تحكم المعنى والتشكيل الرمزى، وتتألف من مستويين: البنية الكبرى حيث تنقسم القصيدة بنيويًّا إلى مقطعين رئيسيين يمثّلان "الداخل" و"الخارج"، أو "المأدبة السرية" و"المسرح العلني": المقطع الأول (الافتراس الصامت): يمتد من البداية حتى "وتقوم القيامة". بنيته مبنية على الحركة الرأسية (الهبوط من الجنوب إلى قاع المدينة) ثم الدوران حول مركز واحد هو "جسد أمل دنقل" المستباح.
المقطع الثاني (الزيف العلني): يبدأ مِن "في الصباح" حتى النهاية. بنيته مبنية على الامتداد الأفقي (الجرائد، النشر، الخطاب الإعلامي).
تتشابك داخل البنية الصغرى العلاقات اللفظية عبر "التكرار البنيوي" كأداة ربط؛ مثل تكرار (بين الملاعق، بين الأصابع، بين الضروس) لخلق حصار هندسي لجسد الضحية، وتكرار النفي (لم تشر، لم تشر) لهدم الرواية الرسمية للمدينة.
ينقسم معجم القصيدة إلى حقلين دلاليين متصارعين: حقل "الافتراس والبيولوجيا": (يأكلون، الملاعق، الضروس، أظافرهم، أفواههم، انتفاخ البطون، دمك). وهو معجم صادم، ينتمي إلى الغريزة الحيوانية البدائية، وظّفه الشاعر لكسر "مقدس" الرثاء. وحقل "الفجيعة والقداسة": (ملامحك، المتوقد، الثمالة، أبيّ القصيدة، الحشا، القيامة). وهو معجم يرفع الضحية إلى مرتبة الصوفية أو النبوة المعذبة.
استخدام الأفعال المضارعة الحاضرة (يأكلون، ينشبون، يشربون) في المقطع الأول يمنح الحدث ديمومة مستمرة، فالنهش لا ينتهي بموت أمل، بل هو فعل متكرر. والتحول إلى الفعل الماضي في المقطع الثاني (نشرتك، قالت، فاجأه، أمّت) يشير إلى تحول الشاعر في نظر المدينة إلى "مادة مؤرشفة" وجثة باردة قابلة للمتاجرة.
في عبارة "يا أبيّ القصيدةِ"، حيث يخرج النداء من غرضه الاستغاثي إلى غرض التعظيم والتحسر، واشتقاق مضاف ومضاف إليه يختزل هوية أمل في "الإباء".
تطرح القصيدة عمقًا وجوديًّا يناقش مفهوم "القرابين الثقافية" واغتراب المبدع؛ ويتجلَّى اغتراب "أمل دنقل" (وحتى السارد الشاعر) في مدينة مادية متوحشة. الشاعر هنا هو "الغريب الوجودي" الذي يُقتل ليُمنح الآخرون "الحياة" أو "المادة الثقافية" ليتغذوا عليها.
فكرة "التهام الإله" تحيل القصيدة فلسفيًّا إلى طقوس قديمة حيث تأكل القبيلة توتمها أو إلهها – المصنوع غالبًا من العجوة - لامتصاص قوته. المثقفون والمدينة يأكلون ملامح أمل ودماءه المتوقدة لعلهم يحصلون على شرعيته الشعرية، وهو تمثيل فلسفي، أو إشارة لـ "الانتهازية الثقافية".
ونلاحظ الصراع بين ما حدث فعلاً (القتل البطني / الجوع المادي والمعنوي للشاعر) وبين ما يُسوق له (الموت المفاجئ الشاعري). وعلى ذلك تعرّي القصيدة الوعي البرجوازي للمدينة الذي يفصل بين مأساة الفنان الإنسانية وبين نتاجه الفني الاستهلاكي.
يمكن قراءة قصيدة السماح عبد الله من منظور "سيكولوجية الجماعة" و"عقدة الذنب". فالشاعر يعترف صراحة بالخوف والهروب: (وكرهت ألاقيك... خفت إذا ما التقت مقلتانا... وتقوم القيامة). نفسيًّا، يمثل هذا الهروب "عجز الشاهد". السارد يشعر بذنب جماعي لأنه عاجز عن إنقاذ "الأب الروحي"، وعينا أمل تمثلان "الضمير الصارم" الذي يخشى مواجهته لأن المواجهة ستحدث زلزالاً نفسيًّا داخلياً (يمور الذي في الحشا).
تتجسَّد في "النظرات العبوس" الممارسة السادية المضمرة تجاه المبدع المتفرد؛ إن الجماعة الثقافية تشهد تآكله ببلادة، بل تشرب دمه "حتى الثمالة" لتعويض نقصها الإبداعي.
ونلاحظ أن بكاء الصباح في الجرائد هو آلية نفسية دفاعية تمارسها "القاهرة" لتطهير نفسها من ذنب قتل الفتى في المساء، وهو حزن استعراضي لإخفاء التشفي أو الإهمال الفعلي.
الزمن في القصيدة ليس مجرد إطار، بل هو محرك درامي وصانع للمفارقة؛ وهناك زمنان متقابلان؛ ذلك أن القصيدة مشطورة بين زمنيْن شعريين: المساء (زمن الحقيقة / الجريمة) وهو زمن مظلم، بيولوجي، سري، يتم فيه تفكيك جسد الشاعر. إنه زمن المعاناة الحقيقية التي لا يراها أحد سوى القادم من الجنوب. والصباح (زمن الزيف / الاستعراض): هو زمن الضوء، والعلنية، والطباعة، والمساحيق التجميلية التي تغطي دم المساء.
تبرز المفارقة الزمنية الصادمة في التكثيف الفجائي (مساء ثم صباح)، فبين الموت والتباكي ساعات قليلة، مما يكشف السقوط الأخلاقي للمدينة؛ إذ لم تمنح الضحية حتى وقتاً ليُدفن بحرمة، بل سارعت لاستثماره إعلاميًّا.
النص حافل بلا شك بالعلامات والرموز التي تحتاج إلى تفكيك شيفراتها: فهناك سيميائية الجسد المستباح: (الملامح المتعبة / المقلتان / الزندان / الوجه): أجزاء الجسد هنا ليست مادية فقط؛ المقلتان تشيران إلى وعي الشاعر ورؤيته الثاقبة، الزندان يشيران إلى الفعل والمقاومة والصلابة، والتهامهما سيميائيًّا يعني رغبة المدينة في محو وعي أمل ومقاومته لتبقي منه جثة مدجنة.
الدم المتوقد يدل على سيمياء الثورة، والقصيدة المشتعلة، والحياة الرافضة للمساومة.
وهناك سيميائية الأدوات والأماكن (الملاعق والضروس) علامات سيميائية تشير إلى "الآلية" والالتهام البيروقراطي الثقافي؛ حيث تحول النقد والزمالة الإبداعية إلى أدوات هضم. (الجرائد / التصاوير): علامات للسطحية، والتسليع حيث تُحول القيمة الوجودية (الشاعر) إلى مادة استهلاكية بصرية.
القاهرة هنا ليست مجرد جغرافيا، بل هي "دال" على التنين الرمزى الذي يتغذى على أبنائه.
يعيد النص تشكيل "أفق توقعات" القارئ، ونعرف أن القارئ الذي يقبل على قصيدة رثاء لأمل دنقل يتوقع معجمًا تفجيعيًّا يبكي "جنوبيًّا" مات في الغربة، أو يمدح نضاله. لكن السماح عبدالله يصدم "أفق توقع" القارئ فورًا بـ "مأدبة العشاء المقزِّزة".
هذه الصدمة تُجبر المتلقي على الانتقال من موقف "المتعاطف الباكي" إلى موقف "المتفاجئ والمشارك في التفكير والمساءلة".
ويترك الشاعر مساحات بيضاء شاسعة للقارئ؛ مَن هم "الآكلون"؟ (فلاقيتهم يأكلون...) لم تسمهم القصيدة. هنا يستدعي القارئ مخزونه المعرفي والتاريخي لملء هذا الفراغ (المثقفون، السلطة، الأصدقاء الأدعياء، النخبة). القارئ هنا يصبح شريكًا في توجيه أصابع الاتهام.
يندمج أفق النص (موت أمل دنقل في الثمانينات) مع أفق القارئ المعاصر، ليدرك القارئ أن القصيدة لا ترثي أمل دنقل الشخص فحسب، بل ترثي وتنتقد "الحالة الثقافية العربية" المستمرة حتى اليوم، والتي تقتل مبدعيها تهميشًا في حياتهم، وتقدسهم تكسُّبًا بعد وفاتهم.
قصيدة "عشاء" للشاعر السماح عبد الله:
ثم أني حططتُ المدينةَ ذات مساءْ
قادمًا من جنوب البلادِ
فلاقيتهم يأكلون طعامَ العشاءْ
ولمحتُكَ بين الملاعق
بين الأصابع
بين الضروسْ
ينشبون أظافرَهم فيكَ بالنظرات العبوس
أنا نبهتهم أنهم يأكلون ملامحك المتعبة
أن أفواههم خربة
أنهم يشربون دمك
غير أنهم أكلوا مقلتيك
وزنديك
والوجه حتى انتفاخ البطون
شربوا دمَك المتوقد حتى الثمالة
حتى ذهول العيون
وكرهت ألاقيك لما يقومون بين بطونهمُ
يا أبيّ القصيدةِ
خفت إذا ما التقت مقلتانا
يمور الذي كنت أحمله في الحشا
وتقوم القيامة.
...
في الصباحْ
نشرتك الجرائد بين تصاويرها ميتا
قالت الموتُ فاجأه
بينما لم يتم قصيدته الآخرة
ثم أنَّبَتِ الموتَ
كيف يفاجئه قبل أن تكتم؟
لم تُشِرْ أنهم شربوا دمك المتوقد حتى الثمالة
لم تشر أنهم عبئوك الحشا
إيه يا قاهرة
عجبا
تأكلين الفتى في المسا
ثم تبكينه في الصباح؟.
#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)
Alsammah_Abdollah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟