امغار محمد
محام باحت في العلوم السياسية
(Amrhar Mohamed)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 22:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل الانتخابات في المغرب مجرد آلية لإعادة إنتاج الأعيان؟
هو سؤال مستمد من ملاحظة ما يجري في مغرب هنا والآن، ونحن على أبواب تجديد مجلس النواب، وخاصة ما ينشر في وسائل التواصل والمرتبط بترشح أفراد من نفس العائلات، واستقالة الأطر الحزبية غضباً، وتغيير اللون السياسي من الناخبين الكبار، ودخول شباب طموح غمار الانتخابات من باب أحزاب غير ممثلة بالبرلمان، وما سيأتي هو محاولة للجواب عن السؤال: هل الانتخابات مجرد آلية لإعادة إنتاج شبكات المصالح بالبرلمان؟
د. محمد أمغار
دكتور في العلوم السياسية
كشفت الممارسة الانتخابية المغربية خلال العقد الأخير، وبشكل أكثر وضوحاً في الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، عن ظاهرة سياسية قديمة جديدة تستحق النقاش الجدي، وهي إعادة إنتاج التمثيلية البرلمانية داخل نفس العائلات ونفس شبكات النفوذ الاجتماعي والسياسي.
ففي عدد كبير من الدوائر المحلية والدوائر الجهوية، لم يعد المقعد البرلماني مجرد نتيجة لمنافسة بين برامج ومشاريع وأفكار وأحزاب، وإنما أصبح ينتقل من الأب إلى الابن، أو من الأخ إلى الأخ أو الأخت، أو عبر المصاهرة، أو من خلال ما يمكن تسميته بالتبني السياسي، حيث تنتقل شبكة النفوذ من شخصية إلى أخرى داخل الحزب نفسه أو بين أحزاب مختلفة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في حق أبناء الأعيان أو أقاربهم في الترشح، فهذا حق سياسي مضمون دستورياً لا يجوز المساس به. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول القرابة والمكانة الاجتماعية والقدرة المالية وشبكات المصالح إلى شروط ضرورية للولوج إلى التمثيلية السياسية. عندها تصبح الانتخابات، بدل أن تكون وسيلة لتجديد النخب، وسيلة لإعادة إنتاجها.
وهنا نستحضر أطروحة عالم الاجتماع السياسي الفرنسي ريمي لوفو لأهميتها. ففي كتابه الفلاح المغربي، المدافع عن العرش، لم ينظر لوفو إلى الأعيان باعتبارهم بقايا لنظام تقليدي آيل إلى الزوال، وإنما درس قدرتهم على التكيف مع المؤسسات الحديثة من أحزاب وبرلمان وحكومة، والعمل على إعادة بناء نفوذهم داخل الدولة والمؤسسات الحديثة، اعتماداً على المجال الانتخابي. لتصبح الحداثة السياسية، من هذا المنظور، رغم الخطابات الرنانة للبعض، لا تؤدي بالضرورة إلى اختفاء النخب التقليدية، بل تمنحها، على العكس من ذلك، أدوات جديدة لاستمرار حضورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وهذا بالضبط ما يجعلنا نعتمد على ما جاء في أطروحة ريمي لوفو عند قراءة المشهد الانتخابي الحالي. فقد تتغير القوانين، وتتعدد الأحزاب، وتصبح الانتخابات دورية، وتتوسع وسائل الاتصال السياسي، لكن ذلك كله لا يمنع من استمرار آليات إنتاج السلطة التقليدية داخل الأشكال السياسية الحديثة.
إن الأعيان انتقلوا من المجال التقليدي، القبيلة أو الجماعة، إلى المجال الحزبي، لكن السؤال يبقى هو: هل تحولوا فعلاً إلى رجال ونساء سياسة، أم تحول الحزب إلى أداة انتخابية للأعيان؟ ذلك أنه سوف نلاحظ أن اللون الحزبي قد يتغير، أما العين، الشخص، فلا يتغير؛ فهو سيكون موجوداً في مجلس النواب المقبل بنفس اللون الحزبي أو بلون آخر.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تثير اهتمام الباحثين في العلوم السياسية حالياً.
فالأحزاب، وفق المنطق الدستوري والقوانين التنظيمية للأحزاب، ليست مجرد آلات للحصول على المقاعد عن طريق الانتخاب. إنها مؤسسات للتأطير، والتنشئة والتكوين السياسي، وتجميع المصالح الاجتماعية، وإنتاج القيادات والنخب القادرة على تنفيذ برامجها. ولذلك فإن عدم رغبتها أو ضعف قدرتها على إنتاج نخب جديدة، واعتمادها المتزايد على شخصيات تمتلك مسبقاً المال أو الجاه أو النفوذ المحلي، يطرح سؤالاً حقيقياً حول الوظيفة الحقيقية التي تؤديها هذه الأحزاب داخل النظام السياسي المغربي.
وهنا يصبح من المشروع على الباحث في العلوم السياسية طرح سؤال إشكالي مستمد من الواقع الحالي، وهو: هل الأحزاب هي التي تؤطر الأعيان وتدمجهم في مشاريع سياسية، أم أن الأعيان هم الذين يخترقون الأحزاب ويعيدون توظيفها لخدمة شبكات نفوذهم؟
وهذا السؤال يضعنا أمام فرق جوهري بين الحالتين.
في الحالة الأولى، يستقطب الحزب شخصية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ويدخلها في مشروعه السياسي وبرنامجه المؤسساتي، فتتحول المكانة الاجتماعية إلى رصيد سياسي داخل التنظيم.
أما في الحالة الثانية، فإن الحزب يصبح مجرد واجهة انتخابية لشبكة اجتماعية واقتصادية وسياسية موجودة مسبقاً. وحينها لا يكون الحزب هو الذي يصنع النخبة، وإنما تقوم النخبة بإعادة تشكيل الحزب وفق حاجتها إلى التمثيل السياسي.
وهذه الإشكالية تتقاطع مع الأسئلة التي أثارها ريمي لوفو في كتابه السيف والعمامة حول طبيعة التحول السياسي في المغرب العربي وحدود التعددية والانفتاح السياسي. فوجود المؤسسات والأحزاب والانتخابات لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول عميق في بنية إنتاج السلطة، إذ ينبغي النظر كذلك إلى من يملك القدرة الفعلية على الوصول إلى المؤسسات ومن يظل خارجها.
ولذلك فإن الظاهرة التي تستحق الدراسة اليوم، والتي لا تثار في الكثير من الكتابات، خاصة على الفضاء الأزرق في نقدها لواقع الانتخابات، ليست فقط ظاهرة «الأعيان»، وإنما إعادة إنتاج الأعيان داخل الأحزاب المغربية والمؤسسات المنتخبة. وهذا سوف يؤكد أن بعض الشباب الذين يدخلون غمار الانتخابات من بوابة بعض الأحزاب التي لا تستهوي الأعيان، يجدون أنفسهم تائهين أثناء الحملة وبدون نتيجة تذكر.
وهذا يؤكد أننا أصبحنا أمام شكل جديد من الوراثة السياسية لا يشبه بالضرورة الوراثة التقليدية. فالمقعد لا ينتقل دائماً بالاسم العائلي المباشر، فقد ينتقل عبر المصاهرة، أو عبر شبكة المصالح، أو عبر الولاء السياسي، أو عبر شخصية يتم إعدادها لتخلف شخصية أخرى. وهكذا تتحول العلاقات الاجتماعية إلى رأسمال انتخابي، وتتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة تدوير هذا الرأسمال التقليدي.
ومع كل هذا، فإنه ينبغي الإشارة إلى أنه من الخطأ، مع ذلك، اختزال كل نجاح انتخابي لعائلة أو شخصية نافذة في فساد سياسي. فهناك أعيان يمتلكون شرعية اجتماعية حقيقية، وهناك أبناء عائلات سياسية قد يكونون أكثر كفاءة من غيرهم. والمعيار هنا ليس الأصل العائلي، وإنما قدرة النظام الحزبي على ضمان تكافؤ الفرص السياسية وفتح المجال أمام الكفاءة والمنافسة الحقيقية. وهذا يؤدي بنا إلى القول إن المشكلة إذن ليست أن يدخل ابن النائب إلى البرلمان؛ وإنما أن يصبح ابن النائب هو الخيار الطبيعي دائماً، بينما يصبح المواطن الذي لا يملك اسماً عائلياً أو شبكة نفوذ في موقع المنافس الاستثنائي.
لذلك فإن الديمقراطية الحزبية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب أو دورية الانتخابات، وإنما بقدرتها على إنتاج نخب جديدة من المجتمع، وجعل الصعود السياسي مبنياً على الكفاءة والنضال داخل الحزب، وربط التمثيلية بالبرامج والمواقف وأفكار الحزب، وجعل البرلمان فضاءً للتعبير عن المصالح المتعددة للمجتمع، لا مجرد امتداد لشبكات النفوذ المحلية والوطنية.
ولذلك فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 ينبغي ألا تُقرأ فقط من زاوية سؤال: من سيفوز بالمقاعد؟
بل ينبغي أن نطرح سؤالاً أعمق، وهو: من الذي يصنع نواب البرلمان المغربي؟ الأحزاب أم الأعيان؟
فإذا كانت الأحزاب تصنع النواب، فنحن أمام مؤسسات سياسية تؤدي وظيفتها في إنتاج النخب.
أما إذا كان الأعيان يصنعون النواب، ثم تبحث لهم الأحزاب عن الإطار الانتخابي المناسب، فإننا أمام ظاهرة مختلفة تماماً، وهي أحزاب حديثة في الشكل، وفي العمق شبكات تقليدية في إعادة إنتاج السلطة.
وهنا تكمن أهمية العودة مرة أخرى إلى أطروحة ريمي لوفو، ليس لأنه قدم لنا وصفة جاهزة لفهم مغرب 2026، وإنما لأنه يذكرنا بحقيقة سياسية عميقة، وهي أن نخب الأعيان لا تختفي بالضرورة عندما تتغير المؤسسات، والتي سماها الدكتور عبد اللطيف أكنوش بالمنشئات، لغياب الاستمرارية والتوقعية؛ لأنها قد تعيد إنتاج نفسها داخل المؤسسات الجديدة، وهي هنا الأحزاب والبرلمان والحكومة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الديمقراطية المغربية اليوم ليس إقصاء الأعيان، وإنما تحرير السياسة من احتكار شبكات نفوذهم، وجعل الحزب كمؤسسة يمارس دوره الدستوري في التأطير لإنتاج النخب، لا مجرد وسيلة لتسويق الأعيان انتخابياً.
فالديمقراطية لا تبدأ يوم يضع المواطن ورقة في صندوق الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، تبدأ يوم يصبح المواطن، أياً كان اسمه ونسبه وموقعه الاجتماعي، قادراً على أن يصعد سلم السياسة بالكفاءة والمشروع السياسي والثقة الشعبية، لا بالوراثة السياسية وحدها.
وذلك هو الامتحان الحقيقي للأحزاب والانتخابات، وذلك أيضاً هو السؤال الذي تطرحه انتخابات 23 شتنبر 2026 على الحياة السياسية المغربية.
الدارالبيضاء في 2026/9/2
#امغار_محمد (هاشتاغ)
Amrhar_Mohamed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟