أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عامر صالح - في الحرب على ايران والأشكالية السيكولوجية السياسية للدور الأمريكي والأيراني في العراق وخصوصية النخب السياسية العراقية















المزيد.....

في الحرب على ايران والأشكالية السيكولوجية السياسية للدور الأمريكي والأيراني في العراق وخصوصية النخب السياسية العراقية


عامر صالح
(Amer Salih)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 14:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الكثير منا يقف الى جانب ايران انطلاقا من العداء لأمريكا " عدو عدوي صديقي" أو انسجاما مع اجندة ايران، وأن ايران دولة ونظام وشعب معتدى عليها وهذا حق في شكله الظاهر لأنه يخلط بين الشعب الأيراني والنظام وان كلاهما واحد ولكن الشعوب تأخذ بجريرة حكامها وخاصة في زمن الحروب فتدفع ثمن باهظا حتى وأن كانت الفجوة عميقة بين الشعب والنظام حيث الخسائر في الأرواح والبنى التحتية وقلق المستقبل والخوف من المجهول الى جانب عمق الآثار النفسية والاجتماعية لصدمة الحرب وما بعدها.

النظام الأيراني يصدر الثوة ويعد مبدأ "تصدير الثورة" ركيزة أيديولوجية واستراتيجية أُسست لها مرجعية قانونية ودستورية في هيكل الجمهورية الإسلامية الإيرانية لربط السياسة الداخلية بالامتداد والنفوذ الخارجي. وتحاول ايران فرض نموذج سياسي اثيوقراطي على دول المنطقة والبعض يقول ان الدول تبحث عن مصالحها وايران جزء من ذلك ولكن هناك فرق بين البحث عن المصالح وبين الهيمنة وتصدير نموذج سياسي الى دول الجوار مقترنا بسلوكيات فرض الأرادة بل والتعامل مع فصائل وقوى خارج الدولة لتنفيذ أجندة سياسية دون حسبان لحسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وان هذه السياسة وبالرغم من ادانتنا للعدوان الأمريكي والأسرائيلي على ايران فأنها تشدد من قبضة العداء لأيران والريبة منها والحذر حتى من اقرب جيرانها.

ايران ومنذ نشأة الجمهورية الإسلامية في العام 1979 تنفذ اجندتها العقائدية في التوسع من خلال دعم الفاعلين من غير الدول: بناء وتمويل شبكة من الفصائل والمليشيات المسلحة في المنطقة، واستغلال الفراغ السياسي من خلال التغلغل في الدول التي تعاني من ضعف السلطة المركزية أو الحروب الأهلية، او من خلال القوة الناعمة: تأسيس مراكز ثقافية ودينية وتعليمية لنشر الفكر الثوري الإيراني ذو النزعة المذهبية المؤدلجة.

وبالمقابل أن دول الجوار الخليجي والأسلامي ليست ذلك الحمل الوديع والمسالم فقد ساهمت البعض منها في رعاية الأرهاب وتمويله وإرسال الأنتحاريين من تنظيمات القاعدة وداعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الأجرامية ونشر الخطاب التكفيري القائم على الكراهية الطائفية واشعال الصراعات الطائفية السياسية وقد دفع العراق بعد 2003 مئات الآلاف من ضحايا هذا الأرهاب وكذلك العبث في استقرار وأمن العديد من الدول العربية كسوريا والجزائر وتونس وليبيا واليمن ومصر والسودان وضرب وحدة النسيج المجتمعي لتلك الدول من الداخل" وهنا لا نناقش طبيعة النظم القمعية في أغلب الدول المذكورة أعلاه " ولكن المفارقة المضحكة ان هذه الدول الخليجية التي تتدخل عبر أذرعها الإرهابية تتدعي انها تريد بناء ديمقراطية وعدالة اجتماعية في تلك الدول وهي لا تمتلك مقومات ذلك في الداخل.

كان بأمكان ايران ان تنتهج طريق التنمية الاقتصادية والبشرية الشامل وتنظم الى النمور الأسيوية السبعة ( كوريا الجنوبية، تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ، ماليزيا، إندونيسيا، والفلبين) إلا أن عسكرة الدولة والمجتمع واستنزاف الموارد المالية على برامج التسلح فوت فرصا تاريخية على ايران كان بإمكانها أن تضاهي كل دول الخليج العربي مجتمعة وكان بأمكانها ايضا ان تحرص على مصالحها سلميا في الشرق الأوسط.

الموقف مع ايران الشعب اليوم هو موقف أخلاقي وانساني ولا يحتاج الى مزيدا من التردد والعناء وتجربة احتلال العراق وتفكيك دولته ماثلة أمامنا والتي تمت بعنوان " الفوضى الخلاقة " والتي تحولت منذ سقوط الدكتاتورية الى "فوضى هدامة" تم فيها تحطيم الدولة العراقية ومؤسساتها وحولت البلاد الى غنائم تتقاسمها احزاب السلطة والى مناسبات لسرقة المال العام والى الفساد الأداري والمالي ونهب أموال الدولة التي بلغت قيمتها منذ 2003 أكثر من ترليوني دولار.

ومن يتمنى إحلال النموذج العراقي وبالقوة العسكرية الأمريكية والأسرائيلية على ايران انتقاما من النظام الأيراني فهو وأهم وفي غيبوبة جيوبولتيكية وان هذا النموذج إن حل بأيران فهو لا يهدد وحدة ايران بل يهدد المنطقة بالكامل.

أما بالنسبة لفهم الدور الإيراني والأمريكي في العراق بوصفه صراع نفوذ طويل الأمد، لكنه ليس مجرد صراع بين دولتين؛ بل هو أيضاً نتيجة مباشرة لبنية الدولة العراقية التي تشكلت بعد 2003. ويمكن ايجازه بالشكل الآتي:

أولاً: الدور الأمريكي
الولايات المتحدة غيّرت بنية العراق جذرياً بعد غزو 2003 وإسقاط نظام صدام حسين. وقد أنهى الاحتلال النظام الدكتاتوري، لكنه ترك في الوقت نفسه فراغاً سياسياً وأمنياً استثمرته قوى داخلية وإقليمية، وفي مقدمتها إيران.

ويمكن تلخيص النفوذ الأمريكي في أربعة مجالات:
الأمني والعسكري: بناء وتدريب القوات العراقية، ثم العودة العسكرية لمحاربة تنظيم داعش بعد 2014.
السياسي: دعم النظام السياسي الجديد ومؤسساته وعلاقاته الدولية.
الاقتصادي: النفوذ عبر الاستثمار والطاقة والنظام المالي والعلاقات التجارية.
الدبلوماسي: التأثير في علاقة بغداد بالعالم العربي والغرب.

لكن المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة أسقطت الخصم التاريخي لإيران في العراق، أي نظام صدام حسين، ثم وجدت نفسها تنافس إيران داخل العراق الذي ساهمت هي في إعادة تشكيله. هذه من أكبر مفارقات حرب 2003.

ثانياً: الدور الإيراني

إيران لم تحتج إلى احتلال العراق لكي يكون لها نفوذ فيه. فقد استفادت من:
الجغرافيا، الحدود الطويلة، الروابط الدينية والاجتماعية، الأحزاب والحركات العراقية، الفصائل المسلحة،التجارة والطاقة. ومنذ 2003 وسّعت طهران علاقاتها مع قوى سياسية وأمنية واقتصادية عراقية، وأصبح نفوذها متعدد المستويات، وليس محصوراً في الحكومة المركزية.

والأهم أن إيران تنظر إلى العراق من منظور الأمن القومي الإيراني:
لا تريد عودة عراق قوي معادٍ لها كما حدث في حرب 1980- 1988، ولا تريد عراقاً يتحول إلى قاعدة أمريكية متقدمة على حدودها. ولهذا أصبح العراق بالنسبة لطهران عمقاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً.
ولهذا يمكن القول إن أمريكا تمتلك أدوات قوة أكبر، بينما تمتلك إيران أدوات نفوذ محلية أكثر تجذراً.

ثالثا: المشكلة الأعمق: العراق أصبح ساحة صراع
المشكلة ليست أن إيران وأمريكا تتدخلان في العراق فقط؛ بل أن النظام السياسي العراقي نفسه أصبح جزءاً من التنافس بينهما. فعندما تكون الدولة ضعيفة والمؤسسات منقسمة، تستطيع القوى الخارجية العمل من خلال القوى السياسية والاقتصادية والأمنية المحلية. وقد وصفت دراسات عديدة العراق بأنه أصبح محوراً للمنافسة الاستراتيجية الأمريكية–الإيرانية منذ 2003. وهنا تظهر نتيجة خطيرة:
كلما ضعفت الدولة العراقية، ازدادت قدرة الخارج على التأثير فيها؛ وكلما ازدادت قوة الدولة ومؤسساتها، تراجع احتياج القوى السياسية العراقية إلى الحماية الخارجية.

رابعا: البعد النفسي والسياسي
من زاوية علم النفس السياسي، يمكن النظر إلى العراق باعتباره يعيش بين نوعين من القلق:
القلق الإيراني:
إيران تخشى عراقاً قوياً متحالفاً مع الولايات المتحدة، خصوصاً بسبب التجربة الدموية للحرب العراقية–الإيرانية.
القلق الأمريكي:
واشنطن تخشى أن يتحول العراق إلى قاعدة نفوذ إيراني واسعة، أو إلى دولة تخرج بالكامل من المجال الأمريكي.
أما القلق العراقي فهو الأخطر:
أن يتحول العراق من دولة صاحبة قرار إلى ساحة يتنافس الآخرون على قرارها. وهذا يفسر جانباً من ظاهرة الاستقطاب السياسي العراقي بعد 2003.

خامسا: هل العراق إيراني أم أمريكي؟
العراق ليس تابعاً بالكامل لإيران، وليس تابعاً بالكامل للولايات المتحدة. توجد داخله قوى سياسية واجتماعية وقومية ووطنية متعددة، كما أن المصالح العراقية لا تتطابق دائماً مع مصالح أي من الطرفين.
والاتجاه الأكثر عقلانية للعراق هو سياسة التوازن:
علاقات جيدة مع إيران بحكم الجغرافيا والمصالح،
وعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة بحكم المصالح الأمنية والاقتصادية والدولية، لكن دون أن يتحول العراق إلى تابع لأي منهما. وفي الوقت الحالي، تتجه العلاقة الأمريكية–العراقية إلى إعادة صياغة الوجود العسكري الأمريكي، بينما يستمر التنافس على النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي داخل العراق.

ويمكن القول هنا أن إيران تريد عراقاً آمناً بالنسبة لأمنها وغير معادٍ لها، والولايات المتحدة تريد عراقاً مستقراً لا يقع تحت الهيمنة الإيرانية. أما المصلحة العراقية الحقيقية فهي أوسع من ذلك: عراق قوي، مستقل القرار، يحتفظ بعلاقات متوازنة مع واشنطن وطهران دون أن يكون ساحة صراع بينهما.

قد يكون السؤال الأكثر إثارة هو: هل أدى الصراع الأمريكي–الإيراني إلى صناعة "دولة عراقية ضعيفة" يستفيد الطرفان من بقائها بهذه الصورة؟ وهذا يقود إلى تحليل سيكولوجيا التبعية السياسية وصناعة النخب العراقية بعد 2003.

أن قراءة سيكولوجيا التبعية السياسية وصناعة النخب العراقية بعد 2003 بوصفها إحدى أهم مفاتيح فهم لماذا بقيت الدولة العراقية ضعيفة رغم امتلاكها موارد بشرية ونفطية كبيرة:
1. التبعية السياسية ليست مجرد عمالة للخارج
التبعية في علم النفس السياسي لا تعني بالضرورة أن السياسي «عميل» لدولة أجنبية. قد تكون أعمق من ذلك: اعتماد نفسي وسياسي على قوة خارجية تمنح النخبة الشعور بالأمان والشرعية والقدرة على البقاء.
وهنا تظهر معادلة خطيرة:
ضعف الدولة - خوف النخبة - البحث عن حامٍ خارجي - زيادة نفوذ الخارج - استمرار ضعف الدولة.
أي أن التبعية قد تتحول إلى دائرة نفسية وسياسية مغلقة.
2. ماذا حدث بعد 2003؟
سقوط النظام السابق لم يغير السلطة فقط؛ بل أحدث انهياراً في منظومة الدولة والشرعية القديمة. ومع إعادة بناء النظام السياسي ظهرت نخب جديدة، بعضها كان قادماً من المعارضة والمنفى، وبعضها من القوى الاجتماعية والسياسية التي صعدت بعد 2003. هذه النخب وجدت نفسها أمام دولة ضعيفة ومجتمع شديد الانقسام، فكان من الطبيعي أن تبحث عن مصادر جديدة للشرعية والحماية. وهنا أصبحت العلاقة مع القوى الخارجية أكثر أهمية.
3. من "قوة الدولة" إلى "قوة الحماية"
في الدولة الطبيعية، السياسي يحتاج إلى الدولة كي يحكم. أما في الدولة الهشة، فقد يحدث العكس:
السياسي يحتاج إلى الحزب، والحزب يحتاج إلى الشبكة، والشبكة تحتاج إلى الحماية، والحماية قد تأتي من الخارج.
وهنا تتراجع قيمة المؤسسات مقابل قيمة العلاقات الشخصية والسياسية. وهذا يؤدي إلى نشوء ما يمكن تسميته: " الشخصنة السياسية "، أي أن الولاء للشخص أو الحزب أو الجماعة يصبح أقوى من الولاء للمؤسسة.
4. سيكولوجيا الخوف
الخوف عنصر أساسي في فهم النخب العراقية بعد 2003.
هناك خوف من: عودة الاستبداد، فقدان السلطة، الإقصاء السياسي، الجماعات المسلحة، الخصوم الداخليين، التدخلات الخارجية وفقدان الحماية السياسية.

عندما يعيش السياسي في بيئة يشعر فيها أن خسارة السلطة قد تعني خسارة كل شيء، فإنه يصبح أكثر استعداداً لبناء شبكات حماية بدلاً من بناء مؤسسات مستقلة. ومن هنا يمكن أن يتحول الخوف من المستقبل إلى اعتماد على الخارج.

5. إيران وأمريكا: نموذج مختلف للتبعية
هنا يجب الحذر من التعميم. ليست كل النخب العراقية مرتبطة بإيران، وليست كل النخب مرتبطة بأمريكا. لكن بعد 2003 نشأت بيئة تستطيع فيها النخب العراقية الاستفادة من تعدد مراكز القوة الخارجية.
إيران تمتلك قرباً جغرافياً وروابط سياسية واجتماعية وأمنية عميقة، بينما تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً عسكرياً ودبلوماسياً واقتصادياً كبيراً.
وبالتالي أصبح بعض السياسيين العراقيين يمارسون نوعاً من التوازن بين القوى الخارجية بدلاً من بناء استقلال سياسي كامل.
6. أخطر تحول نفسي: من "الاستقلال" إلى "إدارة التبعية" وهذه ربما النقطة الأهم. قد لا يكون السؤال عند بعض النخب: كيف نبني دولة مستقلة؟ بل يصبح: كيف نستخدم التنافس بين القوى الخارجية لمصلحتنا السياسية؟ وهنا تتحول التبعية من حالة مفروضة إلى أداة سياسية. السياسي قد يقول:
أنا لا أريد أن أكون تابعاً لإيران أو أمريكا، وإنما أستخدم علاقاتهما المتنافسة لتحقيق مكاسب داخلية.
لكن النتيجة غير المقصودة قد تكون استمرار ضعف الدولة؛ لأن قوة السياسي تصبح مرتبطة بشبكته الخارجية أكثر من ارتباطها بإنجازاته داخل الدولة.
7. الريع السياسي
العراق دولة ريعية اقتصادياً، لكن بعد 2003 يمكن الحديث أيضاً عن الريع السياسي.
الريع السياسي يعني الحصول على الموارد والمناصب والنفوذ من خلال الموقع السياسي والشبكات، وليس بالضرورة من خلال الإنتاج والكفاءة. وهذا ينتج عقلية: "السياسة وسيلة للحصول على الموارد" بدلاً من: "السياسة وسيلة لبناء الدولة". عندما تنتشر هذه الثقافة، يصبح المنصب غاية وليس وسيلة.
8. لماذا يصعب على النخب إصلاح النظام الذي تستفيد منه؟
هنا تظهر مفارقة نفسية شديدة الأهمية. قد يعرف السياسي أن النظام يعاني من خلل، لكنه في الوقت نفسه يستفيد من هذا الخلل. لذلك يصبح الإصلاح تهديداً لمصالحه.
يمكن التعبير عن ذلك هكذا: النخبة التي تستفيد من الفوضى قد تخاف من النظام أكثر مما تخاف من الفوضى.
لأن الدولة القوية تعني: مؤسسات أقوى، قوانين أكثر صرامة، رقابة أكبر، تراجع نفوذ الأحزاب، تراجع المحاصصة وتقليل قدرة السياسي على توزيع الموارد. وهذا يفسر لماذا قد تتحدث النخب عن الإصلاح، بينما تقاوم الإصلاح الحقيقي عندما يهدد مصالحها.
9. المحاصصة كآلية نفسية
المحاصصة ليست فقط نظاماً لتوزيع المناصب؛ يمكن أن تصبح نظاماً لإدارة الخوف الجماعي.
كل جماعة تقول: إذا لم أحصل على حصتي، فسوف يسيطر الآخرون عليّ. وبالتالي يتحول الخوف من الآخر إلى مبرر للحصول على السلطة.
وهكذا تصبح المحاصصة دائرة:
الخوف من الآخر - طلب الحصة - تقوية الجماعة - إضعاف الدولة - زيادة الخوف من الآخر.
وهذا أحد أخطر الجوانب النفسية للنظام السياسي العراقي.
10. صناعة النخبة بعد 2003
يمكن تصور عملية صناعة النخبة السياسية العراقية في عدة مراحل:
المرحلة الأولى: سقوط النظام القديم وانهيار مصادر الشرعية السابقة.
المرحلة الثانية: صعود قوى المعارضة والقوى الاجتماعية الجديدة.
المرحلة الثالثة: بناء نظام سياسي قائم على التعددية والانتخابات، لكن داخل دولة ضعيفة.
المرحلة الرابعة: تحول الأحزاب إلى مؤسسات قوية داخل الدولة.
المرحلة الخامسة: ظهور شبكات اقتصادية وأمنية وسياسية مرتبطة بالأحزاب.
المرحلة السادسة: تحول بعض النخب من ممثلين للدولة إلى مراكز قوة داخل الدولة.
وهنا يحدث انقلاب مهم:
بدلاً من أن تكون الأحزاب خادمة للدولة، تصبح الدولة في نظر بعض الأحزاب مورداً لخدمة الحزب.
11. النرجسية السياسية
هناك أيضاً بعد نفسي آخر، وهو النرجسية السياسية.
عندما يصل السياسي إلى السلطة من خلال شبكة حزبية أو طائفية أو خارجية، قد يبدأ تدريجياً في الاعتقاد بأن: "وجود الدولة مرتبط بوجودي السياسي".
فتصبح المعارضة له وكأنها معارضة للدولة، والنقد الموجه إليه وكأنه استهداف للجماعة التي يمثلها.
وهنا تظهر ثقافة التسقيط والتخوين والانتقام السياسي.
وهذه الثقافة تتقاطع مع ما ناقشناه سابقاً حول النرجسية الجماعية: عندما تشعر الجماعة بأنها مهددة، يصبح الدفاع عن صورتها أهم من الاعتراف بأخطائها.
12. النتيجة: دولة بوجهين
أحد أهم ملامح العراق بعد 2003 هو وجود:
دولة رسمية: مؤسسات، حكومة، برلمان، قضاء، جيش، وبجانبها دولة شبكية غير رسمية: أحزاب، جماعات مصالح، شبكات اقتصادية، علاقات خارجية، وقوى اجتماعية وأمنية.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الدولة الرسمية أضعف من الشبكات التي تعمل داخلها.
الخلاصة السيكولوجية:
يمكن اختصار سيكولوجيا التبعية السياسية العراقية بعد 2003 في خمس كلمات:
الخوف - الحماية - الولاء - النفوذ - إعادة إنتاج التبعية.
لكن كسر هذه الدائرة لا يبدأ فقط بتغيير السياسيين، وإنما بتحويل مصدر الشرعية من الحزب والجماعة والحماية الخارجية إلى الدولة والمواطنة والمؤسسات.
والسؤال الأعمق الذي يطرح نفسه هنا هو:
هل النخبة العراقية بعد 2003 هي التي صنعت دولة ضعيفة، أم أن ضعف الدولة هو الذي صنع نخبة سياسية تعتمد على الشبكات الخارجية والطائفية والحزبية؟
والأرجح أن العلاقة تبادلية: ضعف الدولة أنتج هذه النخب، وهذه النخب أعادت إنتاج ضعف الدولة. كما ان بقاء صراع النفوذ بين دول الخليج وايران وبين امريكا وايران الى جانب هشاشة الطبقة السياسية العراقية وتعدد ولائها لأطراف الصراع وليست للدولة العراقية والوطن سيجعل من استقرار العراق وتوجهه لبناء دولة المواطنة أمر ليست بالهين وقد ألقت الأحداث بظلالها على استقرار العراق منذ الوهلة الأولى لنشأة الصراع ولازال أفق المستقبل غامضا ومحصورا في التصريحات التفائلية والأمنيات المشروعة ولكن دون آفاق لحلول نهائية تذكر. ومن يشاهد أمام الشاشات شذرات محاربة الفساد وقد سرقت أموال الشعب العراقي وفصخت دولته ومؤسساتها يدرك حجم المأساة.



#عامر_صالح (هاشتاغ)       Amer_Salih#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رؤية سيكولوجية- سياسية للحرب الدائرة بين امريكا وايران وصعوب ...
- في سيكولوجيا الهجوم على الشيوعية واليسار ومخاطر ذلك على المج ...
- سيكولوجيا ثورة 14 تموز 1958 بين الأسئلة التاريخية والدروس ال ...
- محاربة الفساد المالي والإداري والسياسي بين صولة فجر الخضراء ...
- سيكولوجيا الفساد الأداري والمالي والأخلاقي في العراق وخصوصية ...
- سيكولوجيا التاريخي والسياسي والأجتماعي في أحياء الحزب الشيوع ...
- في سيكولوجيا اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة في العراق
- رئيس الوزراء العراقي وصعوبة تحديد المصطلحات
- في اللواكة وشر البلية ما يضحك
- في تكليف رئيس وزراء للعراق
- الموقف السيكولوجي والسياسي من النظام والدولة في الصراعات الد ...
- ترامب وسيكولوجيا الكذب الأسود
- الطبيعة السايكولوجية لترامب والحوار مع أيران
- في الهجوم على جهاز المخابرات العراقية ودلالته في الصراع الدا ...
- في النجوم على جهاز المختبرات العراقية ودلالته في الصراع الدا ...
- في مفهوم النصر بين الأعداء والتمنيات بسقوط النظام الأيراني
- من هو الفاعل?
- في الحرب الدائرة بين التحالف الأمريكي الأسرائيلي ضد أيران
- أزمة النظام في العراق بين أختيار رئيس وزراء ومنظومة الحكم
- كي لا ننسى السطو الأمريكي على فنزويلا: ملاحظات سايكوسياسية و ...


المزيد.....




- هيفاء وهبي بزي نادلة مطعم.. كيف تحوّل التصميم إلى قطعة -كوتو ...
- هل تريد شراء جمل؟ منصة تضع سوق الإبل في هاتفك
- الحرس الثوري الإيراني يكشف تفاصيل ضربة استهدفت أربيل بإقليم ...
- القاهرة .. استقبال رسمي مهيب للرئيس الصيني أمام قصر الاتحادي ...
- مصر.. الإفراج عن مداهم
- مصرع 16 شخصاً وإصابة آخرين في حادث انقلاب حافلة على ساحل الب ...
- إيران: ترامب لم يعد راغبا في ضرب إيران والمواجهة طويلة حتى ر ...
- بقايا -صاروخ أمريكي- تفضح مجزرة في إيران وقاليباف يصف واشنطن ...
- المفوضية الأوروبية تبدأ التحضير لحل الخدمة الدبلوماسية للاتح ...
- ماجدة موريس تكتب:ما الذي تحتاجه الشهرة؟


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عامر صالح - في الحرب على ايران والأشكالية السيكولوجية السياسية للدور الأمريكي والأيراني في العراق وخصوصية النخب السياسية العراقية